قرأت الكثير من التقارير الاخبارية العربية والأجنبية ولمنظمات حقوقية عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك ، وأعداد الوفيات بسبب نقص الغذاء او الحاجة الى الرعاية الصحية ، واعتقد ان القضية لاقت حضورا جيدا واهتماما وتغطية اعلامية بغض النظر عما اذا كان ذلك كافيا ام لا ، لكن ما غاب عن الاهتمام هو لماذا يعاني المخيم من الحصار ؟ ماهي الظروف التي ورطته في الحرب الاهلية ؟ وهل توجد أي اتفاقات او قواعد عرفية لحماية المخيمات وقت الحروب ؟ ، في اثناء بحثي عن اجوبة صعقت في عدد من المسائل .
اولها : المخيم حتى لو لم يفرض عليه الحصار من المستحيل ان يكون منطقة امنة خلال الحرب الاهلية السورية، مخيم اليرموك بفضل موقعه الجغرافي اصبح مهما لطرفي الازمة السورية فهو كان يشكل منفذ للجيش الحر للعبور إلى مدينة دمشق وصلة الوصل بين طرفي المناطق التي بات يسيطر عليها، في حين يعمل الجيش النظامي على منع تقدمه وقطع اوصال المناطق التي يسيطر عليها الحر ،وهو فالمناطق المحيطة باليرموك هي مناطق معارك واشتباكات ، ومن ثم كان وضع الحواجز وفرض الحصار تحصيل حاصل ، لكنه رغم ذلك فاقم المعاناة لدى الفلسطينيين بشكل عام والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب الأمراض المزمنة كمرضى الأورام والقصور الكلوي وأمراض الدم والسكري، الذين هم بحاجة إلى الدخول والخروج بأوقات قد لا تتطابق مع الوقت المسموح به للدخول والخروج مما قد يؤدي إلى حالات من الوفيات أو المضاعفات الخطيرة، وشكل عاملا رئيسيا ً في تفاقم وازدياد أعداد الضحايا والجرحى في ظل الاستهداف المتكرر لأحياء وشوارع المخيم ومنع وصول الإمدادات الطبية
ثانيها :مشاركة فصائل فلسطينية في فرض الحصار وهي الفصائل الموالية للقوات السورية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة وفتح الانتفاضة ووجهة النضال وقوات الدفاع الوطني التابعة للنظام ، وهو امر اثار اندهاشي وجعلني اشعر ان المسالة شديدة التعقيد والتشعب .
ثالثها: الحصار كان الاجراء الاخير بعد ان تم قصف المخيم بالطيران الحربي وتعرضه للنهب والسلب والفوضى، الامر الذي ادى نزوح اللاجئين الى ريف دمشق والمناطق المحيطة باليرموك ،والى لبنان حيث اشارت بيانات الاونروا أن 59.1 % من إجمالي اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان هم من مخيم اليرموك .
رابعها : مخيم اليرموك من المخيمات التي لاتعترف بها الاونروا، لانه حسب تعريفها "المخيم هو عبارة عن قطعة من الأرض تم وضعها تحت تصرف الوكالة من قبل الحكومة المضيفة بهدف إسكان اللاجئين الفلسطينيين وبناء المنشآت للاعتناء بحاجاتهم. أما المناطق التي لم يتم تخصيصها لتلك الغاية فلا تعتبر مخيمات" ، فحسب هذا التعريف اليرموك هو تجمع للاجئيين الفلسطينين ، ومع ذلك، فإن للأونروا مدارس وعيادات صحية ومراكز توزيع به ، لكن ماذا لو كان هناك اتفاقية حول حماية المخيمات هل تخضع لها التجمعات هذه ام انها ستكون ثغرة قانونية قاتلة ، وحسب الاونروا فان حماية المخيمات تقع على الدولة المضيفة وليس على عاتقها باعتبارها هيكل مسؤول عن تقديم الخدمات وليس الحماية .
خامسها: تغيب أي اتفاقيات او معاهدات حول حماية المخيمات الفلسطينية في وقت النزاعات المسلحة سواء ذات الطابع الدولي او غير الدولي ، ومن ثم الغطاء الوحيد المتوفر هو الاتفاقية الرابعة لجينيف وبرتوكولاتها المكملة لحماية المدنين اثناء النزاعات المسلحة ،وكانت المبادرة السياسية الوحيدة في هدا الاطار للرئيس عباس تتعلق "بتحييد المخيمات "حيث جاء هدف المبادرة تحقيق الحياد التام للمخيمات ممن خلال :انهاء كل المظاهر المسلحة داخل المخيّمات وتسوية أوضاع الراغبين في ذلك، وتحقيق الحماية ب عدم تكريس المخيمات مناطق اشتباك ووقف كافة أشكال الاشتباكات ووقف القصف والقنص ،و تسهيل حرية الدخول والخروج من المخيم وإليه بما يشمل عبور الأفراد والمواد الغذائية والطبية والمركبات ، ما يشجع عودة النازحين إلى منازلهم.و إعادة خدمات الكهرباء والماء والاتصالات والبنية التحتية والشؤون البلدية والخدمات التعليمية والصحية.و تسوية أوضاع المعتقلين من أبناء المخيمات الذين لم يثبت تورطهم في الأحداث.
الحقائق سابقة الذكر توضح عدد من الامور التي جعلت واقع المخيم معقدا مثل موقعه الجغرافي ومشاركة فصائل فلسطينية في الحصار ، اضافة الى غياب أي ارضية قانونية تمنح المخيمات افضلية او امتيازات من ناحية المعاملة في وقت الحروب او النزاعات المسلحة وهو الامر الذي اوصل المخيم الى ما هو عليه ، والملاحظ ان المبادرات الاغاثية لا تحل المشكلة فهي تعمل على تهدئة الاعراض بإيصال المساعدات ولكنها لا تعني تحقيق حماية للاجئين وللأسف اغلب المبادرات كانت ذات طابع اغاثي لا سياسي.