كتب حسن عصفور/ منذ ان اغتالت القوى "اليهودية الإرهابية" رئيس وزراء اسرائيل اسحق رابين في مشهد لا يتكرر كثيرا، وامام أعين كل أجهزة الأمن، بدأت رحلة الخلاص السياسي الرسمي من دولة الكيان للاتفاقات التي وقعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني، وعملية الاغتيال لم تكن حدثا جنائيا أو "خلافا شخصيا" بين قتلة ورئيس حكومة، بل كان قرارا سياسيا بامتياز لوضع حد لمسار كان له أن ينتهي برسم خريطة جديدة لدولة الكيان..
ولم يكن اختيار ممثل قوى الارهاب السياسي التي قادت الى اغتيال رابين، بنيامين نتنياهو سوى الخطوة العملية للقضاء على اتفاقات لم تكن ضمن حسابات القوى الأشد تطرفا وارهابا في الكيان، ورغم استمرار حلقة التفاوض لسنوات لاحقة، الا أنها لم تتقدم وفقا لما كان متفق عليه، وكانت العبارة الإولى مع انتخاب نتنياهو بأنه لم يعد هناك "شريك اسرائيلي في علمية السلام"، قالها كاتب المقال في تصريح لوكالة "رويترز" في اوائل يونيو 1996، تجسيدا للحقيقة السياسية التي ستصبح واقعا قائما حتى تاريخه..
ورغم استمرار الحالة التفاوضية، ضمن اشكال وقنوات متعددة ومختلفة، وابرزها قمة كمب ديفيد، وقبلها مفاوضات الحل النهائي خاصة قناة ستكهولم، الا أن اغقيتال رابين كان الناظم الرئيسي لحركة المفاوضين الاسرائيليين، وباتت ارجلهم راجفة واياديهم مرتعشة خلال مرحلة البحث عن اتفاق يكمل ما كان متفقا عليه في اعلان المبادئ عام 1993 – اتفاق اوسلو -.
وضمن رحلة البحث عن "استكمال المتفق عليه"، رغم أن كل شيء بات واضحا بأن لا مستقبل للحل السياسي مع دولة الكيان في الظروف القائمة عربيا واقليميا ودوليا، ما أدى لاحقا لقلب الطاولة كليا باغتيال الخالد ياسر عرفات، كرسالة واضحة أن "لا سلام سياسي قادم"، حاولت بعض الأطراف الفلسطينية أن تواصل رحلتها التفاوضية وغرقت في وهم لا أكثر، وانتقلت من المواجهة المطلوبة بعد اغتيال الزعيم الخالد، الى مواؤمة الواقع للبقاء في دائرة "الخيال السياسي" بمسمى المفاوضات..
وخلال السنوات العشر الماضية لم تنتج كل محاولات البقاء تلك الا مزيدا من الكارثة الوطنية، وبدلا من اغلاق "الباب الدوار" ذهب البعض الفلسطيني الى اختيار "لعبة الكلمات المتقاطعة"، فكانت الشعارات اللغوية الرنانة سلاحا بديلا، كالقول مثلا على "اسرائيل أن تختار بين السلام والاستيطان" ، ثم تطورت لتصبح على "اسرائيل أن تختار بين السلام والاحتلال"..
ومع اعلان تلك الشعارات كان الاعتقاد في البداية، أن الوقت اقترب لاغلاق مسار "الباب الدوار" التفاوضي ، وأن طرح تلك المعادلة ليس سوى بداية لمرحلة جديدة من "المواجهة الشاملة" مع الكيان، فمن يطالب اسرائيل بالاختيار بين هذا أو ذاك، يكون عمليا قد حدد بالمقابل خياراته السياسية بين هذا أو ذاك، وفقا للخيار الاسرائيلي، سلاما أو احتلالا..
ومنذ أكثر من 10 سنوات، لا زال البعض يعيد ويكرر بشكل "دؤوب"، معادلة الاختيار تلك، وكأن ما تقوم به دولة الاحتلال من افعال وسياسات لم تصل بعد لمن طالبها طوال تلك السنوات بالاختيار، ويصر بشكل غريب جدا أن لا يرى "الخيار الاسرائيلي"، وأن حكومات الكيان المتتالية منذ ما بعد كمب ديفيد ثم اغتيال ياسر عرفات هو خيار الاستيطان والاحتلال، وان "السلام" ليس خيارا اسرائيليا مطلقا، في هذه المرحلة، ورغم كل الممارسات الاستيطانية - الاحتلالية يصر البعض الرسمي الفلسطيني أن يعود للسؤال مرارا وتكرارا: على اسرائيل ان تختار..
وبلا أي مجاملة سياسية فالاصرار العجيب على تكرار هذا السؤال ليس سوى تعبير مكثف جدا عن حالة العجز والهوان السياسي العام، الذي بات السمة الأبرز لـ"عقد ما بعد عرفات"، وتحول من عبارة تهديد كان الظن أنها بداية لمرحلة كفاحية، الى سؤال غبي وممل ومخجل الى درجة تفوق الوصف، كون من يقوله يصر على تطبيق تجسيد مقولة الغباء والعجزالعام "لا أرى..لا اسمع..لا اتكلم"..
هل يمكن أن يستمر استخدام هذا السؤال الغبي أكثر من عشر سنوات، وكأنه الرد التاريخي على كل أعمال دولة الكيان، تكرار وصل الى درجة يمكن وصفها بأنها أكثر مشهد استغبائي للشعب الفلسطيني، تتم ممارسته دون أن يرمش لقائلية جفن..
الحقيقة التي يجب أن يعاد صياغتها الآن وليس الغد، أن القيادة الرسمية الفلسطينية من بات عليها الاختيار بين الفعل الكفاحي الشامل لتجسيد حق الفلسطيني الوطني أو الرحيل..نعم عليها أن تختار بين "مواجهة الاحتلال أم مواجهة الشعب الرافض للاحتلال"..
والشعب الفلسطيني لا يملك ترف المزيد من الانتظار امام تمدد احتلالي بلا هوادة استيطانا وتهويدا لأرض ومقدسات، مترافق معها وضمنها حالة انقسام سياسي فوق ارض "بقايا الوطن" المحتل، انقسام وطني غير مسبوقة في تاريخ الشعب الفلسطيني، يشكل استممراره اداة لتعزيز المشروع الاحتلالي، ولهدم المشروع الوطني..
الاختيار لم يعد مطلوبا من دولة الكيان..فحكوماته المتعاقبة اختارت منذ زمن خيارها العدواني، فيما ينتظر شعب فلسطين خيار قيادته السياسية..المواجهة أو الاختباء – الانزواء!
ملاحظة: من أجل "شبه جزيرة القرم" كانت روسيا على استعداد خوض حرب نووية..الا تستحق فلسطين الآن هبة شعبية لا أكثر!
تنويه خاص: ذكرى استشهاد الناشطة الأميركية راشيل كوري، المصادفة اليوم 16 مارس، تستحق تقديرا رسميا فلسطينيا الى جانب التقدير الشعبي..هي أول أميركية أو بالادق أجنبية تستشهد فوق تراب رفح!