الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

جنازتان لم أحضرهما!

جنازتان لم أحضرهما!

تاريخ النشر: 2024-11-06 | 15:53

الجنازة الأولى

كان طريقي الوحيد من مكان نزوحي إلى مكان نزوحي الثاني يمر عبر مقبرة واسعة ممتلئة بالقبور، كنت أسير وسطها في طريق رسمته أرجلُ المشاة بين القبور، كانت جماهير المشيعين تتكوم حول القبور في انتظار إتمام طقوس الدفن، انقطعت كل الاتصالات منذ أربعة أيام، لم نعد نعرف أسماء الشهداء، والأهم لم نعد نعرف حال بقية أهلنا المشتتين في أماكن النزوح، هل هم من المصابين والشهداء، أم هم من الناجين؟ لذلك لابد أن نذهب لرؤيتهم يوميا لنطمئن عليهم. كانت أكواُمُ المشيعين في صباح هذا اليوم تتحلق حول ثلاثة قبور في المقبرة التي امتلأت منذ مدة طويلة، كل الذين يدفنون في ساعات الصباح الأولى استشهدوا يوم أمس فقط، غارات القتل والدمار مساء الليلة الفائتة كانت عديدة لدرجة أن عدد الذين استشهدوا في هذا اليوم وفق تقدير الإذاعات المسموعة بلغ سبع عشرة ضحية جرى انتشالها في ساعات الصباح الأولى، وهناك مفقودون من الأطفال والنساء ما يزالون تحت الركام.

محظوظون هم الذين لهم أهل أو أقارب كي يتولوا دفنهم!

 عندما زرتُ مستشفى الأقصى قبل يومين رأيتُ خيمة واسعة داخل ساحة المستشفى مملوءة بجثث الشهداء لأن ثلاجة الموتى تكتظ بأجساد كثيرين ممن لم تعرف أسماؤهم، أو ممن استشهد كل أفراد عائلاتهم ولم يبق لهم مَن يتعرفون عليهم وينقلونهم للمقبرة المكتظة بالجثث إما محمولين على الأكتاف أو على عربات الأحصنة والحمير، ومن ثم يحفرون لهم القبور، محظوظون مّن يظفرون بقبرً في المكان المكتظ بجثث الشهداء!

ما أكثر الذين لا يجدون لهم قريبا أو صديقا يكمل مهمة الدفن، هناك عائلات بكاملها قد استشهدت، ولم يبق لهم أحد يشيعهم إلى مثواهم الأخير، بقيت جثثهم في المستشفى، لا تستوعبهم ثلاجة الموتى الصغيرة، لذلك فقد حفر مسؤولو المستشفى مقبرة داخل أسواره ليتمكنوا من أن يواروا كل الذين ليس لهم من يتولى دفنهم.

سمعت وأنا أسير داخل سور المقبرة جدالا بين أحد المشيعين ومسؤول الدفن، لأن المسؤول يرفض إغلاق قبر أبيه الشهيد بالتراب، قال له: "لن أُغلق القبر قبل أن يدفن معه شهيدان، كل ثلاثة شهداء في قبر واحد" لذلك أبقوا القبور مفتوحة، بغطاء شفيف من الزنك القديم المهترئ.

طأطأت رأسي وأنا أسير بين القبور، أسرعت الخطى، حتى لا يراني أحد معارفي ممن يتولون دفن موتاهم، لأنني سأضطر إلى أن ألتزم بإتمام الطقس كاملا، وبالتالي سوف أتأخر عن الوصول إلى مكان نزوحي الثاني!

سمعتُ المؤبن يأمر المعزين الواقفين عند أحد القبور بالجلوس عقب إنهاء عملية الدفن، ويقول: إنهم عائلة بريئة اختارهم المولى إلى جواره، هم خمسة شهداء من عائلة واحدة، عاشوا كرماء عفيفين محبوبين من الجيران والأقارب، هم اليوم شهداء، اللهمّ افسح لهم في قبورهم مكانا في الرضوان، اللهمّ أعذهم من عذاب القبر، وجفاف ِالأرض، اللهمّ املأ قبورهم بالهناء والوفاء، والغبطة، والسّرور.

هكذا استعمل المؤبن صوته الجهوري وبراعته في اللغة ليطفئ نار الفقد عند ذويهم ومعارفهم المتحلقين حول القبر.

سرتُ باحثا عن وسيلة نقل توصلني إلى مكان نزوحي الثاني، لأن بقية أهلي يسكنون في خيمة بعيدة عن مكان نزوح زوجتي، حاولت أن أجد وسيلة نقل للمكان، لكنني فشلت حتى في إيجاد عربة كارو، اضطررت أن أسير المسافة كلها على قدميَّ وصلت خيمة لجوئي كنتُ منهكا جائعا، لمحت حالة من الوجوم على وجوه أقاربي في الخيمة، قالوا منذ وقت قصير عرفنا بأن عائلة ابنة أختك، هي وزوجها وثلاثة من أبنائها قد استشهدوا ليلة أمس ودمر منزلهم بالكامل، وقد جرى دفنهم سريعا، لقد علمنا بالخبر قبل قليل فقط!

فقدتُ توازني بسرعة، انهار جسدي على حصيرة الخيمة، خشيت أن أقول لهم إنني كنت بجوار قبورهم، وكان المؤبن يؤبن عائلة ابنة أختي، وأنا لا أعلم من هم الشهداء!

الجنازة الثانية

كانت تنعم في بيتٍ مكون من ثلاثة طوابق، فيلا فارهة، كان شارعها هادئا نظيفا جميلا، ظلتْ وهي فتاة جميلة تسعى للحصول على الثروة والمال لتجعل أبناءها سعداء منعمين، ولما طار أبناؤها من حُضنها أحست بالكآبة والخوف من الموت، لذلك ظلت تحاول الحصول على نبتة الخلود، نبتة البطل الأسطوري جلجامش، كانت ترى أنها أكملت دورها في الحياة، كانت تحاول أن تجعل من بيتها مزرعة وبيتا جميلا، زرعت سطح البيت بالأشجار والورود، وأنبتت في ساحة البيت الخارجية أشجار الليمون والبرتقال، كانت تجمع في ثنايا غرفة نومها، سريرا وثيرا تفخر بامتلاكه من خشب الزان الفاخر.

اعتادتْ أن ترى علامات الإعجاب بفيلتها الجميلة على وجوه زائريها، كانت تتعمد أن تحضر لهم بعض ثمار حديقتها ليتذوقوا حلاوة البلح والعنب والتين، اعتادت أن تشرح لهم كيفية الحصول على أنواع تينٍ منوعة من شجرة واحدة، وكيف أن في كل فرعٍ من فروع شجرة التين نوعا مختلفا، تين أسود، وآخر حماضي، وثالث تركي، ورابع بحري!

ظلت تفتخر بابنها الذي هاجر إلى أمريكا وتزوج هناك وأنجب ابنته، وكانت تطلبه بالهاتف عند أول زائر من الزوار لتُسمع زائريها صوته، وأنه ما يزال يحبها!

هي أيضا تحتفظ في غرفة الجلوس بما يذكرها بمسقط رأس والدها، تحتفظ بثوب أمها المطرز بألوان الورود، وتحتفظ بصورة والدها وهو يحتضنها طفلة صغيرة ضمن أفراد الأسرة!

كانت تشعر بأقصى درجات السعادة وهي تحتفل بزواج ابنتها لأحد الأقارب،

قررت مُكرهة أن تواصل رحلة البحث عن عشبة الخلود، ولكنها فجأة أضحت في غمضة عين نازحة في خيمة إيواءٍ في أقصى جنوب غزة، تسكن خيمة ليس فيها أبسط مقومات الحياة، خيمة لا تقيها من البرد، بعد أن كان في بيتها ثلاثة أنواع من التدفئة المكيف الكهربي، ومكيفات الكيروسين، بالإضافة إلى مدفئة الحطب!

ظلتْ شهرا كاملا تحلم بأن تعود إلى مسكنها الجميل، كانت تبتسم لكل خبر يشي بقرب الوصول إلى اتفاق يسمح لها أن تعود إلى سرير نومها، وإلى أشجارها، ظلت تبكي كلما سمعت المحيطين بها يرددون لا أمل في العودة، كانت تبكي بصوت عالٍ عندما تقصف طائرات الاحتلال أي منزل في جباليا!

قالت ابنتها: غفت على وقع قصف المدافع والطائرات غفوة سريعة لكنها استيقظت على صوت المذيع في هاتفها الخاص، وكان آخر خبر سمعته في الإذاعة: "دمر المحتلون مربع بيتها السكني بأحزمة نارية" لم نعد نسمع حركتها الدائمة، ظننا أنها غفت غفوة طويلة بعد أن عانت في مساء اليوم الفائت من تعب وإرهاق، رفضت أن تشرب منقوع حبات العدس الصفراء، وكسرة من الخبز المغموس في شوربة العدس.

كنت قريبا جدا من مكان جنازتها، كانت المسافة فقط أقل من عشرة كيلومترات، غير أن المسافات في وطني لا تقاس بالمقاييس الجغرافية المعتادة، بل تقاس بعدد الدبابات وعدد القنابل التي تقصف الأبنية والبيوت والسيارات وعدد الشهداء في هذا اليوم،

كنا نعلم أنها تعاني من أمراض النزوح كما نعاني، غير أنها كانت هي الأسوأ، بخاصة في شهر يناير وفبراير 2024م حيث موجة البرد الشديدة في الخيام.

لم تكن الاتصالات متاحة في ذلك اليوم، خبر وفاتها وصلنا بعد دفنها بعدة ساعات  عانت من النزوح والبرد، لم تحتمل فراق فيلاتها الفاخرة وفراشها الوثير فاكتأبت، ولم تعد قادرة على الحديث.

كانت هذه الجنازة هي أيضا جنازة أختي التي لم أتمكن من المشاركة فيها!

×
أخبار
سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالاً تشكيكياً في ضحايا 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط