قد تكون حرب الاستنزاف هي بين قوتين غير متعادلتين تكنولوجيا ً وبشريا ً ، وربما تستخدم حرب الاستنزاف في حرب التحرير الشعبية وفي حركات التحرر كوسيلة واسلوب لارهاق العدو ، وجعله يفقد توازنه في حرب طويلة الأمد قد لا يتحملها العدو بشريا ً ، وقد لا يتحملها مدنيا ً واجتماعيا ً واقتصاديا ، وربما تثير انقلابات امنية في قواه وقياداته سواء كانت قيادات الصف الأول او الميدانية.
استخدمت حرب الاستنزاف في كل من فيتنام والجزائر لسنوات طوال وكما استخدمت في ثورة اليمن الجنوبي واستخدمتها الثورة الفلسطينية في بداية انطلاقتها لسنوات معدودة فقط ، حيث تحولت من عمل مسلح الى التعامل مع الاطروحات والمبادرات السياسية والأمنية الدولية والاقليمية.
تختلف الحرب على غزة والتي اعد لها العدو الصهيوني سياسيا ً وامنيا وعسكريا عن سابقتها من الحروب في 2008 و2012 وما قبلها من مناوشات ومواجهات قصيرة ، فهذه الحرب اختلفت نهجا ً واهدافا ً لكلى الطرفين ، الطرف الصهيوني وطرف المقاومة الفلسطينية ، في ظل اجواء صعبة يعيشها كل من الطرفين على المستوى الداخلي ، الجانب الاسرائيلي الذي يعاني من مشاكل عدة داخلية بين رجال النخبة والاحزاب المختلفة ، وزياده المجتمع الصهيوني في نهج التطرف والاستيلاء على الارض ، اما الجانب الفلسطيني الذي عانت ايكونته السياسية من الانقسام الامني والسياسي على مدار اكثر من سبع سنوات والتأم هذا الانقسام ولو صوريا بحكومة التوافق التي تسلمت مهامها ما قبل العدوان الصهيوني الاخير على غزة بعدة شهور ، والتي بقيت تراوح مكانها وخاصة بالنسبة لمتطلبات قطاع غزة المحاصر ، في ظل تعنت بمساواة موظفي غزة وعسكرها وامنها بموظفي السلطة في الضفة الغربية ، بالاضافة الى معوقات اقليمية لاتمام عمل هذه الحكومة ولو بالحد الأدنى التحفظ الاسرائيلي والامريكي على وجودها او الاعتراف بها بشروط اعتراف حماس وفصائل المقاومة بكل الاتفاقيات الموقعة مع العدو الاسرائيلي ، في حين قد صرح الرئيس الفلسطيني عباس بأن الحكومة حكومته وهي ملتزمة بكافة الاتفاقيات والتفاهمات المبرمة مع الجانب الاسرائيلي بما فيها اتفاقية المعابر .
في ظل تلك الاجواء المشحونة لكلا الطرفين ، وجد نتنياهو واليمين الاسرائيلي ضالته من الخروج من مأزقه الداخلية من تسجيل بعض البطولات ولو على حساب الفلسطينيين مستغلا ً خطف ثلاث مستوطنين وقتلهم ، مما مكنه من الانطلاق اولا ً في الضفة الغربية في عدوان استمر ثماني ايام لتحطيم البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية ونشطائها في الضفة كتأمين جبهة المواجهة مع غزة ، فالمسؤولين الاسرائيليين وان ادت الاجهزة الامنية للسلطة دورا معقولا بالتزاماتها الامنية مع اسرائيل ، فانهم مازالوا يعتقون ان وجود السلطة يكمن بوجود الاحتلال والا قد تسيطر حماس والفصائل المقاومة الفلسطينية على الضفة في وقت قصير .
كان امام العدوان الصهيوني عدة سيناريوهات لمواجهة المقاومة الفلسطينية في غزة وهو الذي تعود على الحرب القصيرة مثل حرب الـ6 ايام عام 67 وما تلاها من حروب ، ولكن هذه المرة قد تختلف الامور عن سابقاتها ، فلقد جهزت المقاومة الفلسطينية قواها تكنولوجيا ً وبشريا ً بما يتناسب وبدراسة دقيقة لنقاط الضعف والقوة لديها ولدى عدوها ، وبخاصية غزة الجغرافية المسطحة والمكشوفة جويا ً ، والتي لا تحتوي على محميات طبيعية او جغرافية لعملياتها القتالية ، وبالتالي كانت المواجهة مع المقاومة الفلسطينية صعبة جدا ً عندما ابتدعت المقاومة الفلسطينية تكنولوجيا الانفاق والعمل خلف خطوط العدو وهذا السلوك الذي استخدمه حزب الله في حرب 2006 واستخدمته القوات المصرية في حرب استنزافها التي بدأت من عام 68 الى عام 1973 وتحرير سيناء والتي عرفت فيها طريقة تفكير العدو وخططه عسكريا وميدانيا ونقاط ضعفه وقوته.
تكنولوجيا الصواريخ وحرب الانفاق قد قلبت الاوراق ، وقلبت موازين القوى حيث اعتمدت اسرائيل على قواها الامنية بشكل كبير لتحقيق اهداف قد لا تصل لها بحرب مواجهة على خط التماس ، واستخدمت العملاء الارضيين وكافة التكنولوجيا العسكرية والتي كان دعما ً لها سلاح الجو الاسرائيلي الذي حقق اصابات كبيرة جدا ً في اوساط القطاع المدني والصحي والاقتصادي والتعليمي ، ولم يستطع تحقيق ضربات قاسية للمقاومة على خط الجبهة والتماس .
حرب الاستنزاف قد تعرف فيها المقاومة الفلسطينية نقاط القوة والضعف للعدو ، ومن هنا تحدث اختراقات لمكامن القوة للعدو وتؤثر عليه تأثيرا ً كبيرا وتخلخل خططه العسكرية والامنية ، هذا اولا ، اما ثانيا وبحالة خاصة المجتمع الاسرائيلي الذي بني وجوده على نظرية الامن والامان في الواحة الخضراء والساحل ذو الجو المعتدل في فلسطين ، قد قوضت هذه النظرية والفكرة بسلاح الانفاق والصواريخ ، حيث فرضت المقاومة الفلسطينية حصارا ً مقابل حصار ورعب مقابل رعب بصرف النظر عن الكم من الخسائر، فهاهم المستوطنين الاسرائيليين بما فيهم مسؤولي البلديات يهرعون للملاجئ ويذهبون لاقصى نقطة في الشمال بحثا عن الامان ولاول مره منذ تاريخ انشاء الكيان الصهيوني ، وكذلك ان المجتمع الاسرائيلي المفكك ثقافيا والذي يدرك ان هذه الارض ليست ارضه لا يقوى على مواجهة قد تستمر عدة شهور او سنوات في ظل تضاؤل عملية اجتياح كامل لقطاع غزة بما يكلفه هذا من خسائر بشرية وفي العتاد وخسائر اقتصادية وخلخلة منظومة الدولة على ارض فلسطين ، بما فيها الرعب القائم من ان يدرك الجميع ان لا حل للمشكل والصراع الا باقامة الدولة الواحدة في حال اجتياحها لقطاع غزة وسيطرتها على كامل الضفة الغربية الآن ، ويضاف الى ذلك الكم المؤثر من الفلسطينيين المتواجدين على ارض فلسطين المحتلة وفي شمالها .
ولذلك امام حرب الاستنزاف القائمة الان والغير معلنة بين المقاومة الفلسطينية والعدو الصهيوني قد يخسر الفلسطينيين بشريا واقتصاديا ً ولكن لم يبقى للفلسطينيين ما يقدموه بناءا ً على انشطة الرئيس الفلسطيني عباس الذي قدم كل شيء ولم يلقى ولم يأخذ أي شيء ، ولذلك اسرائيل حريصة الآن على انهاء حرب الاستنزاف التي قد تقوض وتخلخل الدولة الصهيونية ولو استمر نطاق حرب الاستنزاف الى عدة شهور ، التي قد تجعل الكيان الصهيوني في مهب الريح والذي سيفرض اطروحات سياسية مختلفة عن الاطروحات الحالية كما قلنا كحل الدولة الواحدة او قرار التقسيم .
تعتمد اسرائيل الان على القيام بالاتصالات الدولية لفرض وقف اطلاق نار ثم الدخول في مفاوضات على غرار المفاوضات التي قام بها الرئيس الفلسطيني منذ اكثر من 20 عام ، بل هناك اطروحات اوروبية لفتح ملف الصراع للحل النهائي في ظل الاجواء الحالية التي تهدد الكيان الصهيوني حفاظا ً على امن ووجود وكيانية اسرائيل ، واعطاء الفلسطينيين بما طالبوا به من قضايا معيشية كفك الحصار ورواتب وغيره ، ليس هذا لمصلحة الفلسطينيين بل هو الادراك الدولي والاقليمي بأن الفلسطينيين قد يعانون من هذه الحرب والمواجهة ، ولكن هناك بعدا ً استراتيجيا قد يخل بالجغرافيا السياسية في المنطقة بما فيها كيانية الدولة الصهيونية .