الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حرب غزة والمتغيرات السياسية في المنطقة

قطاع غزة ذلك الجزء الصامد الذي لا يتجزأ من الكل الفلسطيني, ذو المساحة المحدودة, والكثافة السكانية المرتفعة والإمكانيات الضئيلة والواقع المأزوم على مختلف الجوانب (السياسية والاجتماعية والاقتصادية), فهي نقطة انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى, ونقطة الانطلاق صوب اقتلاع آخر احتلال على أرض الواقع في العالم, منذ أن تم توقيع اتفاقية أوسلو – ما لها وعليها من ملاحظات – وعودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى قطاع غزة وأريحا أولاً, والمضي في طريق إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.

اندلعت الحرب على قطاع غزة 2014, وهي الحرب الثالثة خلال ستة سنوات إذ سبقتها حرب 2008 – 2009, وحرب 2012, لكن لكل حرب ظروفها وأسبابها التي تفرض واقع الحرب وواقع ما بعد الحرب, ولو أردنا الوقوف على أسباب الحرب يمكن إيجازها في التالي:

أولاً: فشل المفاوضات والواقع السياسي المتأزم في إسرائيل: فما أن انتهت جولة المفاوضات الأخيرة بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل, برعاية أمريكية في محاولة للوصول إلى اتفاق سلام دون التوصل إلى أي تفاهمات وبالتالي تعثرها بسبب التعنت والرفض الإسرائيلي في كافة الملفات, والوصول إلى طريق مسدود بعد أن رفضت إسرائيل اطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى, فقد حمل تجميد المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية - مع نهاية شهر إبريل 2014، وعقب توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية بين منظمة التحرير وحركة حماس - في طياته إرهاصات التطور الحالي للوضع العسكري على الساحة الفلسطينية – الإسرائيلية، والذي أدى إلى إطلاق الجيش الإسرائيلي حربه ضد قطاع غزة. من جهة أخرى بدى المشهد السياسي الإسرائيلي في الداخل يعج بالكثير من الخلافات السياسية والتجاذبات في ظل حكومة يمينية متشددة برئاسة نتنياهو, مما أعطى مؤشرات بإمكانية انهيار الحكومة, فما كان من الحكومة الإسرائيلية إلا أن لجأت للهروب للأمام, في ظل استمرار المقاومة الفلسطينية اطلاق الصواريخ تجاه المستوطنات المحاذية لقطاع غزة, وفي ظل التذمر الغربي من الممارسات الإسرائيلية والإحباط بين صفوف المجتمع الإسرائيلي.

ثانياً: اتفاق المصالحة وتشكيل حكومة التوافق الوطني برئاسة الدكتور رامي الحمد الله, وهذا السبب أدى إلى تذمر اسرائيل من اتفاق المصالحة بين فتح وحماس, وبالتالي احراج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام حكومته اليمينية المتشددة.

ثالثاً: استمرار الحكومة الإسرائيلية في الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة.

رابعاً: استمرار تضييق الخناق على السلطة الفلسطينية وحماس، وفرض إسرائيل للمزيد من العقوبات الاقتصادية والمالية على السلطة الفلسطينية.

خامساً: استمرار الغارات الإسرائيلية ضد قطاع غزة وكذلك عمليات العنف من جانب القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس, وتزايد أعمال العنف من جانب اليهود المتطرفين ضد الفلسطينيين.

سادساً: استمرار الحصار, واغلاق المعابر, ضمن السياسة الإسرائيلية العقابية تجاه قطاع غزة, وتراجع الطرف الإسرائيلي لما تم التفاهم عليه ضمن بنود التهدئة 2012.

سابعاً: وقد جاء الحدث الأبرز الذي سارع في تأجيج الوضع في الكل الفلسطيني, وهذا الحدث مركب ذو شقين, الأول: قضية اضراب الأسرى في سجون الاحتلال وما كان لها من صدى شعبي كبير, والشق الثاني: لإجهاض حكومة التوافق الوطني وانهاء قضية الأسرى المضربين عن الطعام, وفرض حقائق جديدة في الضفة وغزة وهذين الشقين متعلقين بإسرائيل, فتم نسج حادثة اختفاء المستوطنين الثلاثة في مدينة الخليل والعثور عليهم قتلى بعد فترة, لخلط الأوراق وفرض واقع جديد على السلطة الوطنية الفلسطينية, كعقاب للسلطة وتصفية حسابات إن جاز التعبير منذ 29/11/2012 – حصول فلسطين على دولة غير عضو بصفة مراقب في الأمم المتحدة – وانضمام فلسطين لأكثر من 15 اتفاقية ومعاهدة دولية, لتصبح بذلك إسرائيل على بعد خطوات من محكمة الجنايات الدولية. فتم استباحة الضفة الغربية بأكملها وتم اعتقال نواب من المجلس التشريعي عن حركة حماس, في محاولة لتفريغ الضفة من قيادات حماس, إلى جانب اعتقال من تم تحريرهم ضمن صفقة تبادل الأسرى مع حماس 2011, واعطاء اليد الطولى لعربدة المستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي, مع تسخير الأيدي الخفية للوقوف على بعض المرادفات السياسية التي تم استخدامها في الخطاب السياسي الرسمي, ليتم استغلالها من قبل المستفيدين في تأجيج الرأي العام الشعبي الفلسطيني ضد القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس, لتكمل السياسة الإسرائيلية الهجومية على السلطة الفلسطينية وافشال حكومة التوافق الوطني باستخدام مصطلحات تشهيرية وتخوينية وتشويهية وتحديداً فيما يتعلق بالتنسيق الأمني, لتتمكن إسرائيل وعلى طبق من ذهب من تحقيق عدة نقاط, الأولى إحداث شرخ بين الشعب والسلطة, والنقطة الثانية إنهاء الالتفاف حول قضية الأسرى المضربين عن الطعام, وبالتالي احزار مكسب في الداخل الإسرائيلي محدود, لتكون نقطة الانطلاق منذ العثور على المستوطنين قتلى, ليتحرك قطعان المستوطنين بشكل همجي باغتيال الفتى محمد أبو خضير, وتستبيح الضفة عربدة وعنجهية, في محاولة منها للتأكيد عن أن المستوطنات جزء من إسرائيل وأمن المستوطنات من أمن اسرائيل, في مسعى لفرض واقع أمني جديد في المناطق المحاذية للمستوطنات, لنصل إلى النقطة الثالثة وهي الأهم المضي الإسرائيلي في مخططها الاستيطاني لفرض التقسيم الفعلي وجعل الأراضي والمدن الفلسطينية عبارة عن كنتونات.

إلا أن هذا الأمر اصطدم بالحالة الثورية التي انطلقت في الضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني على إثر اغتيال الفتى محمد أبو خضير, حتى وصلت إلى قطاع غزة, وهنا يجب ابراز نقطتين:

النقطة الأولى: وهي أنه لم يعد بمقدور سكان المستوطنات المحاذية لقطاع غزة تحمل استمرار اطلاق الصواريخ من غزة, وهنا يمكن القول أن الهدف مما سبق قوله في ما يتعلق بالممارسات الإسرائيلية هو خلق واقع جديد في قطاع غزة, بموافقة إقليمية ودولية, ليتم القضاء على آخر منطقة مشتعلة, على غرار ما تم افتعاله في سورية وليبيا والعراق, فتم دحرجة الكرة التصاعدية الهجومية مستغلة اطلاق المقاومة الفلسطينية الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية كرد طبيعي من قبل المقاومة لاغتيال الفتى محمد أبو خضير واستباحة الضفة واستهداف اسرائيل للعديد من المناطق والمواقع واغتيال مجموعة من المقاومين, ليكون لدى إسرائيل المبرر في عدوانها على قطاع غزة.

النقطة الثانية: متعلقة بواقع قطاع غزة واستمرار فرض الحصار وإغلاق المعابر وتردي الأوضاع الاقتصادية, حتى في ظل تشكيل حكومة التوافق الوطني, لتظهر للسطح أزمة الرواتب لتزيد المعاناة, فما كان من المقاومة الفلسطينية إلا أن مارست الرد الطبيعي على كل تلك الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية.

في ضوء هاتين النقطتين اندلعت الحرب بين فلسطين وإسرائيل, إذ أن الأمر ليس مقصور على قطاع غزة وإن كان جل تركيز الحرب الهمجية في قطاع غزة, وهذه الحرب تأتي في سياق الخطة التآمرية التي حيكت ضد فلسطين, بموافقة إقليمية ودولية, وفي ظل استمرار الحالة الثورية القائمة والمستمرة في الضفة والقدس والداخل بالتوازي مع استمرار المقاومة اطلاق الصواريخ, ضمن سلسلة المتغيرات التي شهدتها المقاومة من تطوير المنظومة القتالية لديها.

إذا أردنا الحديث بلغة الحسابات والإمكانيات ومنطق الرابح والخاسر, نقول بشكل واضح وبدون أي مزاودة على المقاومة الفلسطينية وإمكانياتها وقدراتها العسكرية, فما تملكه إسرائيل أكبر وأقوى بكثير مما تملكه المقاومة الفلسطينية, من حيث كمية العتاد العسكري والعدة, والمنظومة التكنولوجية التي تستخدمها إسرائيل في أسلحتها, وغيرها, لا يمكن مقارنتها بما تملكه المقاومة من عتاد وعدة, ومنظومة متطورة من الأسلحة, فهي أغلبها محلية الصنع, حتى الطائرة الاستطلاعية التي كشفت عنها المقاومة في الحرب, لا تصل إلى امكانيات الطائرة الاستطلاعية المصنعة في المصانع الإسرائيلية. من جهة أخرى, وفي منطق الرابح والخاسر, فالحرب يوجد بها مسارين الأول وهو العمل العسكري والثاني العمل الدبلوماسي يتحركان بالتوازي وفق تطورات ومجريات الحرب, وفي حساب الربح والخسارة, فكل طرف يدخل الحرب وفي جعبته أهداف عسكرية وسياسية, يسعى كل طرف لتحقيقها, وأي هدف لا يتم انجازه فتكون نسبة الربح نسبية, وعليه إذا ما أردنا أن ننظر وندرس ما آلت إليه الحرب حتى هذه اللحظة, فنجد أن إسرائيل لم تحقق الهدف العسكري وهو القضاء على المنظومة القتالية لدى المقاومة, وبالتالي سيكون من الصعب تحقيق الهدف السياسي وهو فرض واقع جديد في غزة والضفة, وبالتالي فهي الخاسر الأكبر, أما المقاومة الفلسطينية استطاعت أن تحقق انجاز ملموس على أرض الواقع لكونها جعلت كل المدن الإسرائيلية تحت مرمى الصواريخ, والبورصة والاقتصاد الإسرائيلي في تهاوي, والرعب المستشري في نفوس الاسرائيليين, والقيام بالعديد من العمليات النوعية, أربكت حسابات الجيش الإسرائيلي, وفشل جهازها الاستخباراتي في جمع المعلومات عن المقاومة وقدراتها العسكرية, وهي تصر – أي المقاومة الفلسطينية - على تحقيق ما ستفرضه من شروط دون الخضوع لأي مؤثر خارجي, لامتلاكها رصيد من الانجازات والأهداف التي تحققت على أرض الواقع, وبالتالي يمكن القول أن المقاومة هي المنتصر, ليس انتصار معنوي بل انتصار استراتيجي يؤسس لتغيير منطق التعامل مع المقاومة وقطاع غزة, فالمقاومة اتبعت منظومة عمل متكاملة متوازنة متجانسة, (عسكرياً وإعلامياً ونفسياً), حققت ما تصبو إليه.

وهنا يجب الوقوف والإشارة لبعض النقاط الأساسية وبشكل مختصر ذات أهمية ضمن المحيط الإقليمي والدولي في ضوء الحرب على قطاع غزة والكل الفلسطيني, وهي كالتالي:

أولاً: إن إعلان الحرب على قطاع غزة كان قرار إسرائيلي ضمن غطاء وموافقة دولية, وأن إسرائيل هي من بدأت الحرب.

ثانياً: أن واقع النظام السياسي العربي واقع مهتز وذلك بعد ما أجيز تسميته بالربيع العربي وسقوط أنظمة سياسية, منها من كان حليف إسرائيل ومنها من كان صديق لها.

ثالثاً: إن حالة التحالفات في المنطقة تبدلت, فمصر في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي متجهة صوب دول الخليج العربي والعكس أيضاً, فكان هناك تعاون وثيق في اسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر, ودعم خارطة المستقبل المصرية, ودعم الرئيس عبد الفتاح السيسي, مما يعطي مؤشراً لعودة مصر دولة مركزية إقليمية ذات قرار مؤثر في المنطقة وبدعم خليجي.

رابعاً: قطر والتي تعيش حالة من التوتر في العلاقات مع دول الخليج العربي وتحديدا (السعودية والإمارات والبحرين) على خلفية التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول وتهديد أمن منطقة الخليج بدعمها لحركة الإخوان المسلمين, فما كان من الدول الثلاث سالفة الذكر أن تطالب قطر بطرد الاخوان والالتزام بالنظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي واتفاقية الدفاع المشترك, وذلك بعد الحركة الاحتجاجية التي شهدتها البحرين مطلع العام 2011, والتي أسست واقع جديد في منطقة الخليج العربي, خوفاً من انتقال عدوى الحركة الاحتجاجية لبقية الدول الخليجية, على الرغم من ذلك مازالت قطر تمارس سياستها غير مهتمة, ولكن ليست بذات الفاعلية السابقة وتحديداً مع الاخوان المسلمين ومن ضمنها بشكل طبيعي حركة حماس, وقد تسعى قطر في هذه الحرب أن تؤثر على كافة المبادرات التي تطرح للتهدئة وبشكل خاص التأثير على المبادرة المصرية, وذلك في مسعى قطري كي لا تعود مصر بقوتها الفاعلة من جديد وتبقى قطر هي اللاعب الإقليمي في المنطقة, وبالتالي قد تطرح مبادرة تهدئة لإفشال المبادرة المصرية, حتى لا تفقد دورها في المنطقة, أو من الممكن وهو الأقرب للتحقيق أن تدعم المبادرة المصرية وتكون شريك في حوارات التهدئة حتى يكون لها دور مؤثر على حركة حماس وتتبنى شروط المقاومة الفلسطينية.

خامساً: التقارب الغربي الإيراني فيما يتعلق الملف النووي الإيراني, واختلاف التوجهات الإيرانية في عهد الرئيس حسن روحاني عن الرئيس السابق محمودي احمدي نجاد, من جهة أخرى, إيران باتت تهتم بشكل أكثر في الصراع الدائر في سوريا ودعمها للنظام, مع دخول العلاقة بين إيران وحماس حالة من الفتور والتراجع النسبي.

سادساً: تركيا وانشغالها بالتطورات السياسية الداخلية, فالواقع السياسي في تركيا يمر بحالة من الصراعات والتجاذبات على وقع قضايا الفساد التي طالت حكومة اردوغان, وتشتعل في هذه الأوقات حمى المنافسة على رئاسة الجمهورية, وعلى مسار آخر, عودة العلاقات بشكل بطيء بين تركيا وإسرائيل, حماية وخدمة للمصالح الاستراتيجية بين البلدين, وستسعى تركيا إلى الإسهام بدور متوازي مع قطر في دعم المبادرة المصرية للتهدئة, ودعم رؤية قطر في مشاركة فاعلة في تطوير المبادرة المصرية للتهدئة إن تطلب الأمر.

سابعاً: أمريكا والدول الغربية في حالة تأمل وترقب لما ستؤول إليه الأمور في المنطقة العربية وتحديداً في سوريا وليبيا والعراق, حتى تكمل فرض مخطط التفتيت للشرق الأوسط. فليس لأمريكا أي صديق, وهنا اتذكر مقولة وزير الخارجية البريطاني (ونستون تشرشل) \"في السياسة ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم هناك مصالح دائمة\". من جهة أخرى, فالدعم الأمريكي لإسرائيل في مختلف الجوانب (السياسية والاقتصادية والعسكرية) حقيقة دائمة مستمرة, لن تقبل أمريكا بأن تتعرض إسرائيل لأي خطر من أي جهة, وهذا ما لمسناه منذ بداية الحرب, بتأييد أمريكا لكل ما تقوم به إسرائيل وبأحقيتها في الدفاع عن نفسها, ودعمها العسكري وآخرها كان بموافقة مجلس الشيوخ الأمريكي بتمويل منظومة القبة الحديدية بــ 351 مليون دولار ضمن موازنة عام 2015, وهذا الدعم يأتي ضمن دعم مالي إضافي بقيمة 621 مليون دولار للدفاعات الجوية الاسرائيلية, وسيضاف هذا الدعم الاضافي لما تقدمه الولايات المتحدة من دعم مالي أمني والذي يصل إلى 3,1 مليار دولار.

وعليه, فالحرب على غزة, تأتي ضمن متغيرات محلية وإقليمية ودولية, وضمن مؤامرة تم الإعداد لها مسبقاً للقضاء على حلم الدولة الفلسطينية وعلى واقع الوحدة الوطنية الفلسطينية, وهذا المخطط بشكل مبسط قائم على فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة, جغرافياً كما هو حاصل منذ زمن, وسياسياً واقتصادياً واجتماعية, وذلك تماشياً مع ما تم طرحه من قبل بن غوريون، أول رئيس وزراء لحكومة العدو الاسرائيلي، عام 1953 بالتعاون مع أمريكا وبريطانيا مشروع تفتيت الوطن العربي, كما تم طرح فكرة مشروع الشرق الأوسط الجديد بعد حرب الخليج الأولى، وكان أحد أهم منظريها ومتبنيها وزير خارجية إسرائيل آنذاك شمعون بيريس, واعتبر بيرس أن ما طرحه هو أسلوب جديد في التفكير للوصول للأمن والاستقرار الذي يتطلب من الجميع نظاماً أمنياً وترتيبات إقليمية مشتركة واسعة النطاق وتحالفات سياسية لدول المنطقة كلها. وبعد احتلال العراق وتدميره عام 2003، أعيد طرح فكرة الشرق الأوسط لكنه سمي الشرق الأوسط الكبير من قبل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن, لتتماشى رؤية غيورا آيلاند لحل الدولتين مع تلك المخططات.

وفيما يتعلق بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة, يمكن الحديث بأن مجرياتها قد اصطدمت بواقع المقاومة الفلسطينية التي لم تكن إسرائيل وأجهزتها الاستخباراتية وغيرها من الدول على دراية بمدى القدرات العسكرية لدى المقاومة الفلسطينية, وبدأت الحرب تأخذ طابع التصاعد بوتيرة متسارعة, وبشكل ممنهج وهمجي, من قبل اسرائيل لكي تحاول إخفاء ما تم كشفه من إخفاق في جهازها الاستخباراتي.

وفي خضم الحرب على غزة, حدث العديد من التطورات في الجبهة الداخلية الإسرائيلية, وكان من أهمها الانقسام السياسي بين القيادات الإسرائيلية في كيفية إدارة الحرب على غزة, وتوتر الجبهة الداخلية وعدم ثقة بعض السياسيين والقيادات العسكرية السابقة والحالية بمدى قدرة إسرائيل على إنهاء الوضع القائم في غزة, وعدم ثقة الجمهور الإسرائيلي بقيادته, حتى ضمن الحكومة برز الخلاف فقد وجه نائب وزير الجيش الإسرائيلي داني دانون انتقاد للحكومة وقيادة اسرائيل, مما اضطر نتنياهو من إقالته على الرغم من أن داني دانون من أقطاب اليمين في حكومة نتنياهو, وبات الأمر في الداخلي الإسرائيلي بين مطالب باستمرار العدوان على قطاع غزة وبين الرافض والساعي لوقف الحرب, والتي كشفت الوجه الحقيقي لإسرائيل.

في المقابل, في كل حرب وفي ضراوتها, يبدأ المسار الدبلوماسي في التحرك لإيجاد صيغة ما لوقف العدوان, فما كان من جمهورية مصر العربية بأن طرحت المبادرة المصرية لوقف الحرب وابرام اتفاق تهدئة, يوم الاثنين 14/7/2014, وهذه المبادرة حصلت على تأييد عربي وإقليمي ودولي كبير, وقبول إسرائيلي في بادئ الأمر ومن ثم الرفض, كما أن فصائل المقاومة الفلسطينية وبدون أي تردد أعلنت رفضها للمبادرة كونها لا تخدم المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية, واعتبرتها أنها مبادرة تآمرية.

وهنا يجب توضيح بعض النقاط الأساسية التي يجب الوقوف عندها والتفكير بها بشكل جدي وعقلاني ومنطقي:

أولاً: إن جمهورية مصر العربية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي ليست كسابق العهود, فمصر في الوقت الراهن بدأت تعود لمركزها الإقليمي القوي بعد غياب دام لثلاثة عقود, لترسل رسالة لكافة الأطراف, أن مصر هي من ترسم وتحدد الملامح السياسية في المنطقة على امتداد العقود, وتحظى بمكانة استراتيجية لا يمكن اغفاله, فلا يمكن تجاوز مصر في أي قضية من القضايا الحساسة في المنطقة بأكملها, ولن تسمح لأي دولة أن تأخذ مكانها المركزي في المنطقة وتهمشها, ومصر هنا مدعومة بشكل قوي وكبير من دول الخليج العربي وتحديداً المملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة, سياسياً واقتصادياً, وأمن الخليج العربي من أمن مصر وأمن واستقرار مصر من أمن واستقرار الخليج العربي, كما أن مصر تلقى دعماً من الدول الأوروبية وأمريكا, مما أعطى لمصر القوة في إمكانية التحرك الفاعل ولعب دور استراتيجي مهم في أي ترتيبات للمنطقة العربية, بالتعاون مع الدول الإقليمية والدولية الفاعلة.

ثانياً: إن العلاقات الفلسطينية المصرية لم تتأثر يوماً ما على المستوى الرسمي بأي خلافات, فمصر القلب النابض للقضية الفلسطينية, ولا حل للقضية دون رعاية مصرية, وهذه من الأمور المُسلم بها. إلا أن العلاقة شهدت طابع التوتر بعد ثورة 25 يناير بين مصر وحركة حماس, وشهدت تحسن في عهد الرئيس محمد مرسي, ثم عادت لتشهد توتر بعد عزل الرئيس محمد مرسي حتى وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئاسة. وهنا يجب أن يتم تحكيم العقل والمنطق والحنكة, فحركة حماس ليس من مصلحتها أن تعادي مصر, ويجب أن يتم تحسين العلاقات من خلال ابراز حسن النوايا, لأن مصر ستبقى الراعي الرسمي والوحيد للقضية الفلسطينية في مختلف مراحلها وتطوراتها, شئنا أم أبينا, وأن تقبل كافة الفصائل الفلسطينية المقاومة بالدور المصري الوحيد في مختلف القضايا, وعدم قبول أي مبادرة من أي دولة إقليمية أخرى. وبالتالي, من المنطقي في ظل هذه الجولة من الصراع أن يتم قبول المبادرة المصرية أخذاً بمصالح الشعب الفلسطيني, على أن تبدأ مرحلة التفاوض بين الطرفين من خلال الوساطة المصرية للوصول لنقاط تفاهم لتثبت الهدنة وتوفير الرعاية اللازمة للشعب الفلسطيني في غزة والوفاء باحتياجاته الإنسانية ومطالبه المشروعة واستقرار الأوضاع في كل الأراضي الفلسطينية, ومن ثم ابراز شروطها والتفاوض عليها, وإلا سوف يعتبر لطمة قوية على وجه مصر التي بادرت لوقف اطلاق النار.

وفي خضم الحديث عن مساعي الأطراف الخارجية لإبرام اتفاق تهدئة, يجب الأخذ بعين الاعتبار بعض النقاط الأساسية وهي:

أولاً: أن يكون قرار التهدئة وفق الاجماع الوطني الفلسطيني, بعيداً عن التوجهات والمصالح الحزبية من أجل تحقيق مكاسب على حساب الأطراف الأخرى في الكل الفلسطيني.

ثانياً: أن لا تؤسس هذه الحرب أرضية للعودة للمربع الأول ونقطة الصفر وعودة الخلافات بين فتح وحماس, على خلفية حكومة التوافق الوطني وعلى خلفية المواقف فترة الحرب, على الرغم من التزام جميع الفصائل الفلسطينية بإنجاح حكومة التوافق الوطني, وعدم العودة للانقسام.

ثالثاً: يجب الإسراع في تفعيل مهام حكومة التوافق الوطني والكف عن توجيه الانتقادات, لكي يتم تأسيس بيئة فاعلة لفرض المطالب الفلسطينية بورقتها القوية المتمثلة بالمقاومة الفلسطينية في هذه المرحلة.

رابعاً: يجب الاقرار بعدم انكار دور القيادة الفلسطينية ممثلة بالرئيس محمود عباس والحكومة الفلسطينية, في كشف المخطط الإسرائيلي بفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة, ومحاولة تعريته أمام المحافل الدولية, وافشال المخططات الاستيطانية التي تسعى إسرائيل لفرضها على أرض الواقع, مع ضرورة عدم انكار دور المقاومة الفلسطينية ومدى جهوزيتها العسكرية ومدى الاحساس بالمسؤولية, وما وصلت إليه من حس أمني فعّال, ومدى التفاف الشعب الفلسطيني خلف المقاومة وصموده وتضحياته بالرغم من هول الدمار والخسائر في البشر والحجر.

خامساً: بات من الضروري جداً أن تتخذ القيادة الفلسطينية قرار بإنهاء التنسيق الأمني واتخاذ قرار جريء بالتوجه لمحكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية, لكشف ممارسات اسرائيل وتقديم القيادات الاسرائيلية للمحاكمة.

سادساً: بات من المُلح والضروري أن يتم إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني وفق الرؤية الجامعة للكل الفلسطيني, وعدم العودة للمفاوضات بمنطقها السابق, وضرورة الإسراع في إجراء الانتخابات الفلسطينية الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني, لضمان تجديد الشرعية الوطنية الفلسطينية, مع الحفاظ على الممثل الشرعي الممثل بمنظمة التحرير الفلسطينية, وإعادة شرعة الكفاح المسلح.

سابعاً: وإذا كان لا بُد من العودة للمفاوضات من جديد, يجب أن يتم تحديد آليات جديدة في العملية التفاوضية, مبنية على ما تم تحقيقه فترة الحرب من امتلاك أوراق القوة التي باتت تحرج الجانب الإسرائيلي, وتثير حفيظة المجتمع الدولي, متمثلة بالانضمام إلى 15 اتفاقية ومعاهدة دولية, والمقاومة الفلسطينية المشروعة على كافة أشكالها الشعبية والعسكرية, بالإضافة أن تحظى العودة للمفاوضات إلى إجماع وطني فلسطيني, واشراك كافة القوى والفصائل الوطنية الفلسطينية في المفاوضات.

وبناءً على ما سبق, فإن القضية الفلسطينية تسير في فلك النظام السياسي العربي وضمن المنظومة الإقليمية والدولية, ولا يمكن لأي طرف فلسطيني أن يجرد القضية من محيطها العربي والإقليمي والدولي. وتأتي هذه الحرب في بيئة إقليمية ودولية تشهد توترات وصراعات وتحالفات وتبدل للأدوار والمواقف, وتنفيذ مخطط التفتيت, وإذكاء الصراع الطائفي الركيزة الأساسية التي بُني عليه مشروع الشرق الأوسط, وبالتالي فإن الحرب على غزة والهجمة الإسرائيلية المستمرة على الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة تأتي ضمن المخطط الغربي الأمريكي الإسرائيلي, ومهما بلغ التذمر والاستنكار من الدول الأوروبية للممارسات الإسرائيلية وسياستها, إلا أن الأمر لم يصل إلى حد القطيعة, فالدول الأوروبية وأمريكا تطالب إسرائيل بوقف عدوانها على غزة وكبح جماح المستوطنين والالتزام بالمعاهدات والاتفاقات الدولية والشرعية الدولية, إلا أنها ترى أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها, كما وأن الحرب على غزة شهدت تحركات إقليمية ودولية بوتيرة متسارعة من أجل لجم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة, إلى جانب حوارات ولقاءات بين دول إقليمية ودولية كمصر وقطر وتركيا والاتحاد الأوروبي وأمريكا والأمم المتحدة, من أجل إبرام اتفاقية تهدئة تلبي مطالب الشعب الفلسطيني بأكمله, والمضي بعد ذلك لاستئناف عملية السلام ليحقق الشعب الفلسطيني طموحاته وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل ترابه الوطني وعاصمتها القدس, مع التسليم بأن المقاومة الفلسطينية كان لها الكلمة الأولى والأخيرة في هذه الحرب وهي من ستحدد ملامح وطبيعة الوضع في قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب.

أما فيما يتعلق بسيناريو ما بعد الحرب, فبكل تأكيد فالحرب ستضع أوزارها وفق المبادرة المصرية للتهدئة, والتي ستكون بمثابة نقطة انطلاق نحو التفاوض الغير مباشر بين الطرف الفلسطيني ممثل بفصائل المقاومة والطرف الإسرائيلي برعاية مصرية مدعومة بتأييد إقليمي ودولي كبير, حول الشروط التي صاغها كلا الطرفين, وبالتالي قد ينتج واقع أفضل وملموس في قطاع غزة من جانب تخفيف الحصار بشكل تدريجي يلمسه أهالي قطاع غزة, ويستم فتح معبر رفح وفق آليات وترتيبات سيتم صياغتها بين الطرف الفلسطيني والمصري بناءً على اتفاقية المعابر لسنة 2005, مع ادخال بعض التعديلات على بعض البنود في الاتفاقية. إلى جانب ذلك سيتم تعزيز صمود حكومة التوافق الوطني, وحل جميع القضايا العالقة وفق اتفاقية القاهرة لإنهاء الانقسام, وسيكون أولها توفير الرواتب لموظفي قطاع غزة. وعلى البعد الإقليمي والدولي, ستعمل حركة حماس على تحسين العلاقات مع مصر واستغلال لكل الظروف التي خُلقت فترة الحرب, من استثمار الاتصالات والحوارات في تعزيز وجودها وقبولها على المستوى الإقليمي والدولي, وتحديداً مع الأمم المتحدة, أما على مستوى القيادة الفلسطينية من المتوقع أن تلجأ إلى بلورة رؤية ووثيقة وطنية شاملة لكافة القضايا بالتوافق مع كافة الأطر والفصائل الفلسطينية في الداخل والخارج, تُبنى هذه الرؤية والوثيقة على ما تم تحقيقه أولاً على أرض الواقع في غزة من صمود الشعب والمقاومة, وثانياً ما سيتحقق في جولة المفاوضات ما بعد التهدئة بين الطرف الفلسطيني والإسرائيلي, لتحديد ملامح المرحلة المقبلة من تاريخ القضية الفلسطينية, ومن ثم ستتحرك القيادة الفلسطينية إلى الانضمام للمزيد من المعاهدات والاتفاقات الدولية.

×
أخبار
سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط