تاريخ النشر: 2014-07-01 | 03:03
تاريخ النشر: 2014-07-01 | 03:03
ولم يكن لشعاع الشمس الآتي بعد العصر من وراء الأفق إلا أن يبعث دفئا ً خريفيا ً في المكان، تبدو الشوارع في هدوء من الحركة العادية ، أسوار البيوت المطلة على الشارع منخفضة تتيح للجالسين في أفنية البيوت أن يشاهدوا المارة من الناس وعربات النقل والعربات العسكرية التي تمر في دوريات مفاجئة بين الحين والآخر تتفحص الأزقة والشوارع والناس والدور . تجلس الحاجة شادن على مقعد في فناء الدار ، تمسك بقطعة قماش لتلون بخيوط الحرير المساحات التراثية المرسومة على القماش ، الأصابع معتادة على تطريز القماش بالألوان الحريرية التي تجعل للرسوم رونقاً بديعا ً بأشكالها ووهجها ، التطريز اليدوي وأشغال الإبرة له مهارة وخبرة تتقنها الحاجة منذ الصبا وهذه هوايتها المفضلة ، وكثيرات من النسوة في القرى يتقن هذا الفن وبعضهن يكتسبن من وراء بيع هذه القطع لجمعيات تعنى بالتراث ، أما الحاجة فإنها تعشق فن التطريز وتحاول في كل مرة أن تبدع في رسومه واختيار ألوانه ، اهتماماتها الاجتماعية في مساعدة الناس كانت الطريق الذي مهد الطريق للحاجة أن تعمل رئيسة اللجنة الشعبية التي تتواصل مع عائلات الحي الفقيرة لمساعدتها ، تواصل غرز إبرتها في قطعة القماش التي ستزين أكمام الثوب الفلاحي من ذلك النوع الذي تحب نسوة القرية ارتداؤه في الأفراح والمناسبات السعيدة ، أما زوجها الحاج أبو سائد فأخذ يقطف أوراق الزعتر من الشجيرات المزروعة في فناء البيت الخارجي حيث الهواء يميل الشجيرات،ويغازلها شعاع الشمس الذي يحث الخطا نحو الغروب ، ترقبه الحاجة بين الغرزة والأخرى ، وتتجاذب معه الحديث ، ليتابع الحاج جمع الأوراق التي اعتاد استخدامها في خبز بعض الأرغفة بالزعتر البري ، بأطراف أصابعها تتابع غرز الإبرة وسحب الخيوط الحريرية . يقع البيت وسط صعود الشارع ، وشوارع القرية جبلية صاعدة ومنحدرة ، تسمع للعربات المارة عليه جئير وهي تصعد ماضية في الشارع ، يجلس الناس الذين فرغوا من أعمالهم في أفنية الدور في هذا الوقت من بقية النهار يحتسون الشاي بالميرامية ويطلون على الشارع الواسع ، يلعب أطفالهم ألعابهم المفضلة تحت أعينهم ،في حين يعتني البعض الآخر بما زرعوه في الفناء من أشجار الفواكه المثمرة وأنواع الورود ونبات الزعتر والنعناع والميرامية ، "جلست قريبا ً من والدتي متخففا ً من عناء اليوم الجامعي أتصفح كتابا ً ، وأرقب تشكيل قطعة القماش تارة ، وأيدي والدي يداعب أشجار الزعتر ليقطف بعض أوراقها الناضجة والشمس تبعث دفئا ً في الأطراف ، سرعان ما تبدده نسمة جبلية من السهول القريبة" - تأخر علينا فادي. تقول بصوت جبلي هادئ. يرد عليها ابنها سائد : - أكيد انشغل ، شوية بتشوفيه طل من الشارع . فادي شاب نشيط من شباب الحي يعمل مع الحاجة في اللجنة الشعبية ، يجهز لها قائمة بالمحتاجين من أهل القرية ، وفي اجتماع اللجنة تصر الحاجة على تدبير المساعدات لهذه الأسر ، تسمع إجابة ابنها المدرس الجامعي ، ولا ترفع عينيها عن قطعة القماش ، ولا عن غرزة الإبرة. - الألوان يا والدتي فاقعة على القماش تعطيه منظرا ً جذابا ً يلفت النظر . - ولو يا سائد هذي أمك خبيرة بالتطريز ، عمر قضيته في الألوان والثياب . - تسلم إيديك وإبرتك يا أمي التطريز بدو ينطق من كثر ما هو حلو. - الله يحلي أيامك يا ابني بس فادي مالو اتأخر .. - زمانه جاي وبيلهث عالطريق. - هالشاب نشيط وبيحب يساعد الناس. - و الا ليش اختاروه معك في اللجنة نشيط ومؤدب .. - ربنا يحميه لشبابه. تكاد الشمس تستقر على السفح البعيد ، النسمة الرطبة بدأت تزداد رطوبة ، الهواء منعش يفرح القلب ويملأ الرئتين ، يحيل الوجوه إلى نضارة أشد ، يأتي الحاج بما جمعه من أوراق الزعتر ، تفوح الرائحة الجبلية من الأوراق ، يجلب مقعده ويجلس يقلب الأوراق ، قال الحاج : - ريحة الزعتر بتجنن. ردت الحاجة: - بلادنا كل ثمرها وخيرها بيجنن يا حاج بس ربنا يهدي البال. - والله ع قولك يا حاجة ربنا يهدي البال ويسلم الشباب. - انت بعدك شاب يا حاج ما تستقل بنفسك وتعمل اختيار. - الزرع ما بيستحي من أوانه يا حاجة ختيرنا والبركة في الشباب .. - ربنا يبارك في الجميع هذي بلاد مباركة يا حاج. - صحيح بس تزول هالغيمة وتهدى الأحوال. - الظلم ما بيدوم يا حاجة ربنا شايف ومقدر المقادير. - ونعم بالله . الهدوء يمد أياديه على الأشجار والحجارة وأسفلت الطريق ، ويظلل بوابات البيوت الواسعة المطلة على الشارع الرئيس الأسفلتي ،الصاعد من المنحدر عند أول مدخل القرية إلى ما بعد بيت الحاجة شادن صعوداً يضني أهل القرية في الصعود راجلين ، ويمزق صوت الهدوء محركات العربات وطرطقتها ، حتى ينتهي الصعود . بلاد جبلية ، هبوط وصعود ، والحال مثل الطريق هبوط وصعود، لهاث وراحة ، هذا حال الناس ، والعربات ، والأرزاق ، والحياة . قرى وادعة ، يظللها الشجر ، ويمسح على بيوتها نسيم محمل بأريج الثمار ، ويفليها ضوء القمر بيتا ً بيتا ً وحقلا ً حقلا ً حين يكون بدرا ً تماما ً ، ويسبغ عليها الظلام لونا ً واحدا ً ، حين يفر القمر من مواعيده ، تتردد خواطر كثيرة في عقل الحاج ، واندفاع الحاجة ، وتأمل الأستاذ الجامعي ، كل يشغله اهتمامه الخاص ، لكن القرية والجو العام يشغل الجميع . وقف الأستاذ من مكانه ومشى في الممر إلى باب الدار الواسع المفتوح على مصراعيه وتأمل الطريق نحو المنحدر وجهة الصعود ، فهتف مخاطبا ً والدته : - فادي لا يظهر على الطريق. ردت الحاجة: - الغايب حجته معه. يرن الهاتف النقال للأستاذ الجامعي ، يضع يده في جيبه ، يخرج الهاتف ، يبص في الأرقام ، يقول : - ابشرى يا حاجة هذا فادي على التلفون . يتحدث معه ، تفهم الحاجة من حوارهما أن فادي سيأتي بعد قليل ، وقائمته التي أعدها للمحتاجين من أهل قريته جاهزة معه ،فيتهلل وجه الحاجة : - فادي نشيط وما بيأخره إلا كل صعب. تعود إلى إبرتها ، وغرز ألوانها في قطعة القماش ، والحاج ينظف أوراق الزعتر ، ويبدأ بفركها وتقطيعها ، ويعود الأستاذ إلى مقعده ، يزيحه أمتاراً يلاحق به آخر خيوط الشمس ليجلس في بقية من دفئها ونورها ، يصدم الهدوء الذي يلف الثلاثة في فناء البيت أصوات عربات على الطريق آتية من المنحدر صاعدة على الشارع ، الأصوات تضج مقتربة بصخب وهي تمزق الهواء وتحدث فرقعة وضجيجا ً عاليين ، تزداد الضجة ، يرتفع الصخب ، يصل للأسماع اصطكاك العجلات و زئير المحركات ، يعلو صوت الهاتف اللاسلكي فوق العربة الأولى ، إنها حاملة جند ، لحظات توتر ، لم يرغب الثلاثة في مغادرة الفناء أثناء مرور الدورية خشية حدوث ما لا تحمد عقباه ويظن بهم الجنود الظنون ، كل واحد منهم ظل ملازما ً مكانه حتى مرت العربة الثانية . - ما الذي أتى بهم؟ تمتم الثلاثة في انزعاج . ..ثم هبطت السكينة على ملامحهم ، ولازم كل منهم مكانه حتى تنصرف العربات ، الحاج يقلب أوراق الميرامية وأنظاره إلى الشارع ،والحاجة ظلت إبرتها مغروزة في القماش يدها على الإبرة وأنظارها صوب الشارع ، والأستاذ ترك كتابا ً يتصفحه وراقب الشارع متوجسا ً ، علا صوت المتحدثين في جهاز اللاسلكي العسكري بلكنتهم الغريبة ، بعد مرور العربتين صاعدتين لأمتار قليلة عن فناء البيت توقفتا ، رشقات رصاص فاجأت الجميع فلم يتمكن الثلاثة من مغادرة أماكنهم، الطلقات انتشرت في المكان ، أصابت الجدران والفناء والأشجار والسطوح والهواء والصمت والفراغ ، ثم صمت صوت الرصاص وجأر المحركان من جديد حيث واصلت العربتان الصعود إلى الشارع ، ندت صرخة من جهة الحاجة ، وقعت من مكانها ، هرول زوجها وابنها إليها ، الدم يتدفق من صدرها . - الإسعاف .. الإسعاف.. صرخ الأستاذ الجامعي وهو يحاول أن يوقف النزف ، الحاج جرى عند باب الفناء يلوح بيديه في الشارع يستنجد بالجيران ، كان الشارع خاليا ً ، اختبأ الناس خوفا ً من الرصاص ، رأى الجند في مؤخرة العربة الثانية رجلا ً عجوزا ً يصرخ ويلوح بيديه ، عادت العربتان العسكريتان رجوعا ً للخلف حتى اقتربتا من المكان ، خرجت إلى الشارع نسوة الجيران يستطلعن ما جرى ، ارتبك الجنود من تجمع الناس ، انطلقوا يواصلون السير على صعود الشارع بعد أن أطلقوا عدة طلقات في الهواء ، اختفوا وراء آخر الطريق ، يحاول الأستاذ الجامعي وقف النزف بدون نتيجة ، وصلت عربة من عربات الجيران لنقل الحاجة التي همدت وتراخت وتوقفت أنفاسها .. جاء فادي بلهفة ، تمدد بجوارها يستكشف الإصابة : - ما الذي فعله هذا الجندي المجنون؟! اضطربت الحارة ، تجمع الجيران في فناء البيت ، ظل الحاج جالسا ً على الأرض لم يقو َ على الوقوف ، أذهلته سرعة المصيبة ، تناثرت أوراق الزعتر على الأرض ، داستها الأقدام التي تزاحمت في الفناء ، بدأت نسمة غروب نشطة تهز أوراق الشجر ، لفحت برطوبة خفيفة أجساد الواقفين تجفف دمعهم ، الأستاذ لا يزال على الأرض مبهوتا ً ، الهواء يقلب صفحات كتابه ، والإبرة لا زالت تنغرز في الثوب بخيط الحرير الأبيض الذي صار ناضجا ً بدم الحاجة ، يصبغ في هدوء متسللا ً نسيج القماش وخيوط الحرير ، هبط على المكان فيض مقدس من الغروب والجيران والأعلام الملونة ،لم يكن بكاء الواقفين إلا حالة من السخط والقهر والعجز وقلة الحيلة ، نسيم عطري الرائحة يدب في المكان ، صار الفناء قطعة من الجنة ، جاءت الجنة إلى الفناء تعانق الحاجة وثوبها المطرز وإبرتها وغرزة الحرير وأعواد الميرامية وأوراق الزعتر ، تفتح الجنة يديها في دعاء مكتوم ، الابتسامة الهادئة تطل من ثنايا وجه الحاجة ، أحد ما نثر فضاء المكان برائحة عطري غطت على نهنهة النسوة في الفناء ، نظروا جميعا ً إلى أعلى ، كان نور شاحب يتسلل من قمر بعيد يوشك أن يطل على المكان . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحاجة شادن أبو حجلة ابنة الـ 60 عاما ً رئيسة اللجنة الشعبية في شارع الـ 15 استشهدت في