في بعض الأحيان، حين يضيق بك روتين الأخبار العاجلة وضجيج منصات التواصل الإجتماعي، وتجد نفسك تحاول أن تخرج من ذلك عبر فضاءات أخرى وقد وجدت أن الفلسفة تتيح ذلك؛ وكأنها نافذة صغيرة تطل منها على العالم بعين مختلفة. فقد قرأت مؤخراً لبعض المعاصرين، فوجدت أن هناك متعة ما ليست في حفظ نصوصهم، بل في استخدام نظرياتهم كمنظار نحاول به أن نرى به ما يحدث الآن، فالفلسفة ليست ترفاً عقلياً، بل هي أم العلوم وسلاح الأذكياء لفك شفرات الأحداث.
لطالما أدهشتني الآية الكريمة: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً" (الكهف: 54). من حيث كيف يجب علينا أن نفهمها بالشكل الصحيح؛ فهي من وجهة نظري ليست قانوناً فيزيائياً يدفعنا إلى الحرب حتماً، بل هي وصف لطبيعتنا المرنة التي تختار كيف تختلف. والفلسفة هنا تعلمنا أن الخلاف ليس عيباً في البرمجة البشرية، بل هو محرك التطور. وما يحدث في العالم اليوم هو مجرد تجسيد راقٍ لهذا الجدل؛ من حيث أنها ضرورة عقلية، وليست قدراً محتوماً، فالإنسان هو الذي يتخذ القرار متى يشتبك ومتى يتفاوض، وهذا مبني بكل تأكيد على المعرفة.
قبل أن أبدأ، دعوني أعترف بأن نموذج "أطروحة - نقيض - تركيب" الذي بسطوه لنا في الجامعات، لم يقله هيجل بهذه البساطة، بل كان أعمق من ذلك، حيث حركة الفكرة عنده ليست صراع لإنتاج شيء جديد. لذا، بدلاً من البحث عن "مركب هيجلي" وهمي يحل الأزمات المختلفة ، أرى أنه يجب أن نبحث عن أدوات أكثر واقعية.
فالحقيقة التي لا مفر منها هي ما قاله العسكري الألماني كلوزفيتز، بأن "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى". لكن بت أعتقد شخصياً في أن المفاوضات هي استمرار للحرب ذاتها، ولكن بالورقة والقلم! فما كان قصف وتدمير على الجبهات المختلفة، نجده يتحول فجأة إلى بنود قانونية معقدة، ومذكرات تفاهم وقد يتحول لمعاهدات كاملة.
وأعتقد أن الفرنسي دريدا ومفهومه العميق عن "الاختلاف"، يجعلنا نصل لحقيقة مفادها أن العالم الجديد لن يكون توليفة وردية، بل نظاماً هجيناً متعدد الأقطاب يعترف صراحةً أن التناقض ليس عيباً طارئاً، بل هو عصب الحياة السياسية. باختصار، لم تعد الطاولات المستديرة مكاناً لصنع السلام، بل أصبحت ورشة لصنع "قواعد اشتباك" جديدة تمنع الخلافات من الانفجار في وجوهنا.
ولو كنا صريحين مع أنفسنا، المقدسات والأيديولوجيات لا تسمن ولا تغني من جوع. فجوهر الصراع الإيراني - الأمريكي، والأزمة الأوكرانية مثلاً، هو من وجهة نظري صراع على سلاسل التوريد، وعلى معادن "الأرض النادرة" التي تصنع منها رقائقنا الإلكترونية، وعلى أنابيب الغاز التي تدفئ بيوت أوروبا.
فالمفاوضات هنا ليست خطابات بلاغية، بل هي لعبة شد حبل على القدرات المادية الخام، وهذا في الأساس ما قال به ماركس. أما أفلاطون وصاعده وهابطه؛ فالصعود يعني عنده أن نجرّد الصراع من دمويته مثال أن نرى من يتحكم بمضيق هرمز ومن يملك اليورانيوم. أما الهبوط، فهو العودة إلى الأرض لنرى مثلاً كيف تتحول الاتفاقات إلى جداول زمنية وأرقام حسّية (60 يوماً، 14 بنداً)، ذلك لأن الفلسفة الحقيقية هي التي تلامس الواقع لا التي تحلق في الفراغ.
من ناحية أخرى أرى أيضاً أن قوانين الجدل وحدها لا تكفي، لأن العامل البشري يفسد كل المعادلات الرياضية. فحسابات ترامب الانتخابية وكيفية جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، وكيف يرى بوتين الأمور من احية تأمين حدود روسيا، وما يسعى إليه جين بينج لتوفير الطاقة الضرورية للإستمرار في نهجه الإقتصادي وموقف المرشد الأعلى الذي يتأرجح بين شعارات المقاومة ومصالح البقاء؛ كلها متغيرات فوضوية تذكرنا بأن الفلسفة وحدها لا تفسر ما يقوم به هؤلاء الذين يمسكون بمفاتيح القرار.