تاريخ النشر: 2025-02-23 | 14:14
تاريخ النشر: 2025-02-23 | 14:14
في مشهدٍ يحاكي أجواء الإمبراطوريات الآفلة، سارت قوافل المشيّعين بوجوهٍ يكسوها الحزن والتوجّس. كانت جنازة السيد حسن نصرالله، زعيم حزب الله، أكثر من مجرد وداعٍ لقياديٍّ بارز؛ كانت لحظة مفصلية تتجاوز الحزن إلى الأسئلة الكبرى: ماذا بعد؟ وكيف سيتعامل الحزب مع هذا الفراغ الذي لا يُملأ؟
من رهبة الصمت إلى رتابة الخطاب
كان الحزن هو سيد الموقف، إلى أن صعد الشيخ نعيم قاسم إلى المنبر. وما إن بدأ حديثه، حتى تبدّلت الأجواء: لم تكن الكلمات قادرةً على ملء الفراغ الذي تركه نصرالله، ولا على استعادة الزخم العاطفي للجنازة. حاول قاسم استحضار إرث المقاومة، وأعاد تدوير مفردات الولاء والخطر والمؤامرة، لكنّ صدى كلماته بدا باهتاً، وأشبه بترنيمة حفظها الحاضرون عن ظهر قلب.
شيئاً فشيئاً، بدأت الجنازة تفقد زخمها. انخفضت العيون عن الشاشات، وتحرّكت الأقدام بحثاً عن مخرج، وكأنّ الجميع يدرك أن الخطب لم تعد تُحيي الرجال، ولا الكلمات تصنع قادة. في تلك اللحظة، بدا وكأنّ الموت لم يخطف نصرالله فقط، بل حمل معه القدرة الخطابية التي كانت تُبقي الحزب متماسكاً أمام جمهوره.
حزب الله بدون نصرالله: السلاح في الميزان
بموت نصرالله، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: هل حزب الله هو نصرالله، أم أن الحزب أكبر من شخص قائده؟ والأهم: هل سيظل الحزب قادراً على الاستمرار بنفس النفوذ إذا تم تنظيم تسليم سلاحه للدولة اللبنانية؟
الجواب ليس بسيطاً. فمنذ تأسيسه، كان حزب الله أكثر من مجرد فصيل مسلّح، بل منظومة سياسية-عسكرية تمتد جذورها إلى شبكات داخلية وخارجية، اقتصادية وعسكرية وأمنية. لكنّ الشرعية التي تمتع بها، داخلياً وخارجياً، استندت إلى شخصيات كارزمية مثل نصرالله، الذي استطاع لسنواتٍ أن يُبقي الحزب لاعباً مركزياً في المعادلة اللبنانية.
إذا تمّ التفاوض على سلاح الحزب وتسليمه للدولة، فمن المرجح أن ينقسم الحزب إلى تيارين:
1. تيار براغماتي يرى في الدولة اللبنانية مظلةً يمكن اللجوء إليها لتجنّب الضغوط الدولية والإقليمية، ويفكّر في إعادة تشكيل الحزب كقوة سياسية صافية، مثلما حصل مع فصائل أخرى تحوّلت من الميليشيا إلى السياسة.
2. تيار متشدّد يرفض أي مساس بالسلاح، ويرى أن ذلك بمثابة انتحار استراتيجي للحزب. هذا التيار قد يدفع الحزب إلى الانقسام الداخلي، وربما حتى الصدام مع الدولة اللبنانية، إذا قرر بعض القادة مواصلة المسار المسلح خارج أي اتفاق.
نهاية الحزب أم نهاية دوره؟
إنّ نهاية حزب الله ليست بالضرورة في تسليم السلاح، بل في انتهاء الحاجة إليه كقوة مسلّحة خارج إطار الدولة. فإذا استمرّت الظروف الإقليمية التي تبرّر وجوده، سواء عبر الصراع مع إسرائيل أو النفوذ الإيراني في المنطقة، فإنّ الحزب قد يعيد إنتاج نفسه بشكلٍ جديد، وربما أكثر خطورة.
أما إذا شهدت المنطقة تحوّلات كبرى تفرض تراجع الأدوار العسكرية، فسيواجه الحزب اختباراً وجودياً حقيقياً: هل يستطيع البقاء كحزب سياسي صرف دون قوته العسكرية؟ وهل يمكن أن يتحوّل من قوة فوق الدولة إلى جزء من الدولة؟
الخلاصة: مرحلة ما بعد نصرالله… الفراغ القاتل
حزب الله دخل اليوم مرحلة الفراغ القيادي. ومع غياب نصرالله، لم يعد السؤال “كيف سيُدار الحزب؟” بل “إلى أين سيتجه؟”. الجنازة التي بدأت بمهابةٍ وختمها الملل، كانت اختصاراً لحقيقةٍ أكبر: بعض القادة يرحلون ويتركون خلفهم إرثاً قابلاً للاستمرار، وآخرون يرحلون ويأخذون معهم مرحلةً كاملة. والسؤال الذي لم يُطرح بعد: هل كان حزب الله نصرالله، أم أن نصرالله كان مجرّد واجهة لمشروع أكبر؟ الأيام وحدها ستكشف الجواب!