تاريخ النشر: 2015-11-01 | 12:12
تاريخ النشر: 2015-11-01 | 12:12
أمد/ واشنطن – كتب جون ويتبك*: منذ بدأت موجة العنف الحالية في إسرائيل وفلسطين المحتلة، تحدث العديد من القادة الأجانب، فضلاً عن مجلس الأمن الدولي، عن الحاجة الملحة إلى استعادة "الهدوء". لكنه ليس الهدوء -كناية عن الاستسلام الفلسطيني- هو الذي تمس الحاجة إليه، وإنما المطلوب هو توفير أمل حقيقي وذو مصداقية للفلسطينيين بالحرية، وبقدر معقول من العدالة.
لكن الحكومة الإسرائيلية لن توفر الأمل، ولا تستطيع السلطة الفلسطينية تقديمه أيضاً. فقد تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال حملته الانتخابية بأنها لن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلة في عهده، في حين أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بعد أن وعد أنه سيلقي "قنبلة" في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر)، ألقى بمجرد ألعاب نارية رطبة بدلاً من ذلك. وأولئك الذين ارتبطت حياتهم كلها بـ"عملية سلام" تهدف إلى الحفاظ على الوضع الراهن -أي برنامج استيطان هائل الحجم يلتهم أرضهم ومجموعة كاملة من الإهانات اليومية- أصبح لديهم أسباب أكثر من كافية لليأس.
في حين يمكن الاستشهاد بعقبات عديدة تقف أمام "السلام" بين إسرائيل والفلسطينيين، فإن العقبة الأساسية أمام إنهاء الاحتلال الذي أصبح الآن في عامه التاسع والأربعين، هي الطبيعة البشرية البسيطة. إن الناس نادراً ما لا يدعمون حدوث تغيير كبير في حياتهم إلا إذا اعتقدوا أن هذا التغيير سوف ينتج تحسناً كبيراً في نوعية حياتهم.
فكيف يمكن جعل اليهود الإسرائيليين ينظرون إلى إنهاء الاحتلال على أنه سيجلب على الأرجح تحسيناً مهماً في نوعية حياتهم؟
في السنوات الأخيرة، نظر اليهود الإسرائيليون إلى الوضع الراهن، ولأسباب مفهومة ومنطقية، على أنه الأفضل بين جميع العوالم الممكنة. إنهم يتمتعون بالسلام والرخاء، والدعم العسكري والاقتصادي الغربي الذي لا يتزعزع، والحماية الدبلوماسية الأميركية غير المشروطة؛ في حين ظل الفلسطينيون، بعيدين عن الأنظار والانتباه، يعانون الاحتلال والقمع والإفقار والعنف المتكرر الذي يكون قاتلاً في كثير من الأحيان، على أيدي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين الإسرائيليين.
هذا الوضع المريح للإسرائيليين اليهود، مع احتلال خال أساساً من التكاليف، بل وحتى مجرد الإزعاج، يجب أن يتغير. وهو يمكن أن يتغير فقط، إما عن طريق الضغط الاقتصادي والسياسي اللاعنفي الذي يمارسه العالم الغربي، أو من خلال انعدام الأمن العنيف الذي يُحدثه الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال.
يمكن أن تقوم الدول الأوروبية بتطبيق عقوبات اقتصادية متكاثفة وذات معنى ضد إسرائيل حتى تنصاع للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتنسحب تماماً من فلسطين المحتلة. وبالتزامن، يمكن أن تطبق الدول الأوروبية لوائح تأشيرات صارمة على جميع الإسرائيليين، والتي تطلب من أولئك الذين يسعون لزيارة أوروبا تقديم أدلة مستندية واضحة على أنهم لا يعيشون ولا يعملون في فلسطين المحتلة.
ولكن، وبالنظر إلى عدد السنوات التي أنفقها الاتحاد الأوروبي وهو يناضل بقوة حتى لمجرد تمييز المنتجات القادمة من المستوطنات غير الشرعية التي تباع في أوروبا بشكل مناسب وواضح، فإن ثمة القليل جداً من إمكانية التفاؤل بأن يرى الساسة الأوروبيون قريباً مصلحة شخصية لهم في لعب مثل هذا الدور المبدئي واللاعنفي البنّاء.
للأسف، يترك هذا الواقع خيار صناعة انعدام الأمن العنيف في مجتمع الاحتلال الإسرائيلي فقط. وفي حين لا يستطيع المرء أن يدعو إلى العنف ضد المدنيين، فإنه يمكن أن يأمل مع ذلك بأن يحدث هذا العنف بأشكال محدودة، وأن يؤدي إلى نتائج بناءة. إن العنف منخفض التكنولوجيا، الجاري الآن بالسكاكين والمفكات، والذي ينتج قدراً كبيراً من الخوف والقلق، وإنما عدداً قليلاً نسبياً من الوفيات بين اليهود الإسرائيليين اليهودية، قد يكون الشكل الأكثر فعالية والأقل تكلفة من العنف القادر على إنتاج تغيير جوهري في فهم اليهود الإسرائيليين لما يخدم مصالحهم الخاصة.
إذا كانت الهجمات التي تبدو عشوائية وغير متوقعة على اليهود الإسرائيليين لتستمر فترة طويلة من الزمن، فإنها يمكن أن تؤدي إلى كتلة حرجة من اليهود الإسرائيليين الذين يَخلُصون إلى أن الاحتلال والقهر الدائمين ليسا، في الواقع، هما الأفضل من بين جميع العوالم الممكنة لهم، وأن نوعية حياتهم سوف تتحسن بإنهاء الاحتلال والسماح للشعب الفلسطيني بأن يتمتع بالقدر نفسه من الحرية والكرامة الإنسانية -سواء في دولتين أو في دولة واحدة- الذي يطالب به اليهود الإسرائيليون لأنفسهم.
إنها لحقيقة محزنة أنه ما لم يتم فقدان أرواح يهودية، فإن اليهود الإسرائيليين والعالم الغربي سيظلون يميلون إلى الشعور بأن الاحتلال ليس مشكلة على الإطلاق. والآن، مع فقدان أرواح يهودية -وأكثر بكثير من الأرواح الفلسطينية- ومع كل احتمال بأن المزيد من الأرواح ستُفقد في الأسابيع المقبلة، فإن من الضروري الاستفادة من اهتمام العالم ونشر وترويج تصورات جديدة عن الاحتمالات المستقبلية، حتى يتسنى أن لا تضيع كل هذه الأرواح التي تضيع سدى.
إذا استمر العنف الحالي لفترة كافية ليتأهل كـ"الانتفاضة"، فإنه قد يكون من المناسب أن تسمى "انتفاضة الأطفال". فسبب اليأس من أي إمكانية لأن يعيشوا حياة كريمة وذات معنى، يختار الشباب -وحتى الأطفال- بمبادرة منهم السعي إلى ما يعتبرونه ميتة ذا معنى. ولا يمكن تخفيف مثل هذا اليأس المأساوي إلا بالأمل.
عندما يصل هذا العنف إلى نهاية، فإن ذلك لا يجب أن يحدث لأنها تمت إعادة الشعب الفلسطيني إلى قفصهم، وتم إجبارهم على استئناف "عملية سلام" مزورة لا يمكن أن تذهب إلى أي مكان. وإنما يجب أن يحدث ذلك لأنه أصبح للشباب الفلسطينيين في النهاية سبب وجيه ليشعروا بأمل حقيقي وذي مصداقية بأن حريتهم وقدراً معقولاً من العدالة هي أمور قابلة للتحقيق.
*جون ويتبيك: محام دولي عمل مستشاراً لفريق التفاوض الفلسطيني في المفاوضات مع إسرائيل.
ترجمة عالاء الدين ابو زينة - الغد الاردنية
*نشر هذا المقال تحت عنوان:Palestinians Need Hope, Not Calm