تاريخ النشر: 2022-02-21 | 11:54
تاريخ النشر: 2022-02-21 | 11:54
عندما يكون الحديث عن ثورة الجزائر -ثورتنا الحقيقية المنتصرة- فإننا نجد أنفسنا في محرابها مدفوعين لتأمل سننها وقوانينها وتدبر خطواتها ومراحلها، فلقد جمعت للانتصار أسبابه، وقد حملها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فلم يبدلوا ولم تصرفهم الالاعيب والمناورات ولم تشدهم المغريات الى بهرجها ولم تتعب هممهم وأوصلوها حيث الانتصار العظيم.. وبتأمل مراحل الثورة ومنعطفاتها نمتلئ يقينا ان عملية عبقرية منظمة جمعت استراتيجيتها لتسلم كل مرحلة الراية للمرحلة القادمة بعد أن تكون قد استوفت مهمتها، ونصبح على يقين بأنه لم يكن بالإمكان تجاوز أي مرحلة من مراحل الثورة ولا اختصارها فأي عبقرية تلك وأي يقين وأي قوة عزيمة وأي تنظيم؟؟ أجل إننا أمام معجزة الحق المنتصرة ضد الباطل المدجج بالجريمة والسلاح.. وهنا نقف مع محطة أساسية من محطات الثورة اضراب الجزائر وانطلاق ثورة المدينة فلقد كان نوفمبر المجيد يتكرر مع كل واحدة منها لنجزم انه لولا كل المحطات لم كان الانتصار العظيم.
موجة ثورية جديدة:
اندفع الشعب بكل يقينه وبكافة فئاته للإضراب الكبير من 28 يناير الى 4 فبراير لتكون الملحمة الشعبية الكبرى التي حددت حتمية رحيل الاستعمار الفرنسي من الجزائر.. لقد كان الشعب حاضرا بكل حيويته وفدائه تلبية لنداء جبهة التحرير الوطني: ** يا أيها الشعب الجزائري المجاهد، أيها المواطنون من تجار وعمال وموظفين وفلاحين ومحترفين إنكم تستعدون لأسبوع الإضراب العظيم أسبوع الكفاح السلمي للأمة التي فاتها شرف الكفاح المسلح، أمضوا مصممين، اصبروا للمحنة والبطش وأنواع العذاب التي يسلطها عليكم العدو، فالله معكم وجبهة التحرير وجيشها العتيد من ورائكم تشد أزركم وتأخذ بأيديكم إلى النصر إلى الحرية، إلى الاستقلال.. إن نجاح هذا الإضراب سيكون معناه أمام العالم أنكم تعتبرون وفد جيش وجبهة التحرير الوطني هو المتكلم الأوحد لشعب الجزائر المناضل** فكان الشعب كما آمن به حكيم الثورة وفيلسوفها العربي بن مهيدي فكانت الخطوة الثانية من ثورة المدينة لكسر الحصار عن الثورة ولفرض شروطه على المستعمرين ولنقل القضية الى المحافل الدولية قضية تحرر وتقرير مصير..
إنها النقلة الكبيرة للثورة التي اندلعت في فاتح نوفمبر 1954 في كامل التراب الجزائري وبعد ان أثبت العمل العسكري دوره وفعاليته واقتداره في ارباك القوة الاستعمارية واشغالها، جاءت المعركة الكبرى في جانفي 1957 لتتجاوز التشويه الإعلامي، وتعلن انها ثورة شعب بكامله فتقتحم على المؤسسات الدولية رتابتها وتفرض الرواية الجزائرية.
ثمان أيام كانت فاصلة بين مرحلتين: مرحلة الانطلاقة بالعمل العسكري والسياسي المنظم، ومرحلة الالتفاف الشعبي الواسع حول ثورته وجبهة التحرير وجيشها ممثلا شرعيا وحيدا له، ومقاومة الاستعمار بكل أشكاله.. لقد كانت التضحيات جسيمة فلقد توجت باستشهاد القائد الكبير العربي بن مهيدي ورئيس جمعية العلماء المسلمين العربي التبسي.. لكنها حققت أهدافها كاملة لتبدأ مرحلة جديدة من تكريس واقع جديد: الجزائر المستقلة الحرة.
كانت الاستجابة لنداء الإضراب مذهلة ولقد أصبحت مدن الجزائر وقراها خالية من الحركة إلا من حركة المعمرين الأوروبيين وقوات الجيش والشرطة الفرنسية فقد أغلقت جميع المحلات والمتاجر الجزائرية وكذلك الفلاحون رفضوا الذهاب إلى مزارعهم وممارسة نشاطهم المعتاد، كما امتنع عمال الموانئ عن الذهاب إلى عملهم مما شل وعطل حركة السفن.
صدمت استجابة الشعب المطلقة الإدارة الاستعمارية ولقد كان للحضور الإعلامي أثر بالغ في فضح المحاولات الأمنية لإفشال الاضراب ما أفقدها صوابها فاندفعت بوجهها الحقيقي الذي رافقها طيلة الوجود الاستعماري في الجزائر فشرعت في قمع المضربين بكل عنف ولجأت إلى اختطاف الكثير من المضربين من منازلهم لفتح محلاتهم تحت طائلة التخويف والتهديد والضرب المبرح كما حطمت محلات أخرى بعدما اقتحمتها بالقوة. وقام الجنود ورجال الشرطة بعمليات نهب وتخريب واسع لممتلكات الجزائريين.
ثورة المدينة:
بعد ان تقلد العربي بن مهيدي مسئولية القيادة في العاصمة وجد فرصته الكاملة في تنفيذ رؤيته في ثورة المدينة التي بدأها بنشاط واسع لتنظيمات الفدائيين بالعاصمة، بتكليفه مجموعات من الفتيات والمناضلين بوضع القنابل في الأماكن التي يتواجد بها الضباط الفرنسيون والمعمرون المتعصبون، وبمنهجية الصدمة والانتشار والتوسع مما أرهق الاستعمار لكون المعركة انتقلت من الجبال وإمكانية التغطية على مجرياتها إلى المدن بكل وضوحها وتواجد الاعلام والشعب لضرب الأهداف الاستعمارية، مما دفع الادارة الى استقدام المظليين لتطويق العاصمة، وكانت هذه الحلقة الأولى من رؤيته لثورة المدينة وقد حققت أهدافها كاملة بحيث أدرك الشعب من خلال المعاينة والتحسس ان الثورة مقتدرة وجادة ومصممة على المواصلة فازدادت ثقته بثورته.
وهنا كان لابد من الانتقال الى المرحلة الثانية في ثورة المدينة وفي تفاعل ذكي مع الوضع الدولي حيث يضبط التاريخ بدقة في وقت مناسب يعبر عن وعي وانتباه وفهم فلقد تم تحديد الانطلاق بالإضراب توافقا مع انعقاد مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 يناير واستمرت أيام الاضراب فارضة على المجتمعين الحدث الكبير ليتم الاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره ويصبح الملف الجزائري ملف دولي وليس كما ارادت القوة الاستعمارية ان يظل شأنا فرنسيا داخليا.
نادت لجنة التنسيق والتنفيذ إلى القيام بإضراب لثمانية أيام، لإثبات وجودها وسيطرتها على العاصمة التي هي مقر الإدارة الاستعمارية، وللإعلان للعالم ان الثورة ليست عملا عسكريا تقوم به مجموعات من تنظيم عسكري معزول، وليست عبارة عن مواقف نخبة سياسية ثورية، انما هي ثورة شعب بكل فئاته يعلن للعالم انه يلتف حول ثورته مطالبا بحقه في تقرير مصيره فكانت دعوة الشعب وبخاصة فئة التجار للدخول في إضراب لمدة ثمانية أيام وقد كانت الاستجابة كبيرة، بحيث تمّ تجنيد كل المناضلين للالتحاق بالعاصمة وتأطير الإضراب.. كان للتجار الجزائريين دور فعال؛ حيث استجاب هؤلاء لنداء جبهة التحرير ونفذوا اضرابهم من 28 يناير الى 4 فبراير 1957 وشمل الاضراب العمال والموظفين حتى أولئك الذين كانوا يعملون في مصالح فرنسية.. وامتد الاضراب الى مواقع أخرى في تونس والمغرب وفرنسا حيث انخرط الجزائريون في المشاركة مع اضراب الجزائر.
إنجازات الاضراب:
لقد كان للإضراب الكبير إنجازات داخلية وأخرى خارجية كانت الثورة في امس الحادة اليها وقد حقق أهدافه كاملة ولهذا فانه يعتبر نقلة استراتيجية كبيرة في مراحل الثورة، كما انه يعتبر نوفمبر الثاني الواضح الحاسم بالنسبة للداخل الجزائري بالتفاف الشعب فكان أسبوع استفتاء شعبي على الثورة منهجا وعلى جبهة التحرير الوطني عنوانا وقائدا وممثلا شرعيا وحيدا كما كان للجالية الجزائرية في أوروبا لاسيما بفرنسا، لأن الأمر كان مختلطا عليهم حول من يقود الثورة بين الجبهة والمصاليين، وبذلك أصبحت جبهة التحرير وجيشها الممثل والقائد بلا منازع.
فبه عرف الجزائريون في الداخل والخارج أن من يقود الإضراب والثورة، هي جبهة التحرير الوطني وليس سواها، وبهذا تحقق انجاز شرعية الجبهة بقيادة الكفاح وتمثيلها لشعبها ولقد اثبتت أيام الاضراب قدرة المنظمين له على ارباك الإدارة الاستعمارية ودفع الشعب كله في المواجهة وهذا ما تناولته الصحافة المغاربية والعربية والدولية بما في ذلك الصحافة الفرنسية التي كان لها مراسلون في الجزائر قاموا بإعداد تقارير وتغطيات وتحليلات واسعة.
لقد أكدت معركة الجزائر الكبرى-ثورة المدينة-التي تجسدت بأعمال الفدائيين العسكرية في مرحلتها الأولى، واضراب الشعب ككفاح سلمي في مرحلتها الثانية نبوءة ورؤية القائد الفذ العربي بن مهيدي الذي طالما الح بها: (ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب).
لقد كانت أياما استثنائية بالنسبة للشعب الجزائري الذي ينبعث في مواجهات شعبية سلمية جديدة من نوعها مطالبين بالحرية والاستقلال وهنا يجد الشعب انه ينتقل الى موقع المسئولية العليا في حماية الثورة وصون أهدافها والارتقاء الى اعلى درجات الفداء وهنا أيضا عاش الجزائريون كما يسجل شهود العيان والمؤرخون تضامنا أخويا فيما بينهم قل نظيره في التاريخ، وهذا أمر معروف عن الجزائريين في التحديات، وكذا تآزرا فيما بين الأسر الجزائرية، وحماية المحلات التجارية التي تعرضت للكسر والهتك من قبل الجنود المستعمرين.. كان الإضراب كفكرة وتنفيذ معبرا بدقة عن قمة الوعي السياسي والدقة التنظيمية واحكام التنسيق بين قيادة الثورة التحريرية.
اما على الصعيد الخارجي والنضال السياسي فلقد قطع الاضراب الطريق على المناورات الفرنسية في البحث عمن يتفاوضون معه او يصرفون القضية معه الى زوايا أخرى كتحسين شروط المعيشة او حلول جزئية انتقالية.. وعلى الصعيد العالمي أصبح وجود الثورة الجزائرية أحد أهم معطيات الواقع السياسي الدولي وأصبحت حقيقة ان الشعب الجزائري يبحث عن حريته وتقرير مصيره وهاهو يناضل سلميا مقدما تضحيات جسيمة من اجل ذلك الهدف المقدس فيما تورطت الإدارة الفرنسية بجرائم ضد الإنسانية وأصبحت عاجزة عن تبرير وجودها الاستعماري غير قادرة على احتواء الشعب الجزائري الذي حسم أمره وانطلق الى الحياة بحرية.. ولذا كان التحضير للإضراب والترتيب لها في مواعيد سياسية عالمية معبرا عن متابعات حثيثة من قبل القيادة للحراك الدولي كما أن تحديد الاضراب بأسبوع دون زيادة كان واضحا فيه وعي القيادة بالمزاج الشعبي وحجم قدرة الناس على المواجهة حيث كان من المتوقع أن تقوم أداة القمع الفرنسية بجرائم جنونية وهذا ما حصل فعلا بل فاق ما قامت به قوات المستعمر ما توقعه الجميع.. لم يكن اضرابا مفتوحا ولا مواجهات متواصلة هكذا دونما دراسة وتقدير.. فلقد كان الاضراب لهدف سياسي داخلي وخارجي محدد ويكفي لذلك أن يكون الاضراب قويا ونافذا وشاملا وسيكون خلال أسبوع قادرا على اسماع من به صمم.
لقد وجهت قيادة الثورة بهذا الاضراب السلمي رسالة الى المجتمع الدولي والى كل الهيئات العالمية بان الشعب الجزائري وليس تنظيما معينا قرر الانعتاق وهو يطالب بما تطالب به جميع شعوب الأرض وهو بذلك يشدد على تنفيذ القوانين الدولية والقرارات التي تخص تقرير المصير فأدخلت القيادة بذلك عنصرا جديدا في الصراع وقد نجحت أيما نجاح عندما أصبحت السلطات الفرنسية هي المعني بتحضير الإجابات والتبريرات لمواصلة جرائمها ضد الشعب الجزائري.
وحقق الإضراب أهم هدف سياسي في تلك المرحلة, حيث دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إدراج القضية الجزائرية في إطار حق الشعوب في تقرير مصيرها, فكانت بذلك ضربة قاضية لفرنسا الاستعمارية.
تضحيات كبيرة:
حدثني المرحوم السيد بن يوسف بن خدة أحد أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ انه عندما تم اعتقال بن مهيدي كان مقررا لنا اجتماع في مكان بمنطقة تليملي في اليوم التالي فأخذنا قرارا بأن لا نغير مكان الاجتماع ثقة منا بقدرة ابن مهيدي على الصبر والصمود وهكذا كان.. وقد صرخ في جلاديه ان جلدي يأبى ان يخون شعبه ووطنه.
أما الامام التبسي فلقد جاء الى العاصمة ليخطب في مسجد بلكور ويدفع بشباب الجمعية للانخراط في الثورة ويغطيها بشرعية دينية الامر الذي دعا الاعلام الفرنسي في بدايات الثورة ان يطلق عليها اسم الثورة المعممة و استمر نشاطه رغم التهديدات المتواصلة من قبل الاستعماريين لكي يتفاوض معهم وصبر على البلاء حتى اختطف وقتل بطريقة لا يمكن ان تخطر على بال بشر.
كان ثمن ذلك الإنجاز التاريخي ونجاح تلك المرحلة الثورية أن زفت الجزائر اثنين من خيرة قادتها التاريخيين محمد العربي بن مهيدي فيلسوف الثورة وحكيمها الذي اعتقل نهاية شهر فيفري وقتل تحت التعذيب ليلة الثالث إلى الرابع من مارس 1957 قال فيه الجنرال الفرنسي مارسيل بيجار بعد أن يئس هو وعساكره أن يأخذوا منه اعترافا أو وشاية برفاقه بالرغم من العذاب المسلط عليه وقبل اغتياله رفع بيجار يده تحية لابن مهيدي ثم قال: «لو أن لي ثلة من أمثال العربي بن مهيدي لغزوت العالم وفي عام 2001 اعترف الجنرال الفرنسي بول وسارس لصحيفة لوموند أنه هو من قتل العربي بن مهيدي شنقاً بيده.. ومحمد العربي التبسي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي اختطف في 4 ابريل 1957 ليلا وبدأ معه التعذيب لكي يقبل بالتفاوض مع الإدارة الاستعمارية ولكنه رفض بإباء "وقد تكفل بتعذيبه الجنود والشيخ بين أيديهم صامت صابر محتسب لا يتكلم إلى أن نفذ صبر "لاقايارد" -قائد فرقة القبعات الحمر-، وبعد عدة أيام من التعذيب جاء يوم الشهادة حيث أعدت للشيخ برميل كبيرة مليئة بزيت السيارات والشاحنات العسكرية والاسفلت الأسود وأوقدت النيران من تحتها إلى درجة الغليان والجنود يقومون بتعذيبه دونما رحمة وهو صابر محتسب ، ثم طلب منهم لاقا يارد حمل الشيخ العربي...فحمله أربعة من الجنود السنغاليين وأوثقوا يديه ورجليه ثم رفعوه فوق وعاء من الزيت المغلي المتأججة وطلبوا منه الاعتراف وقبول التفاوض وتهدئة الثوار والشعب ، والشيخ يردد بصمت وهدوء كلمة الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم وضع قدميه في وعاء الزيت فأغمي عليه...ثم أنزل شيئا فشيئا إلى أن دخل بكامله فاحترق وتبخر وتلاشى.. فكان دم هذين العملاقين هو الختم المطلوب لانتصار الثورة في مرحلة حاسمة وليكون عهدا متجددا للثوار: ان استمروا حتى النصر.