تاريخ النشر: 2022-05-02 | 16:33
تاريخ النشر: 2022-05-02 | 16:33
لا يكفي وصف طبيعة النظام الروسي بانه حكم الاوليغارشية – طبقة رجال الاعمال الأثرياء المرتبطين بالدولة وخارج دورتها المالية والتجارية النظامية وحتى القانونية – فالدعاية الغربية تستخدم هذا الوصف لأغراض دعائية حربية ، لكن الوقائع العملية تقول، ان بوتين أعاد تنظيم دور هذه الطبقة التي ورثها من النظام الشيوعي السابق ، داخليا وخارجيا . فهو الذي ساهم شخصيا في انشائها أيام قيادته لجهاز المخابرات ال "كي جي بي" ، أداة لتمويل عمليات الجهاز . وعزز دورها لاحقا بعد توليه الحكومة والرئاسة قبل عشرين عاما . المثال الأبرز على ذلك هو المليارديرات الروس الذي يديرون امبراطوريات مالية وتجارية داخلية وخارجية في إيطاليا وفرنسا وبريطانيا ودول اوربية أخرى. وشكلوا الذراع القوي لبوتين في التأثير في الحياة السياسية لتلك الدول ودعم التيارات اليمينية والاستقلالية بهدف اضعاف الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. كما امنت هذه الطبقة لبوتين تمويلات ضخمة لمهمات خاصة خارج نطاق الدولة التزاماتها القانونية والدولية، كان أحد أبرز مظاهرها شركات الامن الخاصة التي تفوق في قدراتها جيوش دول متوسطة الحجم والامكانيات ، مثل قوات فاغنر. تماما كما شكلت قوات بلاك ووتر للأمن الخاص ذراعا عسكريا وامنيا للولايات المتحدة مارست أيضا أبشع الجرائم في العالم وخارج القانون.
- كما ولا يقتصر تفسير توقيت الهجوم واسبابه على أوكرانيا، بانه ردا على محاولات كييف الانضمام للناتو الاتحاد الأوروبي، او انه تلبية لحاجات داخلية وتعزيز لسلطة بوتين. بل يمكن اقتراح عوامل أخرى أكثر عمقا يمكن ادراجها بالتالي:
1- فكرة روسيا ونخبتها عن ذاتها كدولة عظمى تسعى لان تكون ركنا أساسيا في النظام الدولي القادم. فالقومية الروسية عميقة الجذور ومنظري الاوراسية لا يقبلون ان يكونوا تحت جناح الصين، الدولة الصاعدة عسكريا واقتصاديا وفي هيكل العلاقات الدولية والإقليمية. لهذا اختار بوتين اللحظة التاريخية المناسب لمغامرته المحسوبة تعزز من قوة ومكانة دولته، قبل ان تصل الصين الى العام 2030، وهو العام الذي حدده الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لحسم المنافسة العسكرية والاقتصادية مع الغرب مجتمعا.
2- بوتين قرأ جيدا الوضع الداخلي للاتحاد الأوروبي، خاصة بعد خروج بريطانيا وصعود ملموس لتيار القومية الاستقلالية في فرنسا، وإيطاليا، واليونان، والمجر. ولهذا وجد انها اللحظة المناسبة لاجتياح أوكرانيا لوضع سيف التهديد بما فيها النووي على رقبة الأوروبيين وكذا استخدام سلاح الطاقة بحدوده القصوى، وهو يعلم جيدا ان إيجاد البدائل القريبة من الغاز المسال والنفط، مسالة مستحيلة عمليا في المدى المنظور. أوروبا الموحد لن تعود كما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية، على عكس كل الدعاية الامريكية من ان بوتين ومغامرته الأوكرانية ساهمت في تعزيز الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. وتظل عين بوتين مركزة على المانيا الجناح الغربي المحتمل للاوراسية والتي يبني مشروعه كدولة عظمى على أساسه كقطب جديد في إطار نظام متعدد القطبية وليس احادي او ثنائي القطبية.
3- تشكلت قناعة لدى الرئيس بوتين، ان إدارة الرئيس بايدن تترنح وهي فرصة مناسبة لتوريطها في صراع خارجي سيلقي بأثاره الثقيلة على الحليف الأوروبي، واخر فصولها تخصيص موازنة إضافة ب 33 مليار دولار لدعم حرب الناتو في أوكرانيا، وهو الامر الذي سيجد ترجمته في الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم، والتقديرات الروسية تشير الى ان الديمقراطيين سيفقدون الأغلبية في الكونغرس والشيوخ . كما ان احتمالات عودة الديمقراطيين للحكم في انتخابات 2024 تبدو ضئيلة.
- كل المؤشرات تؤكد ان الحملة العسكرية الروسية في أوكرانيا حققت الجزء الأكبر من أهدافها التي تخدم بوتين داخليا لكنها محاولة لخلق وقائع جديدة تؤسس لروسيا الدولة العظمى المقررة في مبنى العلاقات الدولية. فالتقديرات ان احتلال إقليم" الدونباس" وتوسيعه شمالا في إقليم خاركوف، مدفوع بأهداف اقتصادية بالدرجة الأولى، فهو يضم الى روسيا مناطق غنية بالغاز والنفط والمعادن النادرة ، إضافة الى المساحات الزراعية الاغنى في أوكرانيا , وتقول المصادر الغربية ان مجموع ما يمكن ان يستحوذ علية الروسي من هذه المناطق هو ثروة تقدر ب 3 ترليون دولار وقد تصل الى 11 ترليون دولار في المدى المنظور.
- كثفت الدعاية الغربية ترويج اهداف للعملية الروسية تفضي الى خلاصة وحيدة تقول ، بان هزيمة ماحقة الحقت بروسيا عندما اشاعت منذ اليوم الأول للغزو الروسي ان هدف بوتين هو احتلال أوكرانيا وضمها لروسيا او دخول كييف ، لكن الوقائع تشير لكل متتبع لحركة جنازير الدبابات هو ان الهدف الأساسي لموسكو هو حسم مستقبل الأقاليم الغنية بالثروات وذات الأغلبية القومية الروسية ، وربط البحر الأسود ببحر اوزوف وتامين الطريق البري الواصل للأراضي الروسية ، ولهذا كانت منطقة "ماريوبيل" واحتلالها هدفا استراتيجيا للوصل بين البر الروسي والبحر ، وكانت مدينة خيرستون ذات أهمية قصوى أيضا لأنها المزود الرئيس بالمياه العذبة لشبه جزيرة القرم ذات الملوحة العالية . وابقى بوتين مدينة اوديسا اخر ما تبقى لاوكرانيا من موانئ، تحت التهديد باحتلالها كورقة تفاوض ومساومة أخيرة لحسم مستقبل الدونباس وبحر اوزوف نهائيا وضمها لروسيا.