تاريخ النشر: 2017-04-29 | 11:47
تاريخ النشر: 2017-04-29 | 11:47
لم أنم بعد صلاة الفجر وأعدت قراءة الحلقة التاسعة من حكايات الثريا فوجدت بها بعض الأخطاء الإملائية غير المقصودة في ثلاث او أربع كلمات وعند مراجعة الصفحة التي طبعت عليها من علي شاشة جهاز الآي باد الذي استخدمه وجدت ليس بها أيّ خطأ املائي بل أن تقنيات هذا الجهاز وهو حديث وكان قد استبدله لي ابني بدلاً عن الجهاز القديم فهذا الجهاز لديه قاموس للغة العربية والإنجليزية وهو يختزن بعض الكلمات ويقوم باظهارها على الشاشة على شكل ثلاث احتمالات للكلمة فإذا لم تُحدد الكلمة التي نريدها وبسرعة يقوم الجهاز بفرض اختياره للكلمة والتي احيانا تكون خطأ يظهر بعد الطباعة او النشر، فأنا اعتذر عن تلك الاخطاء التي بمساعدة احدى بناتي تمكنت من تصحيحها حتى بعد نشر الحكايات وسنعمل على التدقيق اكثر مراعاة لوصول الفكرة والمعلومة والكلمة لكم احبتي صحيحة وتعبر بصدق عن الهدف الذي لأجله نكتب وننشر،
كما اريد ان اطمئن كل الأحبة والقارئين والمهتمين بما أكتب وعملاً بنصائحهم لي بضرورة توثيق كل ما اكتبه من مقالات سياسية واشعار وقصص قصيرة ودبابيس وحكايات للحفاظ عليها من الضياع ، فأقول لكم جميعاً بأنني أأخذ بنصائحكم التي تعبر عن مدى صدقكم وحبكم لما أكتبه ، وباذن الله وفور توفر المقدرة المادية سنقوم بطباعة حكايات الثريا أولاً، ثم مجموعة قصصية (قصص قصيرة) ، ثم ديواني شعرى الأول بعنوان (القدس شامخاً) ، والثاني (بوح الصورة) وهو عنوان المسابقة التي دخلت بها المسابقة الشعرية التي نظمتها مجلة أحرار الجزائر للأدب والشعر وفزت بها بالترتيب الاول على مئات الشعراء من الوطن العربي وكانت القصيدة بعنوان (( أُستروني )) ، وسننشر كذلك كتاباً في السياسة بعنوان (الشرق الاوسط بين الإرهاب والتدخلات الخارجية) ٠
أسأل الله التوفيق ، وأطمع بدعائكم لي بأن ينير الله دربي وييسر أمري ويسهل لنا مقاصدنا ويحلل الله عقدة عن لساني ٠
مع خالص تقدير واحترامي لكم جميعاً احبتي ...
بعد صلاة العصر جلست مع الوالدة الثريا وتجاذبنا اطرف الحديث عن كل ما تحدثنا عنه سابقاً وهي تسترجع حياتهم في الخيام التي كانت تتناسب وحجم الأسر وكانت تُستخدم للنوم بأعداد ليست قليلة وكانت تقسم أحياناً من الداخل بقطع من القماش وكانت عبارة عن نوعان الاول خيمة ابو جرس ذات عمود وسطي يحمل الخيمة من المنتصف وهي عبارة عن شكل الكوخ والنوع الآخر عبارة عن خيمة اكبر تأخذ شكلاً طولياً ، وكان العديد من الأشخاص يسكنوها ، كانت الحياة صعبة جداً خاصة عندما يريد احد من الشباب أن يتزوج فكان يقتطع جزءً من الخيمة للعروسين ٠ أياماً صعبة ومحزنة يا بنيّ ولكن بعد الانتقال من كامب الخيام (كامب الشوا) الي معسكر الشاطئ في غرف ، قمنا بتوسيع البيت ببناء غرف إضافية ، مع عمل حوش نربي فيه الدواجن والحمام والبط ، مما شكل دخلاً اضافياً لنا واكتفاءً غذائياً ذاتياً ، فأصبحت الحياة بالنسبة لنا اكثر استقراراً مع المساعدات الغذائية التي تصرفها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين ، وفي هذه الفترة تنقل والدك في عدة أعمال منها العمل في النول ( النسيج ) ، الذي يقوم به اهالي المجدل وكذلك في بيع السمك وفي النهاية حصل والدك على وظيفة في مدرسة الشهيد مصطفى حافظ وكانت عبارة عن وظيفة حارس ليلي ، وكانت ناظرة المدرسة آنذاك (السيدة/ بهادرصوان) حادة الطبع وعندها شيء من الإستهزاء باللاجئين فتصادمت مع والدك الذي كان لا زال النفس الثوري وألم الهجرة يغلي في عروقه وهي تقلل من قيمة ومستوى تعليمه ، فصرخ بها وقال لها ، نحن في بلادنا كنا أسياداً وأغنياء ومتعلمين وأنا حاصل على الصف السادس ولولا الظروف ما كنت اليوم أمامك ، وحلف يمين ألا يعود لرؤيتها إلا وهو في وضع وظيفي اعلى منها ، ومن هذا الموقف تغيرت حياة والدك ونُقل للعمل سكرتيراً في مدرسة اليرموك ، وانتسب للدراسة في معهد المعلمين (الليلي) فأكمل الاعدادية والثانوية والتحق بكلية الحقوق في جامعة عين شمس في القاهرة ، ومن هنا وبعد مقابلته للحاكم العسكري المصري وطرح عليه قضيته ومستوى تعليمه قرر نقله للعمل في السرايا في دائرة الشئون المدنية (المستخدمين) وبهذا انتقل الي مستوى وظيفي عالٍ وأصبحت ( النظرة بهادر صوان ) تتفاخر به ، ثم بعد ذلك ربطته علاقات قوية مع ضباط مصريين كانوا يواظبون على زيارتنا في بيتنا في المعسكر ، ومن هنا اختلفت كل مخططاته الي ان حدثت حرب عام ١٩٦٧ وهزمت مصر واعادت إسرائيل احتلال قطاع غزة وانقلبت كل تخطيطاته رأساً على عقب.
يعطيكي العافية يا والدتي دعينا نتوقف هنا ونعود حيث انتهينا في الحديث السابق حتى تتسلسل الاحداث ولا نترك أيّ فجوة.
ماشي يا بنيّ عن شو حابب تعرف ؟
بدي تحكيلي بعد ما استقرت الإدارة المصرية في القطاع وبدأت في ادارته ، كيف عاملوا الأهالي بشكل عام وللاجئين بشكل خاص ، تعاملوا مع الجميع دونما أن تفرق الإدارة المصرية بين لاجئين ومواطنين ، بل تعاملت مع الجميع بشكل متساويٍ وفتحت ابواب التعليم والصحة لكافة السكان ، فقامت ببناء المدارس الابتدائية والإعدادية وكذلك أنشأت مدارس الثانوية الكبيرة والتي كان لها دوراً مهماً في صقل الشباب وتثقيفهم وتعليمهم بشكل منهجي وعلمي وانضباطي الي أعلى المستويات بحيث كانت الأسرة التي أبنائها وبناتها او ابن واحد منهم يدخل المدرسة الثانوية ، وكأنه ملك الدنيا ويصبح يمشي في الشارع مرفوع الرأس شامخاً ، اعتقاداً منهم بأن أبنائهم بعد الثانوية سينتقلون للجامعات التي سيتخرجون منها ، ومن ثم يعملون في مختلف المجالات ، وكذلك التعاقد للعمل في دول الخليج العربي مما سينعكس على مستواهم الاقتصادي ، كما أن القناعة لدى الأسر بأن وصول أبنائهم لمستويات عالية من التعليم سيحافظ على قناعاتهم باقتراب حق العودة الي بلادهم التي هجروا منها فكانوا يعتبرون بأن التعليم هو السلاح الاقوى لتحقيق عودتهم وانتصارهم على اسرائيل ومن ثم يعودون الي قراهم ومدنهم التى تركوها قسراً ٠
كانت مدرسة فلسطين الثانوية للشباب ومدرسة الزهراء للبنات في غزة من المدارس الكبيرة والمميزة بتنوع الدراسة فيها والمختبرات العلمية وقاعات التدريس بالإضافة لمسرح في مدرسة فلسطين التي كثيراً ما كان يعرض فيه بعض المسرحيات التي تجسد آلام الهجرة وحق العودة وكذلك تجسد النضال الفلسطيني ضد اليهود.
وكذلك بنى المصريون مدرسة خالد بن الوليد في الوسطى ومدرسة يافا لاحقاً في منطقة التفاح بغزة ، وغيرها من العديد من المدارس الإعدادية المهمة ومنها مدرسة القاهرة ومدرسة الشهيد مصطفى حافظ تجسيداً لذكرى الضابط المصري من جهاز المخابرات والذي اغتالته أيادي الموساد الاسرائيلي بطرد مُلغم بسبب قيامه بانشاء وحدات من الفدائيين قاموا بمهاجمة المؤسسات الإسرائيلية المختلفة بعد تسللهم عبر الحدود من منطقة بيت حانون ووادي غزة وقد استشهد العديد من هؤلاء الفدائيين والذين شاركهم الكثير من شباب أهالي قرية حمامة وهم من الذين خاضوا مواجهات ضد قوات اليهود قبل الهجرة واثناء اضراب عام ١٩٣٦م
ماشي يا والدتي ، احكيلي شوية عن الطلاب والطالبات في مدرسة الزهرة ومدرسة فلسطين بشكل خاص ، وطلاب الثانوية بشكل عام ٠
لم يكن يا بنيّ الطلبة مثل شباب اليوم خاصة أبناء الأسرة اللاجئة كانوا يعرفون بأن اهاليهم يقتطعون الاموال من قوتهم ويجوعون في سبيل توفير مستلزمات الدراسة والملبس الخاص بهم ، بحيث لم يكن الطلبة مخيرين للبس ما يشاءون ، فكان الزيّ المدرسي لطلاب الثانوية عبارة عن بنطلون وقميص من اللون الرصاصي (السكني) الداكن ، واما البنات كان لباسهن ( الزيّ المدرسي ) عبارة عن قميص وتنورة من نفس اللون ، وكان برنامج الدراسة يتضمن حصص (فتوة) وهو تدريب على السلاح والانضباط والمشي العسكري ، وذلك لاعدادهم لمعركة التحرير مستقبلا ً، وهذه الفئات الطلابية كان لها دوراً مهماً في المشاركة في الاحتفالات في القطاع كاحتفالات ٧ و١٤ مارس وسنتحدث عنها لاحقاً ٠
كما قام المصريون ببناء مستشفيات كبيرة منها مستشفى الحميات و مستشفى دار الشفاء في مدينة غزة ، ومستشفى ناصر في مدينة خانيونس والعديد من العيادات التي كانت توفر للمواطنين دون تمييز كافة الأمور العلاجية والأدوية بالمجان كما التعليم ، تنفيذاً لقرار الرئيس الراحل ( جمال عبد الناصر ) الذي أصدر مرسوماً بأن يتم معاملة الفلسطينيين مثل المواطنين المصريين ، مع مجانية تعليمهم في الجامعات المصرية ، مما انعكس بالايجاب على اللاجئين الذين كانوا يتسابقون بارسال أبنائهم وبناتهم ممن ينهون التوجيهي ، الي الجامعات حيث كانت الجامعة العربية تصرف مبلغ عشرة جنيهات مساعدة لطلبة الجامعات ، كما قامت الإدارة المصرية بانشاء المؤسسات والدوائر الحكومية المختلفة كالمحاكم والزراعة والتجارة والصناعة والعمل والتعليم والصحة والبريد والتلغراف والاشغال والسكة الحديدية والشئون المدنية والمستخدمين والجوازات وغيرها من العديد من الدوائر وانتظمت الحياة بشكل كبير خاصة بعد انشاء جهاز شرطة وتدريب المنتسبين إليه ، كما عملت على تطوير الاقتصاد في القطاع من خلال خلق مجالات عمل للمواطنين وتسهيل سفرهم الي مصر للتجارة او السفر الي خارج مصر إن كان للتعلم أو العمل في دول الخليج وغيرها من الدول العربية والأجنبية ٠
في ظل هذا المناخ الايجابي ، لم يؤثر ذلك على قناعات الناس بأحقيتهم في العودة الي بلداتهم التي هجروا منها ، وقد أصبحت قضيتهم بمثابة قضية الكل الفلسطيني لاجئين ومواطنين ، لذا بدأت تظهر بعض الحركات السياسية غير واضحة المعالم وغير منتشرة بشكل كبير، تتبنى جميعها الفكر المقاوم لليهود المغتصبين للوطن ٠
في تلك الفترة وتحديداً في يوم ٢٩/١٠ اكتوبر من العام ١٩٥٧ شنت كل من فرنسا وبريطانيا وشاركتهما إسرائيل ، شنوا هجوماً على مصر بقصد احتلال قناة السويس لضمان حرية الملاحة فيها بعد أن قام الرئيس جمال عبد الناصر باصدار قراراً بتأميمها بتاريخ ٢٦/٦ يونيو/ ١٩٥٦ لتصبح القناة تحت السيادة المصرية الكاملة ، وخلال هذا العدوان قامت إسرائيل باحتلال قطاع غزة بالكامل وإدارته عسكرياً مما ادي بالإدارة المصرية بالتوقف عن إدارة القطاع والانسحاب الي مصر٠
ارتكبت إسرائيل مجازر بحق المواطنين وقصفت المدن الفلسطينية في القطاع بالمدفعية وخاصة مدينة خانيونس التي كانت مقاومة الجيش الاسرائيلي فيها قوية وكذلك في كافة أنحاء القطاع ، وكذلك نشط الشباب الحزبيين والوطنيين ضد الإحتلال الإسرائيلي مما عرض العديد منهم للاعتقال والقتل ، واستمرت المقاومة ضد جنود الاحتلال بمشاركة العديد من الضباط والجنود المصريين والفلسطينيين ، كما اشتدت المقاومة المصرية ضد الجيش الفرنسي والبريطاني في مدن قناة السويس ، وأمام هذه المقاومة ونشاط الأمم المتحدة (الجمعية العمومية ومجلس الأمن) ، و صدور قرارات عنها وبدعمٍ من الاتحاد السوفيتي بضرورة انسحاب جيوش العدوان الثلاثي عن الأراضي المصرية بالكامل بما فيها قطاع غزة الواقع أصلاً تحت السيادة و الإدارة المصرية بموجب اتفاقية الهدنة الدولية بين مصر وإسرائيل ابان حرب ١٩٤٨.
انتهي الانسحاب الإسرائيلي المفاجئ عن القطاع يوم ٧/٣ مارس/١٩٥٧، وعادت الإدارة المصرية لممارسة مهامها في القطاع يوم ٣,١٤مارس/ ١٩٥٧، وفي هذين اليومين خرج سكان القطاع الي الشوارع محتفلين بشكل جماهيري بانسحاب الجيش الاسرائيلي وعودة الإدارة المصرية الي قطاع غزة ، والتي لاقت ترحاباً كبيراً من الاهالي جميعاً ، وقد نتج عن هذين الحدثين امور غاية في الأهمية... أرجوكي يا والدتي أن تدعينى أتحدث أنا عنها كإضافة لما حدثتيني به عن تلك الأمور وهي:
نشاط الحركة السياسية في القطاع : وتمثلت في بروز أُطر لأحزاب سياسية ذات جذور في الدول العربية انتقلت إلى القطاع عبر طلاب الجامعات من غزة واحتكاكهم مع زملائهم من الحزبيين من الدول العربية ، والذين نقلوا الافكار الحزبية الي القطاع وعمدوا الي تأطير الشباب في المدارس وتثقيفهم وتوعيتهم حزبياً ، ومن هذه الأحزاب والحركات السياسية :
أ) حركة الإخوان المسلمين : التي دخلت القطاع عبر طلاب الجامعات وقبلها عبر الجنود والضباط المصرين الذين أصيبوا في حرب عام ١٩٤٨ وتعالجون بالقرب من حدود قطاع غزة وفي القطاع أيضاً ، مما أتاح لهم فرصة لنشر الفكر الأخواني لدى العديد ممن يقومون بزيارتهم وتقديم الغذاء والدواء لهم ، او استضافتهم في بيوتهم ، وكذلك من خلال رجال الدين الازهريين الذين كانوا يرسلون الي القطاع من قبل الحكومة المصرية بهدف الارشاد الديني وتعليم اصول الدين للناس ، مما أتاح لهم بتكوين بعض الخلايا الحزبية الإخوانية السرية ، وكذلك كان للمساعدات التي ترسلها الحكومة المصرية الي القطاع من خلال أولئك االازهريين أن سهل لهم عملية جذب العديد من السكان للفكر الديني الاخواني ، وقد واجهت هذه المجموعات الإخوانية كثيراً من التضييق والحد من نشاطها من قبل الإدارة المصرية في القطاع كلما ساءت العلاقة بين الحكومة المصرية وحركة الإخوان في مصر.
ب) حركة القوميين العرب : والتي جاءت القطاع أيضاً عبر احتكاك طلاب غزة مع قرنائهم من الطلبة العرب الذين كانوا يدرسون في الجامعات المصرية وقد تبادلوا الزيارات مع بعضهم في غزة وقاموا بتشكيل بعض التجمعات الحزبية ، ولم يكن ذلك خافياً عن المخابرات المصرية ، ونظراً للتوجهات القومية للرئيس جمال عبد الناصر آنذاك ، فلم تُقمع ولم تطارد هذه التجمعات من قبل الإدارة والمخابرات المصرية في القطاع.
ت) حزب البعث العربي الاشتراكي : وجاء للقطاع بنفس الآلية التي جاءت بها الاحزاب الاخري ، ولقد كان للوحدة بين مصر وسوريا أن نشط الحزب بشكل ميزه عن باقي الاحزاب بحكم علاقة الوحدة بين مصر وسوريا لا سيما وأنه حزب البعث العربي الإشتراكى كان هو من يحكم سوريا ، ولكن ما أن ساءت العلاقة بينهما وفك ارتباط الوحدة بين مصر وسوريا ، اضطهد الحزب فى غزة ولوحق من قبل المخابرات المصرية.
ث) الحزب الشيوعي : وهو حزب فلسطيني قديم تشكل في عشرينيات القرن الماضي وضم في صفوفه عناصر من اليهود الي ان تم انقسامه وبقي الحزب الفلسطيني نشطاً ، وقد واجه أعضائه الكثيرمن المضايقات من قبل الإدارة والتيارات الإسلامية فى القطاع .
على أيّ حال اخذ النشاط السياسي الفلسطيني في القطاع ، شكل التظاهرات والتصدي لمشاريع طمس الهوية الفلسطينية ، ومشاريع التوطين التي شهدتها الفترة من ١٩٥٢- ١٩٥٥، والتي استهدفت بشكل اساسي اللاجئين الفلسطينيين في مختلف اماكن تواجدهم ، إلا أن بعض هذه المشاريع استهدف لاجئي قطاع غزة بالتحديد ، ( كمشروع شمال غرب سيناء لتوطينهم ) ، ونشطت الحركة السياسية الفلسطينية في القطاع ضد هذا المشروع ، فبرزت ظاهرتان سياسيتان بشكل مميز وهما (حركة الإخوان المسلمين) ، و(الشيوعيين) وكان لهما دوراً مهماً في تأطير فلسطيني القطاع وتوعيتهم سياسياً ، في محاولة لبعث الحياة في الفكر السياسي ، فشهدت الفترة من ١٩٥٤-١٩٥٥، تطوراً مهماً وايجابياً في الموقف المصري ، إذ تبنت الادارة المصرية في القطاع تنظيم عمليات فدائية ضد اسرائيل إنطلاقاً من القطاع ، اشرف عليها ضابط المخابرات المصرية (مصطفي حافظ) ، كانت تلك العمليات بمثابة حجر الاساس لتوجه الفلسطينيين لبدء العمل الفدائي ضد اسرائيل ، والذي كان أساساً وتمهيداً لانطلاق حركة فتح بعد عشرة سنوات وتبنيها الكفاح المسلح ٠
ردت إسرائيل على العمليات الفدائية المنطلقة من قطاع غزة بعدة عمليات عسكرية داخل القطاع ، راح ضحيتها عدد كبير من القتلى في صفوف الجيش المصري والمواطنين في غزة خاصة في غارة ليلة ٢٨/٢ فبراير/١٩٥٥، وقد هدفت إسرائيل من وراء تلك الغارات ، الضغط على الحكومة المصرية لتنفيذ مشروع توطين اللاجئين في سيناء ، لما لهذا المشروع من فوائد تعود عليها ، اعتقاداً منها بأن عملية التوطين قد تُنسى الفلسطينيين مدنهم وقراهم الأصلية التي هُجروا منها.
إلا ان تلك الغارات احدثت نقلة نوعية في نهوض الفكر السياسي الفلسطيني من خلال الهبة الجماهيرية والمظاهرات العارمة التي عمت قطاع غزة وقادها آنذاك الحزب الشيوعي ووطنيون فلسطينيون والجناح الشعبي من الاخوان المسلمين (وكان هذا اول نشاط علني للإخوان المسلمين في قطاع غزة).
ومع تذبذب الموقف الرسمي المصري اتجاه نشاط هاتين الحركتين بين غض النظر والدعم او التصدي لهما أحياناً ، حدى بكثير من نشطائهما بالابتعاد عن العمل السياسي ، ولم يجدوا مجالاً لتفريغ نشاطهم وفكرهم السياسي الا من خلال أحزاب وقوى سياسية جديدة اخذت طريقها للظهور على الساحة السياسية الفلسطينية التي حكمتها أيضاً ظروف المنطقة السياسية.
نكتفي بهذا القدر يا والدتي ونكمل إن شاء الله غداً٠