تاريخ النشر: 2017-06-03 | 17:00
تاريخ النشر: 2017-06-03 | 17:00
كان لهزيمة عام ١٩٦٧م أثراً بالغاً فى نفوس الشعب العربي بشكل عام والشعب الفلسطيني في كل مناحي الشتات بشكل خاص ، وبشكل أكثر تخصيصاً ، اللاجئين الفلسطينيين القابعين فى مخيمات اللجوء والفقر والذل ينتظرون يوم أن تتحقق أمانيهم و آمالهم بالعودة إلى مدنهم و قراهم وأراضيهم وبيادرهم وذكرياتها وحياتهم التى تركوها قسراً عام نكبة ١٩٤٨ واستقروا فى الدول العربيه المجاورة ، لبنان ، سوريا الأردن ، و مصر وفى العديد من الدول العربية و الأوروبية الأخرى ، كما أن عدداً آخراً وهو الأكبر من للاجئين استقر في الضفة الغربية التى تم ضمها إلى المملكة الأردنية الهاشمية لاحقاً وأصبحت جزءاً من الأراضى الأردنية وأصبح سكانها من الفلسطينيين بمثابة مواطنين أردنيين ، وقد تم ذلك بموجب إستفتاء لسكان الضفة فقط الذين أصبحوا بمثابة مواطنين أردنيين وأما من هاجروا من مدنهم وقراهم إلى الضفة ، بقوا يحملون مسمى لاجئ فلسطيني ليس لهم حقوق المواطنة كما سكان الضفة الأصلييون ، ولم تمنع تلك الإجراءات السكان الأصليين من الضفة الغربية من صفة و حقيقة فلسطينيتمهم ، وإن كانت الظروف لم تمكنهم من التعبير عن ذلك ، خاصة وأن مصالحهم أصبحت تُحتم عليهم الولاء النفسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي لنظام المملكة الأردنية الهاشمية كوطنٍ لهم .
وأما اللاجئين إلى قطاع غزة فكان الوضع بالنسبة لهم مختلفاً ، ففى إتفاقية الهدنة الموقعة فى جزيرة رودس بين أطراف الصراع ( مصر و الأردن وسوريا ولبنان ) من جهة ، وإسرائيل من جهة أخرىٰ ،أُعلن فيها عن وقف إطلاق النار بين جميع هذه الدول والكيان الإسرائيلي ، واعتبار أن الحدود من تاريخ وقف إطلاق النار بينهما تعتبر حدوداً مؤقتة ، كما أن الإتفاقية تضمنت ترسيم حدود قطاع غزة وإخضاعه للإدارة المصرية التى لم تقم بضمه إلى مصر أو إعتباره كجزءاً من الأراضى المصرية لا ضماً إدارياً ولا جغرافياً ولا حتى سياسياً كما حدث عند ضم الضفة الغربية أرضاً وسكاناً ، إلى المملكة الأردنية الهاشمية وبذلك بقيّ الفلسطينيون فى قطاع غزة محافظون على فلسطينيتهم ومنحتهم الإدارة المصرية وثائق سفر مصريةً ليتمكنوا من التنقل والسفر من القطاع إلى بعض الدول العربية التى تحددها مصلحة الجوازات المصرية ويمنع من السفر إلى الدول التى على خلاف مع مصر ، وقد كان لهذه الوثيقة أن أطلقت العنان للعديد من الفلسطينيين فى القطاع من مواطنين ولاجئين للسفر إلى كثير من الدول العربية و الأجنبية لغرض العمل و الدراسة . لقد كان للوضع السياسي لقطاع غزة بإدارة شئونه من قبل إدارة مصرية كان متفقاً عليها وفق إتفاقية رودس التى لا زالت بنودها قائمةً حتى الآن، لذا لا زال مكتب الإدارة المصرية قائماً فى مقره بالقاهرة ويرأسه كالعادة ضابط مصري كبير يسمى برئيس الإدارة المصرية لقطاع غزة ، والتى إنتهى عملها ووجودها في غزة بعد هزيمة عام ١٩٦٧ ، إلا أنه لم يُحل وبقيّ قائماً لأنه شُكل بموجب إتفاقية دولية ( إتفاقية رودس ) ، التى لم تنتهِ ولم تُلغَ ولم تُعطل بموجب أيّ إتفاقية دولية أخرىٰ حتى أن إتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين لم يلغِ إتفاقية رودس التى حددت حدود الدول العربية مع حدود الكيان الصهيوني والتى نصت على أنها مؤقتة .
نجح الفلسطينيون فى قطاع غزة فى ممارسة نشاطاتهم الإقتصدية والتجارية والسياسية والحزبية وحتى النشاطات النضالية والفدائية ( العمل المسلح ) إنطلاقاً من قطاع غزة إلى داخل أراضيهم التى هُجروا منها ، وقد سهلت الإدارة المصرية لهم ذلك .
ماشي يا والدتى ، لا نريد أن نكرر ما تحدثنا عنه سابقاً فترة الخمسينيات من القرن الماضي ، ودعينا ننتقل إلى ما بعد إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٦٤ وإنشائها لجيش التحرير الفلسطيني الذي تصدى مع قواتٍ من الجيش المصرى للعدوان الإسرائيلى على قطاع غزة كجزءٍ من الإدارة المصرية ونفوذها. ونتج عن هذه الحرب أن أكملت إسرائيل إحتلال باقى الأراضي الفلسطينية ( الضفة الغربية و قطاع غزة ) ، كما أنها بإحتلالها لهضبة الجولان السورية تكون قد إحتلت منطقة الحمة الفلسطينية الخاضعة للإدارة السورية والتى دخلتها القوات السورية فى يوم النكبة ١٥ /٥ / ١٩٤٨ وتبلغ مساحتها ١.٧.. دونوم وأنه عدد سكانها حوالى ٣.. شخص ثم عاودت إسرائيل إحتلال ما فى ١./٦/١٩٦٧ بعد أن كان هجرها سكانها .
أصبح قطاع غزة بعد إحتلاله من قبَل إسرائيل معزولاً عزلاً تاماً عن محيطه العربيّ ولم يعد له حدود مع مصر بعد أن أكملت إسرائيل إحتلال سيناء ، وبذلك أصبح قطاع غزة معزولاً ومغلقاً بالكامل ولا يمكن للمواطنين الخروج والدخول منه وإليه إلا عبر بوابة واحدةٍ وحيدة أقامها الجيش الإسرائيلى على الحدود الشماليه لقطاع غزة ، وأطلق عيه إسم معبر ( إيرز ) ، وقد قامت إسرائيل بإنشاء بوابات أخرى لحاجة إدخال البضائع وغيرها وكان يشرف على إدارة هذه البوابات ومجمل الحياة فى قطاع غزة كان شرف عليها الجيش الإسرائيلى إلى أن تم إنشاء جسم إداري جديد سميّ بالإدارة المدنية الإسرائيلية في قطاع غزة ، وأنشئ مثيلها فى الضفة الغربية وتم تعيين ضابطاً من الجيش الإسرائيلي لكل منهما سميّ برئيس الإدارة المدنية فى كلً من .
لم يكن يدور بخُلد أىًّ من الفلسطينيين فى القطاع بأن تُلحق الهزيمة فى عام ١٩٦٧ بالجيش المصري والفلسطيني والطقوس العربية الأخرىٰ ، كانت الفرحة بالحرب كبيرة جداً وفى كل مناحي القطاع وخاصة مخيمات اللاجئين ، فى مخيم الشاطئ الذى كنا نسكنه ، كانت البهجة والسرور والزغاريد والحركة النشطة تملأ شوارع و أزقة المخيم ، وكأنه خلية نحلٍ فى قمة نشاطها ، وتصاعد الهرج والمرج لدى كافة شرائح سكان المخيم ، منهم من يتحدث اشتياقهم لبلادهم ( قراهم وأراضيهم الزراعية وبيوتهم وحقولهم ) ويتحدثون عن خططهم بعد العودة والتى سيقومون بتنفيذها ، منهم من يخطط لشراء أراضي إضافية لتوسيع وزيادة ممتلكاته بعد أن أصبح لديه المال المتحصل عليه من أعماله ى القطاع أو من أعماله فى السعودية ودول الخليج ، تسمع من عظم لناس يتحدثون عن نواياهم الصامتة التى إنطلقت من أفواههم وهم يتخيلون هزيمة الكيان الإسرائيلي ، وكيف أنهم سيحصلون على كل ممتلكات الإسرائيليين الزراعية والصناعية والأغنم والأبقار وأثاث البيوت وكيف أن نسائهم وبناتهما الشقراوت سيكونون سبايا لهم وكان هذا يصدر من كثير من الشباب وبعض الرجال وإن كان بطريقة الممازحة ، إلا أنه يُعبر عن مدى قوة التخيل والتمنى والسرور التى أُصيبوا بها .
فى ظل هذه الأجواء التى امتلأت بالأمل و الفرح كان هناك وبشكلٍ صامت يجري أمراً فى الخفاء فى داخل كثيرٍ من البيوت وهو أن كثيراً من الرجال والنساء كانو يقومون بتجميع ما لديهم من نقود وذهب ، و آخرين يقومون بتجهيز أشياء من فرش البيت وبعض الأوانى ليأخذوها معهم لإستخدامها عند عودتهم بعد الإنتصار ، لم يخرج حلمهم عن فكرة الإندفاع العفوي جرياً و مشياً على الأقدام حتى الوصول إلى قراهم القريبة من القطاع ومنهم من بدأوا يملأون سيارتم بالوقود ليسهل عليهم الإنتقال للبلاد ، كما بدأ العديد من الأشخاص بالإتفاق مع أصحاب السيارات وحجزهم لتوصيلهم إلى بيوتهم وقراهم فور هزيمة إسرائيل .
لحظة يا والدتى ، هل هذا السلوك والعمل والنوايا كانت موجودة عند كل الناس فى القطاع أو فى مخيم الشاطئ أم فى بلوك ( a ) فى المخيم الخاص بلاجئى بأهالى قرية .
بلا شك يا ولدي بأن فرحة الأنصار والأمل الكبير به كانت تعم الجميع وأما التفاصيل الأخرى فكان يشعر بها ويخطط لها الكثيرين وهذا بعضاً مما سمعته وشاهدته ، وكونى أسكن فى بلوك ) a ) فى مخيم الشاطئ القريب من شاطئ البحر فإن كل ما أتحدث به قد حدث فى هذا المكان وعموم المخيم أيضاً باستثناء الأعمال والسلوكيات الفردية الخاصة بالأفراد أو ببعض العائلات والتى كانت تصدر بعفوية نتيجة الألم والحزن أو الفرح ( كحالة أم غزال ) التي سأُحدثك عنها بعد شوية .
شكراً والدتى أكملى ...
كان يا ولدى تفكير الناس بسيطاً يسبح فى خيالٍ جامحٍ رسم لهم آمالاً وتوقعات لا يمكن تحقيقها إلا بمعجزات إلاهية .
كان الهرج والمرج عن الحرب والانتصارات تزداد وتيرته بل بات لدي السكان في المعسكر قناعة كبيرة بأننا ليس فقط على أبواب نصر مؤكد بل أننا حققنا إنتصاراً على الكيان الصهيوني (إسرائيل) وذلك عندما تراءىٰ لعيان الجميع إصابة إحدى طائراته السوبر مستير باحد قذائف المضادات للطيران التي كانت موجودة في مناطق على طول ساحل القطاع خاصة في منطقة مقر الرئاسة وغيرها من الأماكن الساحلية و منطقة الكتيبة . نكمل فى الجزء b