الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حاتم علي... وأزمنة الجحود        

حاتم علي... وأزمنة الجحود        

تاريخ النشر: 2021-01-04 | 16:16

عاطف القانوع
عاطف القانوع

تبدو واحدة من تجليات عظمة حاتم علي في تلك اللحظة الفارقة التي حمله فيها خاله على كتفيه على نحو خاص، وسار به إلى مخيم اليرموك، لست أدري ما إذا كانت قامة خاله عالية بما يكفي، ليتمكّن الصغير أن يرى بوضوح، لكن ما أستطيع أن أجزم به أنها حتما كانت شامخة.

على وقع خطى الخال المنهكة، كان الفتى الصغير يراقب ببطء شديد كل التفاصيل الممكنة، والتي سوف تعاد صياغتها فيما بعد، وتنفجر الأسئلة في حلقه الغض، تلك اللحظة التقطها وعيه الخاص، وطبعها على صفحة فؤاده، وظل يحرسها، ويحوطها بالرعاية، وتكبر معه، حتى إذا أنضجها ضميره الإنساني الرحب الممتد، والمتسامح، المتجاوز إكراهات الجغرافيا، والعرق، واللون والدين، ألقى بها تحفة فنية خالدة تسطّر في دقّة عالية واحدة من أقسى سرديات الوجع الإنساني فرادة.

لستَ مضطرا أن تقطن أحزمة الصفيح، ولا تلافيف مخيم، يكوي لهيبه وجهك، ويجمد برده عروقك من أجل أن يستيقظ ضميرك، ولا أن تحمل بشرة سوداء لتحس بمواجع السود، وعنصرية البيض التي تحز روحك، كلا، ليس مطلوبا أن تكتوي بفقد حبيب،شفن  ليعي ضميرك معنى الفقد، لست مضطرا أن تكون فلسطينيا لتفهم معنى الوجع، معنى أن تقتلع من أرضك، وتلقى في عراء المنافي، وصحراء التيه، معنى التشرد والنبذ والخذلان.

لقد كان ضمير حاتم علي الإنساني الممتد، العابر حدود الأمكنة والأزمنة والأديان والألوان والأوطان، من القوة والرهافة بحيث لا تحول دونه الحدود والسدود. في إدراك الألم، والإحساس بوجع الآخرين، ورؤية الظلم الواقع بهم... إنه يحس ويشعر ويبكي وينتحب، ويعبر، وينحاز ويقرر.  ويعلن موقفه الأخلاقي، وواجبه الإنساني.

إن اشتراط وجود الضمير الإنساني الممتد لأي تحفة أدبية أو فنية هو العتبة الأولى نحو مدارج الخلود، ولا يكون ضميرا إنسانيا بافتراشه خارطة الجسد؛ حتى يمتد ليصغي إلى تنهدات الضحايا حيثما وجدوا في كل زمان ومكان.  بمثل هذا الضمير نحاول فهم فرادة إبداع حاتم علي في رائعته (التغريبة الفلسطينية)، وكثير من أعماله الفنية، والإجابة على سؤال مكرر طالما وجّه له: كيف يمكن لمخرج غير فلسطيني أن يقدم عملا عن هذه القضية؟

ربما يرى الكثيرون أن التوجه نحو الإبداع الأدبي والفني في التعبير عن الموقف الأخلاقي والواجب الإنساني تجاه الضحايا إنما هو أداة الضعيف في مواجهة القوي، وحيلة المضطر الذي أعيته المقادير، وهو اعتقاد تعززه الوقائع التاريخية للقوة الغاشمة التي تسحق بلا رحمة، لكنه يظل اعتقادا منقوصا، ذاك أن الزمن حينما يستكمل دورته، والفن تأثيره وفاعليته، يظهر عوار ذاك الاعتقاد، فلا شيء يقض مضجع الطغاة الظالمين مثلما يصنع الفن الخالد، المتعالي على الزمان والمكان، المنبعث من ضمير إنساني قلق.

إن الأعمال الفنية الخالدة غالبا ما تستعصي على الموت والفناء، والاندثار، والتغييب، ولا تكون خالدة حتى تشع في الضمائر الميتة فتبعث فيها الحياة، وتسري في النفوس الواهنة المنكسرة فتطلق إرادتها الخلاقة، وتصوغ وعي الأجيال الواعدة التي يراد تغييب وعيها، وقتل ضمائرها، وعزل إرادتها.

وفق هذا المنظور نحاول أيضا فهم القيمة التاريخية لأعمال حاتم علي، إنها فاعلية الضعيف الأعزل بين يدي القوي المقتدر، لا تلبث أن تسري في وعي الأجيال بصمت وهدوء، حتى تفاجئ الغزاة الظالمين بجحافل الأحرار، المنبعثين من سراديب المنافي، وهوامش التاريخ.

لم يكن حاتم من القوة بما يكفي لمواجهة سردية تاريخ يتم التواطؤ على إعادة صياغته، ولا مقاومة وقائع يراد تثبيتها الهش على واقع آيل للتردي، ولكنه كان من الصدق بما يسمح أن يجسد عذابات الضحايا، وأن يرسم على نحو غير قابل للطي والنسيان صور الوجع الإنساني الفلسطيني بكل تفاصيله وملامحه.  لقد اقتاتت مواجع الضحايا قلبه الهش فلم يكمل رحلته، وسكت فجأة على غير ميعاد، ليستأنف حاتم جديد معركة الوفاء لتنهدات الضحايا والموجوعين.

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط