الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حقيبة مسافر من غزة

مراحل السفر كثيرةٌ وعديدة، ومعقدةٌ وغير بسيطة، إنها لا تبدأ من ساعة الانطلاق، بل قبل أيامٍ استعداداً له وتجهيزاً لما يلزمه، فهذا أمرٌ طبيعي يصاحب كل مسافرٍ، أياً كانت بلاده أو وجهته، إذ يلزمه إعداد حقيبته، وتزيين صورته، وتحضير نفسه بما يلزمها استعداداً نفسياً وتوفيراً للمال، وتسجيلاً للعناوين والهواتف، واستقبال مودعيه ووداع محبيه، وغير ذلك مما يحتاجه أي مسافرٍ لتسهيل مهمته وضمان نجاحه في رحلته.

آلية السفر عند غير الغزيين سهلة، فما إن يشتري المسافر تذكرته ويحدد رحلته حتى يكون قادراً على السفر، إلا من بعض الاستثناءات الأمنية العربية، التي تضع قوائم سوداء ممنوعة من السفر، أو تصدر قوائم ترقبٍ وانتظار على كل المعابر والحدود، تمهيداً للسجن والاعتقال، تنفيذاً لمذكراتٍ قضائية أو أوامر أمنية.

لكن السفر من قطاع غزة مختلفٌ كلياً، ولا يشبه أي سفرٍ من أي بقعةٍ أخرى في الكون، إذ يبدأ قبل السفر بأشهرٍ طويلة، عندما يقوم من قد نوى على السفر وعزم عليه، بتسجيل اسمه على قوائم الانتظار، في مركز أبي خضره في وسط مدينة غزة، وهو مركزٌ قديمٌ جداً، كان يتبع الإدارة المدنية الإسرائيلية قبل انسحاب جيشهم من القطاع، ولكنه وإن كان قد دمره العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، إلا أنه بقي اسماً ومهمة، وعنواناً ورمزاً، حافظ الغزيون على اسمه، وبقي يذكرهم بمكاتب الإدارة المدنية الإسرائيلية للقطاع، التي كانت تقوم بمهامٍ مماثلة.

على من يرغب في السفر أن يحمل إلى جانب جواز سفره الساري المفعول بطاقته الشخصية، وأن يسدد رسوم السفر مسبقاً، التي لا يعفى منها قادرٌ أو محتاج، ولا فقيرٌ أو غني، التي تؤدى إلى السلطات المعنية في غزة، ويمنح بموجب الرسوم المسددة وصلاً يحمل موعد السفر، ويحدد باليوم والتاريخ الموعد الافتراضي للسفر في حال كان المعبر يفتح بصورة اعتيادية، ولا يوجد أيام إغلاقٍ طويلةٍ أو دائمة، إلا أن أحداً لا يسافر في الموعد المحدد له، بل قد ينتظر شهوراً حتى يأتي دوره، ذلك أن السلطات المصرية لا تفتح المعبر إلا أياماً معدوداتٍ كل شهرين أو ثلاثة، وفي الوقت الذي يتأخر فيه فتح المعبر، فإن أعداد المسجلين للسفر تزداد وتتضاعف.

السفر من قطاع غزة ليس نيةً وقصداً، وليس عزماً وهمة، وليس حريةً شخصية، ولا اختياراً حراً، وليس حقيبةً وجواز سفر، أو بعض ثيابٍ وقليلٍ من الأوراق والمستندات، وليس سيارة أجرة أو حافلة ركاب، أو تذكرةً وطائرة، كما أنه ليس حدوداً أو أختاماً، أو شرطةً وأمن عام، ومساراتٍ معدةً ومعابر مهيأة، ولا هو أسبقية في الحضور، أو أوليةً في السفر، أو أحقيةً في الدور والترتيب.

السفر من قطاع غزة شئٌ آخرٌ مختلفٌ تماماً، لا يشبه السفر، ولا يقارن بالرحلة، وليس له في الكون مثيل ولا شبيه، فهو مشقةٌ ومكابدة، ومصارعة ومجاهدة، وتعبٌ وجهدٌ ومهانة، وقطعةٌ من العذاب والألم، لا يقوى عليها عزيز، ولا يحتملها ذليل، ولا يقبل بها من ذاق المر وخبر الصعب، وعاش نكد الدنيا وبؤس الحياة، ولا يتمناها محبٌ لحبيبه، ولا عدوٌ لعدوه، ولا يلجأ إليه إلا محتاجٌ ومضطرٌ، ولا سبيل له غيره، ولا يوجد عنده خيارٌ بديلٌ، أو عوضٌ كريمٌ، ولا وسيلةً أخرى تحقق المطلوب وتفي بالغرض، وتغني عن ذل السؤال والحاجة.

السفر من قطاع غزة، أشبه بمرور جملٍ من خرم إبرة، وعلى كل الجمال أن تدخل من ذات الخرم، فهل كان الجمل يوماً يلج في سم الخياط، فلا هو يتضائل ويصغر، ولا خرم الإبرة يتضخم ويكبر، ولا يوجد في الكون عاقلٌ يتصور هذه الحالة أو يتخيلها، فهي ضربٌ من الخيال، وصورة من المستحيل غير الممكن، ولكن السلطات الحاكمة، المستبدة المتصرفة، المالكة القابضة على مفاتيح الحدود، القدرية في المكان والجغرافيا تؤمن بأن على الغزي أن يلج من سم الخياط ليعبر منه إلى العالم.

آمن الفلسطيني الغزاوي أنه جمل، وصدق رواية حراس الحدود وحملة المفاتيح، ولو كذبهم وجادلهم فإنه سيصبح تلاً من تلال غزة لا ينتقل ولا يتحرك، وقطعةً من الأرض لا تنزاح ولا تغير مكانها، فهذه هي فلسفة البواب وشروطه، وعليه أن يدخل من خرم الإبرة التي حددها له، في الساعة التي يريد، والزمان الذي يقرر، كما له الحق أن يعيد من شاء كيف شاء ومتى شاء، دون أن يبدي سبباً، أو يقدم للمنع علة.

على المسافر من قطاع غزة أن ينتظر الأشهر الطوال ويكابد حتى يلج حراً من بوابة رفح، أو يسير مرحلاً منها إلى مطار القاهرة، والحرُ والمرحل في المعاناة سواء، وفي المشقة إخوان، فلا الأول يستمتع بحريته ويمضي طليقاً، ولا الآخر يرتاح بالتسيير، ويلقي بأحماله على الشرطة والمرافقة الأمنية، فذاك يقضي ساعاتٍ طويلة وهو يشق الطريق ويجتاز المعابر ونقاط التفتيش والمراقبة، وذاك تتحكم فيه المرافقة الأمنية، فتسيره حيناً، وتوقفه أحايين كثيرة، وتمنعه من الاستراحة أو النزول لقضاء الحاجة، وكأنه سجينٌ أو هو السجين.

السفر لدى الغزيين مشروع العمر ومشوار الحياة، وهو حلم الشباب وأمل الشيوخ، ورجاء المرضى ودعاء الجرحى، وهو متنفس الناس جميعاً، ووسيلتهم للخروج إلى الدنيا في اتجاهاتها الأربعة، إنه حجٌ لمرةٍ واحدة، أو علاجٌ قبل الموت والعودة جثةً هامدة، أو بعثةٌ للدراسة وتلقي العلم والغياب لسنواتٍ حتى لا تتكرر المعاناة، وهو بوابة الزواج، ونقطة بداية مشروع المستقبل، فهو زوجةٌ وافدة، أو أخرى مسافرة، لتلحق بزوجها البعيد، الممنوع من العودة، أو المقيم عملاً أو دراسة في بلادٍ أخرى.

وتبقى حقيبة السفر مفتوحة، على أمل أن تغلق يوماً ويحملها صاحبها مسافراً، ولكن قائمة العازمين على السفر في ازدياد، وأعداد العالقين تتضاعف، وما من مجيرٍ لغزة، ولا سامعٍ لشكواها، أو حزينٍ على ما أصابها، بل إن سم الخياط يضيق، وجمل غزة صابرٌ لا ييأس، ومحتسبٌ لا يقنط، ومترقبٌ يتأهب.

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط