تبنت حركة فتح وفصائل وطنية أخرى المقاومة الشعبية السلمية كنهج واستراتجية لمواجهة الاحتلال بعد فشلِ المفاوضات كخيار وحيد لحل القضية الفلسطينية بسبب التعنُّت الإسرائيلي؛ وذلك حماية للإنسان، ولما أُنجز فلسطينياً سياسياً وبنيوياً من آلةِ القتل والتدمير الإسرائيلية وعدم ملائمة الظروف الحالية لإعادة إحياء الكفاح المسلح كشكل وأداة نضالية، ونتيجة لعدم تكافؤ موازين القوى والميل لصالح إسرائيل.
تعطي مشاركة أعضاء ومناصري حركة فتح الكاملة في المقاومة السلمية زخماً كبيراً لها، ويقاس نجاح فعاليات المقاومة كأداة نضالية فاعلة، بحجم الانخراط الشعبي فيها، لأنها عمل جمعي يشارك فيه كل مكونات ومستويات الشعب ويأخذ أشكال فعل ومبادرات شعبية تطال كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية.
أخذت المقاومة الشعبية السلمية في فلسطين أشكال متنوعة، منها غرس الأشجار ومقاومة الاستيلاء على الأراضي بإقامة القرى عليها، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية والمظاهرات والاعتصامات، إلا أنها ما زالت محدودة في أشكالها وحجم المشاركة، ويجد المتابع أنّ الغالبية من أعضاء ومناصري حركة فتح في الكثير من المناطق والمواقع التنظيمية لم تنخرط فيها، وظلت بعيدة عنها، رغم شراسة الممارسات الاحتلالية الإسرائيلية، وقرار الحركة بتصعيد المقاومة السلمية، ويمكن تفسير محدودية المشاركة العامة والفتحاوية خاصة إلى جملة من الأسباب أهمها:
أولاً: تُبذل جهود مختلفة للنهوض بحركة فتح وتصحيح مسارها وتجديد هياكلها؛ إلا أن مسيرة الإصلاح لا زالت متعثرة ولم نشهد جديد رغم إجراء انتخابات للأقاليم والمناطق التنظيمية وبانتظار انعقاد المؤتمر الحركي السابع، فتجديد القيادات على مستوى المناطق والأقاليم لم يحدث فرقا بالأداء غالباً، لأن الكثيرين قد جاءوا وبحثوا عن المواقع التنظيمية من أجل المركز والجاه، وانعكس ذلك على أداءهم (قيادات المناطق والمواقع التنظيمية)، فنجد أنَّ الحركة في العديد من المواقع تركز على الاجتماعي المتمثل بالتهاني والتكريم دون الالتفات إلى المساهمة والمشاركة في الفعل الوطني المقاوم للاحتلال المتمثل بالمقاومة السلمية أو الموازنة بين الفعلين الاجتماعي والنضالي لأن لكلاهما دورٌ مهم، فالقيام بأحدهما لا يعفي عن بالآخر، ويأتي تركيز بعض القيادات على الفعل الاجتماعي للمحافظة على مكاسبها ومواقعها؛ لأنَّ تحديد سقف العمل والنشاط يمنع ظهور مبادرات شعبية ونشطاء قياديين قد يأخذوا دورهم القيادي، وسبق وشاهدنا كيف تم استبدال القيادات الاجتماعية والسياسية وظهور قيادات أخرى أثناء انتفاضة 1987، يضاف إلى ما سبق اختيار قيادات جديدة بانتخابات توافقية غالبا للمواقع والمناطق التنظيمية لم تنهي وتحسم الصراعات والخلافات الداخلية التي تستنزف جهود وعقول أبناء الحركة.
ثانياً: تقدس غالبية أدبيات الأحزاب والحركات الفلسطينية الفاعلة بما فيها حركة فتح العمل المسلح، فلا زالت الصورة الراسخة للفدائي في الأذهان لمن يتخفى ويحمل البندقية، لذا لا تجتذب فكرة المقاومة السلمية الشباب ولا تعتبر في نظر الكثيرين من أبناء الحركة بأنها نهج وأسلوب مجدي ومكلف للاحتلال، وتوصف بأنها مكان للاستعراض واستوديو للتصوير نظرًا لقلة الوعي وعدم الثقة بإمكانية تحقيق النتائج المرجوة منها، ولتشكيك البعض من جدوى المبادرات التي تخرج عن المألوف.
ثالثاً: تؤثر بعض أنشطة القائمين على المقاومة السلمية على الاستعدادية للانخراط فيها، فمثلًا الرحلات الخارجية على الرغم من أهميتها، إلا أنها تؤثر سلبًا على القناعة بجدية المقاومة، لأنَّ الصورة الشعبية للمقاوم الحقيقي تتمثل في الفلسطيني المضطهد الملاحق من قبل الاحتلال، وتمقت فدائي الفنادق.
ثالثاً: كون نشطاء المقاومة الشعبية موظفين حكوميين يقومون بمهام الوظيفية إلى جانب نشاطهم في المقاومة السلمية لا يضر المقاومة بشيء، ولكن تحول نشطاء المقاومة لموظفين رسميين يتقاضون رواتب مقابل قيامهم بمهام نضالية يعني احتواء الحكومة الفلسطينية للنشطاء، ويظهر المقاومة بأنها مجال للتكسب وهذا يُضعف من القناعة والمشاركة في المقاومة السلمية.
رابعا: تفتقر المقاومة السلمية الفلسطينية لشخصية قيادية شعبية مؤثرة وملهمة؛ ما يُؤثر سلبًا على حجم المشاركة فيها، لأنَّ القيادة الكارزماتية تستطيع جذب الجماهير للمشاركة في أي نشاط أو حدث مهما كان وتأثير به، وهذا ما قد يفسر قدرات القيادة الحالية المحدودة على تحفيز المواطنين وحجم المشاركة المتواضع.
تستدعي حالة القصور وعدم تنفيذ بعض المواقع والمناطق التنظيمية -التي يتفشى فيها الاستيطان ومصادرة الأراضي وتنتشر في متاجرها البضائع الإسرائيلية- استراتجية وقرارات الحركة ذات العلاقة بالمقاومة السلمية قيام المستويات القيادية الفتحاوية بمراجعة هذه الحالات والعمل على إعادة هيكلة الحركة لتصحيح مسارها لتصبح فاعلة ومساهمة بالفعل الوطني، ولتكون المهمة الرئيسية لكافة المواقع والمناطق، العمل والمساهمة في المقاومة الشعبية السلمية بكافة أشكالها.
كما يجب أن تعمل حركة فتح على تصحيح النظرة للمقاومة الشعبية السلمية بالتوعية الواسعة ووقف كل المظاهر التي قد تؤثر على قناعة المواطنين فيها، وفتح المجال واسعًا أمام الشباب للعمل وتَبَني خياراتهم ودعم توجهاتهم ونشاطهم، على أمل بناء قيادات فعل نضالي بعيدة عن تحقيق المصالح الشخصية. الأمر الذي يتطلب من اللجنة المركزية لفتح والمجلس الثوري إنشاء مفوضية خاصة بالمقاومة الشعبية إلى جانب المفوضيات الأخرى لتقوم بتنسيق النشاطات وتوفير المتطلبات اللازمة بعيدًا عن سياسة التوظيف والتعيين وترقية المدراء والوزراء لتعزيز الثقة بالقائمين عليها، إن دعم السلطة للمقاومة الشعبية ضروري ويجب أن لا يرتكز على التفريغات والتعيينات والترقيات، وفي حال عدم اتخذ إجراءات لمعالجة الخلل يجوز تفسير المشاركة الفتحاوية الخجولة بعدم وجود إرادة حقيقية لدى القيادة الفلسطينية لتوسيع التصادم مع الاحتلال وبالتالي القبول بواقع الإذلال والخنوع.
Szaid2003