تاريخ النشر: 2015-11-17 | 09:11
تاريخ النشر: 2015-11-17 | 09:11
سيكون من الخطأ أن يكرر العالم أساليبه في مواجهة الإرهاب، بعد هجمات يوم الجمعة الدموية في باريس، كما حدث بعد يوم 11 أيلول (سبتمبر) 2001. ويستوي في هذا الغرب والعرب، الفلسطينيون وباقي العالم. والأصل الآن أن يتولى مفكرون ومنظرون مهمة رسم صورة متكاملة للحل.
من أكبر الأخطاء أن يبدأ عرب ومسلمون بالمقارنة بين عدد الهجمات الإرهابية التي يرتكبها غير مسلمين في أوروبا، وهجمات المسلمين، أو أن يغرقوا في المقارنات بين إرهاب تنظيم "داعش" وجرائم الاستعمار تاريخياً، وأخطاء الدول الأوروبية الراهنة في سياق تحليل الموقف الراهن.
إنّ الحديث عن الهجمات قد ينجرّ إلى صيغة تبريرية؛ تبرئ "داعش"، جزئيا أو كليا، بقصد أو من دون قصد، من جرائمه، وهذا يصل إلى درجة الانضمام غير الواعي، أو الواعي، لهذه القوة الإرهابية وخطابها وممارساتها ورؤاها.
في المقابل، فإنّ قيام الدول الغربية بتبني خطة عسكرية للقضاء على "داعش" ومشتقاته وشبيهاته، سيكون تكراراً لخطأ الحرب على أفغانستان، بعد اعتداءات 2001. تماماً مثلما أنّ تبني الحل الأمني في التعامل مع المهاجرين في أوروبا خطأ. كذلك، فإن بلورة التصور السياسي لمرحلة ما بعد الضربات يمكن أن تقع في الأخطاء ذاتها، وتحديداً فيما يتعلق بالتعامل مع الدول العربية.
بعد العام 2001، تم تبني فكرة فرض الإصلاح والديمقراطية في الدول العربية، بزعم أنه بذلك يتم تفتيت المناخ الذي يولد الإرهاب ويصدّره. وجرت محاولات الفرض بطرق منها الحرب، ومنها الضغط على الحكام والزعماء العرب، ومنها تمويل منظمات غير حكومية لتروج للديمقراطية، وسرعان ما جرى التراجع عن هذه الأفكار والمشروعات نحو العام 2006. وربما كان الخطأ حينها في طريقة المقاربة، والاعتقاد أن الديمقراطية يمكن تصديرها، وتصديرها جزئياً، من دون علاج الكثير من المشكلات.
فلسطينيا، نذكر المحاولات المحمومة من قبل إسرائيليين وأصدقائهم، لإلصاق المسؤولية بالفلسطينيين. ونذكر كيف خرج الرئيس ياسر عرفات يتبرع بالدم للضحايا، في محاولة لتجنب استغلال الجريمة في تجريم الفلسطينيين، وشيطنتهم.
هناك طرق عديدة لمواجهة ومقاربة المعضلة المتمثلة في الإرهاب، وهي مشكلة موجودة داخليا في المنطقة العربية، مثلما تقوم بالضرب في الغرب، وفي السياق أيضاً معالجة الجرائم والأخطاء التاريخية للاستعمار الغربي، ومن ضمن ذلك إقامة ودعم الحركة والدولة الصهيونيتين على حساب الفلسطينيين وقضيتهم بأبعادها العربية.
عندما وقعت الحرب العالمية الأولى، فإنّ وودرو ويلسون، رئيس الولايات المتحدة آنذاك، حاول وضع تصور جديد للعالم والتاريخ، يتضمن تغييرا في نوع الأنظمة السياسية حول العالم، وإنشاء عصبة الأمم لتكون هيئة عالمية للسلام. وقد فشلت طروحاته عملياً، أو على الأقل فشلت جزئياً. ومن أسباب الفشل، كان رفض الكونغرس الأميركي لطروحاته، وكذلك بسبب ظاهرة القوميات النازية والفاشية في أوروبا، وتبني الاستعمار عالميا، وإن أخذ مسميات مثل الانتداب والوصاية. لكن ويلسون قدم حينها تصورا عالميا متكاملا، تم تبني بعضه بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت له نتائج إيجابية.
إن أغلب الحكام العرب عاجزون عن مواجهة المرحلة، ولن يقوموا بشيء سوى الحلول الأمنية، ودعم الثورات والثورات المضادة، فأي معالجة حقيقية للأزمات العربية، بما يقضي على الإرهاب، يقتضي أيضاً أن يواجهوا ويعترفوا بأخطائهم، وتقليص سلطاتهم لصالح الشعوب.
والغرب يهرب من استحقاق مواجهة ضرورة تغيير السياسات العالمية، في أمور كثيرة، بما فيها الموضوع الفلسطيني، الذي بالتأكيد لا علاقة مباشرة له بالأحداث، وهو يستغل من "داعش" كما من غيرها، ولكنه موضوع مما يسمم الجو في الشرق الأوسط.
ربما يكون ما هو مطلوب حاليا تصور يطرحه مفكرون وأكاديميون، وسياسيون استراتيجيون حكماء، على غرار ويلسون، لرزمة حلول، تعلي شؤون حقوق الإنسان عالميا، وتحدد آليات لمحاسبة الحكومات، وتصلِح الأمم المتحدة وأنظمتها وأدواتها، بدلا من تهميش هذه المنظمة عندما لا تخدم سياسات الدول الكبرى. وكذلك طرح فكرة مصالحات تاريخية، وتسويات شاملة للقضايا التاريخية العالقة، القديمة والمستمرة حتى الآن، ثم تجنيد الرأي العام الدولي خلف هذه الأفكار.
عن الغد الاردنية