ما تناقلته وسائل الاعلام قبل عدة ايام عن تسهيلات محتملة تنوى اسرائيل تقديمها وترافقت مع التحضيرات لانعقاد مؤتمر اعادة الاعمار الذي استضافته العاصمة المصرية بدعوة مصرية نرويجية وبمشاركة الرئيس عباس واطراف اخرى ومنظمات دولية عديدة ، هذه التسهيلات جاءت بعد دراسة اسرائيلية وافية لصورة الوضع وتقييم المسؤولين (عن المناطق) سواء في المستوى الامني او السياسي ، بدأ المواطن يشعر بها ولو بشكل طفيف فمثلا تسهيل دخول المصليين للمسجد الاقصى لسكان غزة ، وفتح حاجز D.C.O قرب رام الله ، الحديث عن دراسه منح تصاريح عمل وزيادتها لتشمل سكان القطاع ، والسماح لهم بالدخول (لاسرائيل) لاول مرة منذ ما يقارب 10 سنوات اضافة الى منح تصاريح لدخول بعض المناطق لقطف ثمار الزيتون خلال الموسم الحالي ، هذه التسهيلات المزعومة تطرح العديد من الاسئلة حول هدفها وتوقيتها والغاية منها وهل هي مرشحة للاستمرار في المستقبل القريب !!!!
وكما هو معلوم كانت احدى توصيات والاستخلاصات التي خرج بها المستوى السياسي الذي رصد حركة الفعل ومجريات الامور في الاراضي الفلسطينية هي القيام ببعض الخطوات التي يمكن ان تظهر دولة الاحتلال بمظهر "ايجابي" خصوصا بعد الحرب العدوانية الاخيرة على القطاع ، كما ان تلك التقديرات جاءت ايضا بناء على مؤشرات حول تنامي الاراء الداعية لتحميل اسرائيل مسؤولية تعثر وتوقف عملية التسوية بفعل الاجراءات التي تمارسها اسرائيل بصفتها دولة احتلال وعلى رأسها استمرار وتوسيع البناء الاستيطاني وتدارس اطراف بما فيها اوروبية امكانية اتخاذ بعض الخطوات الجادة للضغط على دولة الاحتلال لا سيما ما اعلنته مملكة السويد من تبني الاعتراف بدولة فلسطين وهو تطور في غاية الاهمية لما للسويد من وزن ثم تكرر هذه الخطوة في تصويت البرلمان البريطاني بشكل رمزي لصالح الاعتراف بدولة فلسطين ، هذه المواقف التي تشير الى تصدع واهتزاز مكانة دولة الاحتلال التي تتكبد خسائر باهظة وتخسر عطاءات وشركات ونقابات تعلن بشكل يومي فرض المقاطعة على دولة الاحتلال تحتاج الى تقييم جدي لدى اوساط السياسة والائتلاف اليميني الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو وهو ما افضى الى اتخاذ خطوات من شأنها بحسب التقديرات تخفيف حدة الانتقادات "لاسرائيل" على مستوى العالم.
لكن هذا ليس كل شيء فحقيقه ما يجري رغم محاولة بيع اوهام التسهيلات التي تحاول دولة الاحتلال تسويقها للعالم لاظهارها بمظهر المسالم تكذبها الاجراءات اليومية الاخرى سواء في القدس المحتلة ومقدساتها الاسلامية والمسيحية وعطاءات تكثيف البناء الاستيطاني في داخل القدس واطلاق يد المستوطنين للاستيلاء على اراضي وعقارات ومنازل المواطنين ، واحراق المساجد وتواصل الاعتداء على المزارعين اضافة الى الاجراءات الاخرى واستمرار تقطيع الارض الفلسطينية عبر الحواجز المنتشرة التي تزرع الرعب وتمنع الحركة وتمارس اشكال الاذلال اليومي في صورة منافية لابسط القوانين الدولية .
ما تحاول دولة الاحتلال عبر اعلانها عزمها تقديم المزيد من التسهيلات له علاقة بشكل مباشر يتنامي الرغبة الدولية بمحاكمة قادة الاحتلال على جرائمهم بحق الشعب الفلسطيني لا سيما حربها العدوانية المفتوحة على قطاع غزة طوال 51 يوماً نفذت من خلال تلك الحرب ابشع اشكال الابادة الجماعية بحق السكان الامنيين والمدنيين العزل مما استوجب ادانة دولية واسعة عبرت عنها منظمات ومؤسسات وقوى دولية كبيرة حتى تلك القريبة من دعم اسرائيل والمعروفة بمواقفها المساندة لها (كما حدث في هولندا) مثلاً ، ويأتي في اطار المسعى لاجهاض امكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وقطع الطريق على الجهود السياسية والتحركات التي تسعى لتأمين انتزاع قرار بالاعتراف بدولة فلسطين التي صوت على العالم على عضويتها في المؤسسة الدولية ، فاسرائيل دولة الاحتلال لا تريد ان تتسع حالة العزلة الدولية عليها في الوقت الذي يتنامى فيه الشعور باهمية الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وتصاعد حركات التضامن الدولي مع قضيته العادلة .
السجن الكبير وحالة القهر التي يعيشها الشعب الفلسطيني تتمثل بالاحتلال بكل اشكاله وتعبيراته فوق ارضنا, وتخفيف واعطاء بعض التحسينات الطفيفة على حياة السجن لا يلغي ان الانسان يعيش سجناً وقهراً ، تماماً مثلما يتم زيادة ساعات المرور عبر حاجز عسكري وبيعه انه يمثل تطوراً هاماً في حياة المجتمع لكنه لا يلغي وجود الحاجز الدائم وعلى العكس من ذلك فهو يمثل امعانا وتكريسا لواقع لاطالة امد الحاجز تماماً مثلما ذكر في حالة السجن فلا فرق يكاد يذكر سوى بعض التفاصيل الصغيرة التي لا تغير من صورة الواقع المعاش ميدانيا بكل قسوته وبكل المعاناة المستمرة على مدار الساعة وفي كافة تفاصيل الحياة المختلفة . ً
انهاء الاحتلال وترسيم حدود دولة فلسطين واعلانها دولة تحت الاحتلال ينبغي على العالم انفاذ القانون الدولي تجاهها بتمكين شعبها من ممارسة حقه المشروع في بسط سيادته الوطنية على اراضيها كاملة بما فيهاعاصمتها هو مفتاح الحل والوصفة الاكثر سهولة لانهاء كافة التعبيرات المنتشرة فوق ارضنا لقوة الاحتلال بما فيها الحواجز والمستوطنات وكافة التعبيرات الاخرى .
ومن هنا فأن تلك التسهيلات المزعومة تاتي كما اعلن في الوثيقة التي نشرت قبل ايام من باب (ادارة الصراع) وليس العمل على حل الصراع ، زيادة عمل معبر رفح وتوسيع اميال الصيد البحري لا تمثل حلولاً عمليه لواقع تعود عليه سكان قطاع غزة هي في ظاهر الامر تبدو تسهيلات ومن جهة اخرى تطبق بحرية الاحتلال وجنوده خناقهم على مجرى الامور كلما ارادت وكما تريد ، الفهلوة السياسية التي تحاول الترويج لهذه البضاعة الفاسدة التي جريت سابقاً يجب ان لا تجد من يحميها وتسير بها من جانبنا، مسار المفاوضات الثنائية انتهى ودفنته اسرائيل تحت انقاض المنازل المدمرة في غزة ، والمساحات الشاسعة من الاراضي المصادرة ، احزمة الاستيطان التي تقسم الضفة وتخرج القدس خارج سياقها الجغرافي والسياسي وبالتالي التفاوضي مستقبلا ، هذه هي العلامات الفارقة الباقية لسياسة اسرائيل التي تطمح للابقاء على احتلالها غير المكلف بل المربح واطالة امده ما امكن امام التغيرات الجارية في الاقليم القريب والبعيد وهي من اكثر المستفيدين منها ، فهي ليست مضطرة لتقديم التنازلات للطرف الفلسطيني باي حال من الاحوال.
فهل علينا ان ننتشي وتغمرنا الفرحة العارمة بفتح حاجز لعدة ساعات اضافية ام اننا يجب ان نرى الصورة عبر بوابة مايجري على ارض الواقع في القدس ومحيطها وانحاء الاراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع !!! اسرائيل تريد ادخالنا في التفاصيل وتجزئة الاهداف الرئيسية مرة اخرى وكما جرت العادة سابقا ، من كمية الاسمنت المسموح بادخالها لاعادة الاعمار الى زيادة التصاريح التي تستغل على نحو مغاير لما اعلن عنه ولا علاقة له بالتسهيلات وحتى المساعي لاستئناف محتمل لجهود العودة للمفاوضات والعودة معها لدوامة موازيين القوى وما يتفق عليه الطرفان .
هذه صورة تلخص واقع الحال في بعض التفاصيل وتسلط الضوء على الواقع اليومي ، اما جوهر الاشياء فهو ببساطة عمل الاطراف الدولية من اجل انهاء الاحتلال وتجسيد حلم الاستقلال الذي هو الهدف الذي يحظى بقبول الجميع والذي لا بديل عنه ولا يمكن مقايضة هذا الهدف بفتات التحسينات الطفيفة على الحياة اليومية النضال الوطني هو للخلاص من الاحتلال وليس نضالاً مطلبياً على ازالة حواجز او تحسين ظروف المعيشة (للسكان) كلها ستبقى اوهام وذر للرماد في العيون ما بقي الاحتلال جاثماً فوق صدورنا وحتى لو استمرت تلك التحسينات فانها ستنهار عند اول نقطة اختلاف لتعود الامور الى طبيعتها قوة قهر جاثمة فوقنا وشعب يناضل من اجل استقلاله وتحرره هذا هو اساس المشكلة وهنا فقط يكمن الحل.