أمد/ ربما تسمع أسماءً من التراث الأسطوري أو الحكائي العربي والشرقي عموما تتردد في أعمال بمراكز المسرح الغنائي الاستعراضي في برودواي بنيويورك أو ويست إيند بلندن، لكن نادرا ما ترى اسم أديب أو عمل لمؤلف عربي يلتمع وسط لافتات هذه المسارح المضيئة.
بيد أن اسم الأديب اللبناني جبران خليل جبران هو الاستثناء دائما، إذ يحظى بشهرة واسعة في العالم الغربي، لا سيما مع عمله الشهير "النبي"، الذي أصبح الكتاب المقدس لبعض حركات الثقافة المضادة في ستينيات القرن الماضي. وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من 50 لغة وبيع منها عشرات الملايين من النسخ منذ الثلاثينيات، حتى وُصف بأنه أكثر شاعر مبيعا في تاريخ الولايات المتحدة.
ويقف وراء تلك الشهرة نزوع جبران الإنساني الخالص ورسالته الداعية إلى المحبة والتسامح والانسجام مع روح الوجود والرافضة لكل العقائد الدوغمائية، ما يجعله مثار اهتمام واستلهام الكثيريين في العالم، ويضاف إلى ذلك أنه كتب الكثير من نصوصه باللغة الإنجليزية ما سهل انتشارها دون وساطة الترجمة.
وشهدت السنوات الأخيرة موجة اهتمام بإعادة تقديم جبران في أعمال إبداعية باللغة الإنجليزية إلى المشاهد الغربي، يقف وراءها في الغالب فنانون من أصول عربية، فكانت هناك مسرحية "استراحة على متن الريح" لنديم صوالحة (الكاتب والممثل الأردني الأصل والزميل السابق في بي سي) عن حياة جبران، كما حاولت النجمة الشهيرة سلمى حايك تقديم نبي جبران في فيلم رسوم متحركة ، وثمة هذا الأسبوع معرض فني في صالات سوذبيز يقدم أعمالا لفنانين استلهموا أعمال جبران في لوحاتهم.
بيد أن دانة الفردان ونديم نعمان اختارا مدخلا مختلفا في أن يقدما جبران هذه المرة في قالب مسرحية غنائية على مسرح رويال هايماركت في ويست إيند وسط العاصمة البريطانية، مستلهمين روايته القصيرة "الأجنحة المتكسرة"، ومزاوجين بين العمل الأدبي ومقاطع من سيرته.
وكانت نقطة الاختيار تلك مدخل نجاح وتميز للعمل، لاسيما أن الفردان ونعمان حرصا على العناية بالشكل "الموسيقي" لعملهما، واتقان عناصر تجسيده، فكان مصدرا لمتعة جمالية مضافة حلقت على متن نثر جبران وشاعريته المميزة.
فبدت الموسيقى التي كتبتها الفردان، المؤلفة الموسيقية القطرية، بالاشتراك مع نعمان (البريطاني اللبناني الأصل المعروف بأدائه في عدد من المسرحيات الغنائية الاستعراضية في الويست إيند، ومن أشهر أدواره شخصية راؤول في شبح الأوبرا)، وتجسيدها الأوركسترالي على يد المايسترو جو ديفسون أبرز عناصر العرض.
فظلت الموسيقى في قلب العمل المسرحي ممتزجة بالفعل الدرامي ومشاركة فيه، وليست مجرد تعليق تزيني خارجي عليه، وقد حرصت مخرجة العرض على تأكيد ذلك في استثمار وجود الفرقة الموسيقية على المسرح وسط الفعل الدرامي وإدخالها إحيانا مع عناصره التمثيلية الأخرى، كما هي الحال مع المشهد الذي تتحدث فيه إحدى الممثلات إلى المايسترو الذي يقود الفرقة في خلفية الفعل الذي يجري في ملهى تصبح الفرقة الموسيقية جزءا من المشهد فيه.
وسيحلق المشاهد طوال العرض على جناح الموسيقى، التي تبتدأ بتمهيد موسيقي " prelude" مميز، وتظل حاضرة مباشرة في المشاهد الغنائية، أو في خلفية المشاهد السردية والحوارية الدرامية.
ولعل عنصر النجاح الأساسي لموسيقى العرض هو تركيزها على الطابع الدرامي في بنائها، وتجنب ما تقع فيه كثير من الأعمال الشرقية التي تحاول الوصول إلى المستمع والمشاهد الغربي بالتركيز على العناصر الموسيقية التي تعكس الهوية والخصوصية وتقدم له ما هو مختلف عن تقاليده الموسيقية.
عن ذلك قالت الفردان في لقاء مع برنامج صندوق النغم في بي بي سي "أنا لا أريد أن أعطي للموسيقى انتماءً معينا فهي موسيقى العالم" ضاربة أمثلة بالتلاقح الحضاري والتمازج بين موسيقى الشعوب.
وتضيف "كبرت مع صوت فيروز لكن الموسيقى خارج معادلة الحدود والجغرافيا، فالتأثير والتأثر في المجتمعات العربية والإسلامية ودول الجوار كبير جدا... حتى فيروز تجد هذا التنوع الثري يعد من أهم ملامح غنائها، والذي تجد فيه كل الأنماط : الشرقي والغربي والتطريبي وغيرها.".