تاريخ النشر: 2017-06-10 | 15:16
تاريخ النشر: 2017-06-10 | 15:16
سقطت الطائرة الإسرائيلية في البحر إلى الجنوب من المخيم وهبط الطيار بالمظلة وشاهده معظم سكان الشاطئ وغزة وساهمت إحدى مراكب الصيادين بانتشاله وتسليمه للقيادة المصرية في القطاع حيث تم أسره وترحيله الي مصر بواسطة سيارة ، في هذه الأثناء كانت النساء ينثرن الشيكولاته على كل من يسير في الشوارع ابتهاجاً واحتفالاً بإسقاط الطائرة واسر الطيار. تزايدت حركة الناس وأصواتهم واصوات أجهزة راديو الترانزيستور التي كانوا يحملونها بايديهم ليتابعوا اخبار الحرب الدائرة ويسمعون البيانات العسكرية وخاصة إذاعة صوت العرب ومذيعها المشهور ( أحمد سعيد ) الذي كان يصدح بصوته المنطلق من المذياع كالرعد وهو يعلن عن انتصارات الجيش المصري وعن الخسائر المهولة في المدرعات والطائرات في الجانب الإسرائيلي مما دفع ببعض الناس من التوجه الي جهة شمال قطاع غزة باتجاه أراضيهم التي رحلوا عنها عام ١٩٤٨ على أمل أن هزيمة إسرائيل باتت أمراً واقعاً وانهم هم سيكونون أول من يعودون الي بيوتهم وديارهم وقراهم .
مع ساعات الظهيرة بدأت اشارات التعب النفسي والانكماش تظهر على وجوه الناس جميعاً وبدأ العديد منهم بالانسحاب الي بيوتهم او الي المقاهي لمتابعة الانباء عبر مذياع المقهى ...
بدأت الوجوه يوشحها الحزن قبل أن يُعلَن عن هزيمة الجيوش العربية ، في حين ظلت الشوارع ملآىٰ بالرجال والشباب والنساء ينتظرون ، علهم يتلقون اخباراً تطمئنهم وتهدئ من تخوفاتهم ، في ظل ازدياد قصف الطائرات الإسرائيلية للمواقع الفلسطينية والمصرية المرابطة على الجبهات المختلفة فى القطاع ، وبدأت تُشاهد أعمدة الدخان من تلك المواقع الموجودة على حدود مدينة غزة وبداخلها ، ومن أهم هذه المواقع كان موقع ( تل المنطار) ، وبدأت اخبار استشهاد الجنود الفلسطينيين تتوارد على ألسنة بعض الجنود العائدون الي المخيم بعد أن قُصِفَت مواقعهم في تل المنطار والمناطق الحدودية فى شمال وشرق وجنوب مدينة غزة واماكن اخرى ، وكانت مظاهرهم توحي بالهزيمة والارهاق وكانوا قد ألقوا بعضاً من زيهم العسكري على ناصية الطريق وفى البيارات التى كانوا يتموقعون فيها ، في هذه الأثناء تحضر عدة شاحنات عسكرية فارغة بهدف رفع معنويات الناس إلا أن الهدف الرئيسي كان جلب أعداداً من الشباب الي الجبهة للتصدى لأيّ تقدم عسكري إسرائيلي داخل مدينة غزة وقد استشهد أعداد من هؤلاء المتطوعين بعد أن قصف الطيران الإسرائيلي بعضاً من تلك االشاحنات .
في ظل هذه الأجواء التي أصبحت تميل الي الكآبة والحزن والإحساس بالضياع وعدم وضوح الصورة عن الحرب ... فإذا بإحدى النساء فى الستين من العمر تقريباً وتسكن قبالة منزلنا وتدعي بأم ( غزال) الآتية من جهة المدخل الجنوبي لمعسكر الشاطئ وهي تصرخ بصوت عالٍ وتضرب صدرها بقبضات يدها تارة وتمزق ملابسها تارة أخرى وتبعثر شعرها وتقطعه تارة أخرىٰ بعد أن نزعت عن رأسها غطائه (الشطوة) التي امتزج منظرها بمنظر شعرها الأشيب الذى تصبغه الحناء .
أتت أم غزال مهرولة حافية القدمين تضع طرفاً من ثوبها الفلاح في حزام خاصرتها ليسهل عليها المشي بسرعة والهرولة تارة والجري تارة أخرى نحو منزلها الكائن فى بداية بلوك (A) وهي تصرخ وتلوح بمنديلها في الهواء وتندب وتبكي وتقول يا ويلنا ، يا وردي علينا ، اليهود (الجيش الاسرائيلي) مع دباباتهم قاعدين بيدخلوا المعسكر من عند الميناء ( وهو المدخل الرئيسي والجنوبي للمعسكر وهو عبارة عن التقاء شارع عمر المختار الذي يشطر مدينة غزة الي شطرين شمالي وجنوبي ويلتقي عند نهايته من الغرب مع شارع الرشيد الساحلي (الكورنيش) عند المنطقة السياحية ومربع الفنادق) ، واستمرت في الحديث في جوٍ من الذهول والهذيان والخوف والتخوف الذي لف كل سكان المكان وبدأوا مدركين لخطورة بقائهم في أماكنهم ينتظرون الخطر الداهم إليهم وهو الموت والذبح الذي أعلنت أم غزال عن مشاهدته وهي قادمة من منزل آخر لها في المدخل الجنوبي للمخيم ، أعلنت ذلك وهي تحلف الايمان وتعظمها بأنها شاهدت الجيش الاسرائيلي بيذبح السكان وماسكين ( بدأوا ) سطر سطر من البيوت ، هاج الرجال وماجوا وبدأوا يتجارون في أزقة المخيم والي منازلهم ليحضروا بعضاً من ملابسهم ومن النقود للهروب ولكن من اين الطريق ولأين !!!؟
فكان ساحل البحر الذي احتشد على رماله المئات بل الآلاف من السكان يتسابقون ويتزاحمون لحجز اماكن لهم في القوارب الصغيرة للهروب عبر البحر الي مصر ( مدينة بور سعيد الساحلية ) ، وآخرين بدأوا يجمعون ملابسهم والتي تحمل اللون (الكاكي) واللون الأزرق و الشبيهة بألون ملابس الجيش وكذلك الأحذية والملابس الشرطية ويضعونها في أكياس ويلقونها على حاويات القمامة أو في سوق المخيم الذي بات مهجوراً وذلك بهدف التخلص منها قبل أن يحضر الجنود الإسرائيليون الي منازلهم ويفتشونها ويجدون فيها تلك الملابس فيظنونهم جنوداً فلسطينيين أو مصريين وبالتالي يقتلونهم .
لازال الموقف غاية في التوتر والخوف فإذا بأم غزال تندفع الي داخل منزلها وتخرج وتصرخ بشكل هستيري اذهل الموجودين الذين لازال الخوف يهز اركانهم ، وتلطم خديها وهي تخرج من منزلها مصطحبة معها الصرة ( وهي قطعة من القماش بداخلها أغراضاً مختلفةً ) ومربوطة باحكام منذ يوم الهجرة من قريتها عام ١٩٤٨، وقامت بفتحتها بأصابعها وأسنانها وهي تصرخ وتقول خذوا ، خذوا ، وأخرجت الهدمتين وما في الصورة من كواشين الارض والقت بهم جميعاً في فضاء المكان وهي تصرخ ... قال بدنا ننتصر ... قال بدنا نعود للبلاد ، يا وردي علينا واسود ، والله هالصرة مربوطة من يوم الهجرة .... وعليّ نذر لله ما بافتحها إلا يوم ما نعود للبلاد .... طز في هيك عودة ، وطز في هيك نذر، وطز في هيك جيوش عربية مهزومة .... والله ما ظل امل ... وكل شيء راح .... بكى الجميع بحرقةٍ وألمٍ يعتصر قلوبهم وكأنه يوم القيامة قد حل بهم
ماشي يا والدتي ، شئ محزن ومؤلم أن كان الفلسطينيون يظنون بأنهم بتركهم ديارهم عام ١٩٤٨ سيبتعدون لمدة يوم أو يومين أوعدة أيام عن عصابات الهاجانا اليهودية وعن الذبح على أياديهم والذي طال العديد من القرى الفلسطينية ولم يكنوا يعلمون بأن هجرتهم ستستمر من عام ١٩٤٨ حتى عام ١٩٦٧ أي قرابة العشرون عاماً على أمل العودة الذي تحطم مع رياح نكسة و هزيمة عام ١٩٦٧ .
في هذه الأثناء كانت الإذاعة الإسرائيلية تعلن عن سقوط قطاع غزة بيد الجيش الاسرائيلي وتُطالب جميع السكان برفع الرايات البيضاء فوق منازلهم ليتجنبون أيّ خطر ، وخلال ساعات قليلة كان غالبية المنازل ترفع الرايات البيضاء ( رايات الأستسلام ) .
ماشي يا والدتي ،، كنت حابب أقول بأنني عايشت جميع هذه الأحداث وشاهدت جزءاً منها وخاصة موضوع أم غزال ، وقد كتبت قصة قصيرةً عن ذلك وكانت بعنوان ( أم غزال والمفتاح اللى راح وما راح ) .
اللقاء القادم نتحدث عن هجرة كثير من الأفراد والأسر الي الاردن عبر جسر الملك حسين بعد السفر عبر أراضي الضفة الغربية ، والكثير منهم استقر في الاردن لممارسة حياتهم واعمالهم .
ماشي يا بنيّ .تصبح على خير ... وأنتِ من أهل الخير يا أمي ..