تاريخ النشر: 2025-04-08 | 15:39
تاريخ النشر: 2025-04-08 | 15:39
الجزء الرابع:-
شيء مؤسف حين يتخلي عنك أقرب الناس إليك ويقول عبارة مؤلمة لا يلقي لها بالا أو إهتمام وربما يكون قد نسى ما قال ولكن صداها يبقى عالقاً فى أذهان من وقعت عليه كالصاعقة حين يسمع أقرب الناس إليه يقول " إنه ميت ميت لا محالة فلماذا خسارة النقود" يفضل المال على حياة إبنه شيء مؤسف ومؤلم للغاية تجعلك فى حيرة من أمرك، معقول ذلك الشيء وتلك القسوة أن تترك إنسان هو جزء منك يصارع الموت ولا تفكر فى المحاولة لإنقاذ حياته، ذلك ما جعلني أتخذ قراراً بالعزلة والعيش بعيداً عن محيطة لسنوات طويلة كنت فيها فى صراع مستمر مع المرض والموت والحياة، فكنت أعمل شرطي براتب بسيط 945 شيكل أى ما يعادل آنذاك 220 دولار أدفع منها إيجار المنزل والمصروفات والفواتير ومواصلات للذهاب للعمل ورسوم الجامعة ومصروفات ونفقات السفر والعلاج فكنت فى صراع مع الذات بأنه يجب أن أتنازل عن أشياء كثيرة من أجل أن أختار وبالنسبة لى كلها ضروريات
كنت أرغب بالدراسة الجامعية كنوع من التحدي لأنني عندما أردت الذهاب إلى الدراسة الجامعية وأردت التسجيل فى كليه فلسطين التقنية فى مدينة دير البلح من أجل توفير المواصلات والذهاب مشياً على الأقدام وطلبت من والدي مساعدتي فى دفع الرسوم للكلية وذلك فى العام 1999م فرفض وقال إنه لا يملك المال مع العلم فى حينها أنا لم أكن أعمل وكان لي إخوة يدرسون الطب فى أوكرانيا ويأتون زيارة إلى قطاع غزة بشكل سنوي وتذاكر السفر لوحدها تكفى لدفع رسوم الكليه ولكنه رفض ويريد أن يصنع مني بلطجي ورجل شرير وأنا أرفض ذلك بشدة وكان لدى حلم وهدف بأن أتعلم وأدرس فى الجامعة وقدمت طلب فى كليه فلسطين التقنيه فى قسم كان تم افتتاحه مجدداً وهو قسم الهندسه الميكانيكيه ومدة الدراسة فيه أربعة سنوات وحين لم أجد من يساعدني بدفع رسوم الكلية، لم يكن أمامي إلا دفع رشوة للفاسدين من أجل التوظيف فى جهاز الشرطة الفلسطينية، ونجح الأمر وكان بمثابة شعاع نور وأمل من أجل تحقيق حلم هو المستقبل الواعد بالنسبة لي فى ذلك الوقت، حيث كانت السلطة الفلسطينية قد أخذت مناطق جديدة فى الضفة الغربية وتريد توظيف عدد من الناس فدفعت رشوة إلى أحد المسئولين وتم تسجيلي فى دورة عسكرية فى مدينه الخليل فى الظاهرية وذلك فى شهر أكتوبر من العام 1999 وصلت معسكر التدريب وكنت متعباً جداً وبيئة لم أعيشها من قبل نهائيا، وصلنا معسكر التدريب فى مكان معزول بالأصل كان سجن للأسرى وكنت أشعر بالتعب والعطش الشديد وكنت من أول مجموعة وصلت لمعسكر التدريب وأتى المدرب وكان يوجد خزانين مياة دون غطاء وعلى سطح المياة قش وحشرات ميته والخزانات متصله ببعضها ويخرج منها صنبور واحد وفتح الصنبور وشرب من الماء وقال هذه مياة الشرب التى لدينا ومن يرغب بالشرب فليشرب ومن لم يرغب يمكنه العودة إلى غزة من حيث آتي، وكانت تلك تجربتي الأولى فى الحياة ونوع من التحدي مع الذات من أجل بلوغ وتحقيق الهدف والطموح وكنت فى تحدى مع ذاتي ومستعد أن أشرب مياة الصرف الصحي وآكل التراب فى سبيل تحقيق حلمي وهو الذهاب إلى الجامعة، وبلغ عددنا فى الدورة العسكرية تقريبا 370 فرداً ومن صعوبة التدريب كل شهر يهرب مجموعة من المتدربين حتى بقى العدد تقريبا 260 فرداً، كان بشكل يومي الزحف على الظهر وعلى الصدر فوق قطع الزجاج المكسورة شيء روتيني وآثار الزجاج والجروح فى أجسادنا أمر طبيعي وهناك من كسرت قدمه أثناء القفز وهناك من أصيب بطلق ناري فى قدمه أثناء إطلاق النار علينا ونحن نزحف ونتدرب ونقفز وسط النار ونسبح بالمياة المتجمدة فى شهر يناير كانت أشهر التدريب فى غاية الصعوبة
خلال أشهر التدريب فتح باب التسجيل فى الجامعات فذهبت إلى جامعة القدس المفتوحة فى الخليل برفقة أصدقائي للتسجيل فى الجامعة وتم التسجيل فى جامعه القدس المفتوحه فى الخليل .
وأنهيت التدريبات العسكرية وكنا على موعد قريب لزيارة تاريخية للبابا فاتيكان فى شهر فبراير من العام 2000 فتم اختيارنا مجموعة من العساكر لأخذ دورة مكثفة لحماية وتأمين الشخصيات وكانت لنا مشاركة فى تأمين زيارة البابا فاتيكان لمدينه بيت لحم عندما خرج معظم أبناء الشعب الفلسطيني على جانبي الطرقات للترحيب بتلك الزيارة التاريخية للبابا فاتيكان وبصحبته الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ويمكنكم مشاهدتى بلباس الشرطة آنذاك بالبدلة العسكرية باللون الكحلي وأنا أركض بجانب سيارة البابا فاتيكان الزجاجية وهو يسير بالطريق ويلقى بالتحية على الناس تم وصل إلى المدرسة فى مدينه بيت لحم وألقى خطابه الشهير عن المحبة والسلام
وبقيت فى الخليل بالمقاطعة عدة أشهر وفى أحد الزيارات إلى قطاع غزة بدأت الإنتفاضة الثانيه وأغلقت المعابر وخاصة معبر بيت حانون " معبر إيرز"وهكذا انتقل عملي ودراستي الجامعية إلى قطاع غزة فى جامعة القدس المفتوحة فرع خانيونس
كانت الصدمة بالإصابة بمرض السرطان الخبيث وكنت فى آخر سنه دراسية والراتب لا يكفى للحياة ومتطلباتها ورسوم الجامعة ونفقات السفر والعلاج مكلفة جدا رغم أن وزارة الصحة الفلسطينية بموجب تحويله طبيه تتكفل بالجزء الأكبر من العلاج ورغم ذلك النفقات الأخرى باهضة الثمن وتكاليفها كثيرة مما دفعني للبحث عن المساعدة فى كل مكان حول العالم.
واستجابت لطلبي سيدة عظيمة تعيش فى فرنسا من أصل مغربي وقالت يا بني تكاليف العلاج فى فرنسا باهضة الثمن وإنما ربما فى بلد عربي يكون أقل ، فقلت لها نعم فى مصر لن تكون التكاليف عالية ووزارة الصحة الفلسطينية تتحمل الجزء الأكبر من العلاج ويبقى تكاليف السفر والإقامة والمصروفات الأخرى وجزء من الفحوصات الطبية والتحاليل ووقفت بجانبي تلك السيدة العظيمة ومنحتني الحياة بعد الله عز وجل ولقد أصبحت بمثابه أمي هى أجمل وأعظم ماما أمينه العلمي بهذا العالم ومهما فعلت أبقى مدين لها بحياتي .
ولقد كتبت لها مقالة بعنوان " أجمل ورود العالم "
من قال أن أجمل الورود هى ورود القرنفل والياسمين أو ورود الجوري أو ورود الزنبق ؟فالحياة كلها ورود ولكن أجمل ورودها هى أنت يا أمي ،أنت وردة لك خصائص لا تجتمع فى كل ورود العالم ويعجز عن وصفها كل الشعراء
ويعجز عن تحليلها كل العلماء من علماء الفيزياء والكيمياء ويعجز عن شرائك كل الملوك والرؤساء والأمراء لأنك وردة هديه من رب السماء فجعلك ورده المحبة والعطف والحنان .
أنت ورده العطاء بلا حدود ،ناعمة القول جميله الإحساس ،تزدادين عطاء وتزدهرين علينا بالثناء لأنك الأم .
أنت ورده ينبعث منها الدفء ،عظمك من جل فى علاه واختار لكي صفة الرحم وأشتق ذلك من الرحمن وأقسم بأن يوصل من وصلك ويقطع من قطعك والرب لا يقسم إلا لشيء عظيم ،أنت ورده كرمك الإسلام وأنجبت العظماء .
يا ورود العالم، محال أن أجد فيك رائحه أجمل من رائحه أمي، ويا ورود العالم، محال أن أجد فيك ما تمنحني إياه نظرات أمي من عطاء، يا ورود العالم بكل صفاتك وبجمال ألوانك ونعومه أزهارك فإن أمي ورده قلبها نابض بالمحبة والخوف والشوق والعطاء ليبقى مستمر للأبناء حتى عندما نكبر .
فيا من لديك أم إياك وأن تغضبها أو تجرح تلك الورده العظيمه التى لا مثيل لها فتذكر كم هى عانت وسهرت وتألمت وأعطت وقدمت وضحت ومازالت تعطى وتقدم فنحن نرزق ببركة دعوات أمهاتنا أكثر مما نريد فحتى جبابره البشر كانوا يرحمون بسبب أمهاتهم ففرعون أخر الله عذابه فى الدنيا ولم يوقع به من العذاب والغرق، وأخر ذلك لأن فرعون كان له أم بار بها فيا الله ما أعظمك جعلت لأمهاتنا مكانه عظيمه وكثير منا يجهل معنى ذلك وجعلت الجنه تحت أقدام الأمهات ورسولنا الكريم كم كان عظيماً فى أن يوصينا بأمهاتنا مراراً وتكراراً، وكم كان رحيماً عندما يقول أوصيكم بالنساء خيراً وحين يقول رفقا بالقوارير .
فيا من تظلم وتتجبر على تلك النساء التى هى أمك وأختك وزوجتك وأبنتك عليك أن تعلم أن هذا الظلم والتجبر لا يزيدك إلا غباء وحقارة ولا يزيدك إلا مزيداً من العقاب والعذاب لأن الله عظمها وكرمها ورفع من شأنها فمن أنت لتفعل ما تفعل من ظلم وتجبر وتسلط على حقوقها ،تلك هى رسالتى لى ولكم بأن نحافظ على ما نملك من ورود وخصوصا أجمل ورود العالم هى الأم التى مهما كبرنا نبقى فى نظرها ما زلنا صغاراً وتعطينا كل ما لديها من المحبه والحنان وكأنها ولدتنا يوم أمس فيا رب أطل فى أعمار أمهاتنا وبارك اللهم فى صحة أمهاتنا وأجعلها دوما ورود مزدهره فى حياتنا وأرحم من رحلت من أمهاتنا.
وهكذا لم يكن أمامي إلا السفر إلى جمهورية مصر العربية لقله الإمكانيات رغم أن وزارة الصحة الفلسطينية تتحمل نفقات جزء كبير من العلاج إلا أن الأمر مكلف جدا تكاليف السفر والإقامة والمصروفات وكثير من الفحوصات يجريها المريض كلها على نفقته الخاصة
ومن أجل البدء فى العلاج وإجراء المسح الذري كان يجب أن أوقف هرمون الإلثروكسين قبل الموعد بشهر ومن أجل التقليل من نفقات السفر والإقامة والمصروفات كنت أوقف ذلك الهرمون فى قطاع غزة قبل موعد السفر بشهر ولكن للأسف الحدود بين قطاع غزة بفلسطين وجمهورية مصر العربية ما يعرف بمعبر رفح البرى ، غير منتظمة
وبسبب فرض قيود من خلال الإحتلال الإسرائيلي وأغلب أوقات السنه تكون مغلقة الحدود وتفتح بشكل مفاجيء لأيام قليلة أو لساعات خلال بعض الأيام وأعداد الراغبين بالسفر أعداد كبيرة جداً والعدد المسموح إدخاله من المعبر عندما يفتح لا يتجاوز المئات وفى أحسن الأحوال يسمح إلى ألف مسافر بالعبور من ذلك المعبر وهكذا تتراكم أعداد المسافرين وكثير من الأوقات يغلق لمدة أشهر ولا يسمح لأحد بالعبور .
يموت آلاف المرضى وهم ينتظرون السماح لهم بعبور تلك الحدود من خلال معبر رفح البرى للذهاب فى رحله من أجل العلاج ويمكن وصفه بمعبر الموت .
لقد عانيت كثيراً فى كل رحله علاج وكان يجب أن أخضع للعلاج كل سته أشهر وللأسف بسبب معاناة السفر كنت أتأخر عن مواعيد العلاج وذلك كان يفاقم الوضع الصحى وكنت أجرى المسح الذري على الجسم بالكامل وأخضع للعلاج باليود المشع وأبقى فى غرفه العزل مده ثلاثه أيام ممنوع دخول أحد عندى وممنوع الخروج من الغرفه كانت أول تجربة لى مع هذا النوع من العلاج كانت تجربة مخيفة الوقت بطيء جداً ولا يمضى كأنها ثلاثه أشهر وليست ثلاثه أيام ، وبعدها تعود للمنزل وتبقى فى فترة عزل حتى لا تتعرض للنساء الحوامل والأطفال حتى لا تتسبب لهم بتشويه الأجنة أو يكون لى تأثير على نمو الأطفال وأبقى داخل المنزل ثلاثه أسابيع أخرج للضروره مع عدم الإقتراب من النساء والأطفال حفاظاً عليهم .
وفي العام 2008 كان لى موعد علاج باليود المشع وللأسف أستمر إغلاق المعبر مدة سنه تقريباً وكان الحصار على قطاع غزة بفلسطين خانق جداً وفى عزلة تامة عن العالم ولا يوجد أبسط مقومات الحياه وكل شيء مفقود وغير متوفر من الأشياء الضرورية وتوقفت السيارات عن الحركة التامة بما فيها سيارات الإسعاف وسيارات الدفاع المدنى وغيرها، وتوقفت المصانع والشركات عن الإنتاج لعدم توفر الكهرباء وأصبحت غزة غارقة فى الظلام وعشرات الأزمات الخانقة وتكدست القمامة بالطرقات ومات آلاف المرضى وخاصة مرضى غسيل الكلى والأطفال الخدج حذيثي الولاده ومرضي السرطان الخبيث وأصبحت الأسواق فارغة تماماً من أى شيء حتى علبة حليب للأطفال لا تجدها، لا شيء لدينا وكان هناك بقايا زيوت الطعام لدى المطاعم والتى أصبح لا فائدة من وجودها تم استخدامها بديلاً لوقود سيارات المرسيدس وأصبحت تنقل المرضى للمستشفيات، وغيرها من الأزمات الخانقة فما كان من الناس إلا كسر الجدار الفاصل بين الحدود المصرية والفلسطينية فى عهد الرئيس المصرى حسني مبارك .
كنت أنا واحداً من آلاف الناس الذين يبحثون عن جرعة علاج باليود المشع لإنقاذ حياتي من خطر السرطان الخبيث .
دخلنا آلاف البشر من ثغرات الحدود التى كسرت بإرادة الشعب الفلسطيني للهرب من الموت، ووصلنا إلى العريش وللأسف لا أحد يستقبلك للإقامة لديهم من فنادق أو منتجعات سياحيه وغيرها
واضطر آلاف الناس من النساء والأطفال والرجال الجلوس امام ميناء العريش وكان هناك رجال الأمن يقوموا بتسجيل أسماء الناس ووجهتهم هل داخل مصر أو خارج مصر، فقط يسجل الإسم ورقم جواز السفر فى الكشوفات ويأخذ منهم جواز السفر رغم أن الناس وجهتها متعدده فمنهم من يريد الوصول للقاهره والإسكندرية ومنهم من يرغب بالسفر إلى الدول العربية وآخرين إلى أوروبا وغيرها .
لقد استغربت الأمر ولم أسلم جواز السفر ولم أسجل إسمى وبقيت مع الناس فى الشارع والطقس شديد البرودة كنا فى شهر يناير 2009 وكانت النساء والأطفال تنام داخل المسجد ونحن ننام على الرصيف كان بصحبتى صديقى سامي الأشعل الذى كان يريد السفر إلى عائلتة فى الرياض بالمملكة العربية السعودية وهكذا بقينا مدة اسبوعين على أمل السماح لنا بالذهاب لتلقى العلاج والأعداد فى كل ساعة تزداد والناس فى المكان أصبح عددهم بالألاف
وبعد أسبوعين طلبوا من الجميع التوجه نحو الميناء البحري وهناك كان مبنى صغير مكون من مجموعة غرف وبجانبهم جدار على شكل حرف L .
تجمعنا هناك بعد وقت الظهيره وكانوا قد أعدوا الكشوفات وختموا جوازات الراغبين بالسفر إلى خارج جمهورية مصر العربية وأخبروهم خلال 72 ساعة عليهم مغادرة مصر .
بقينا قرابه الأربعة آلاف إنسان نريد الوصول إلى القاهره والإسكندرية وغيرها من المدن الأخرى غالبيتهم من المرضى وأنا واحد منهم .
كنا قد أصبحنا بعد منتصف الليل وفجأة أتي للمكان أكثر من 80 عربية أمن مركزى وخلال لحظات أصبحنا محاطين بحواجز من رجال الشرطة من الأمن المركزى ثلاثه حواجز والجميع محاط بالجدار العالى ورجال الأمن المركزى وضابط كبير يحمل مكبر الصوت ويقول سوف نعيدكم إلى غزة وأحضروا جوازات السفر وكل شخص يسمع إسمه يجب أن يركب بالشاحنه .
جواز السفر بحوزتي ولكننى أفكر كيف يمكننى الخروج من المكان، وإذ بإمرأة وزوجها ولديهم طفله بعمر الخامسة عشر سنه يقولوا لذلك الضابط المسئول إحنا ختمنا جوازات السفر وذاهبين إلى مطار القاهره وجلسنا ننتظر أحد اقاربنا وكانت جوازات سفرهم فى أياديهم فصرخ فيهم الضابط قائلا " أنت بتعملى إيه هنا يا مدام، خلصتي أمورك أمشى من هنا " ردت السيدة قالت حاضر يا بيه وكنت بجانبهم حملت جواز السفر فى يدى وحملت حقيبتي الصغيره ومشيت برفقتهم وهكذا خرجت من المكان
وبعد أن ابتعدت قليلاً أوقفت تاكسى أجره وطلبت من السائق الذهاب بي فى ذلك الإتجاه كنت أريد الإبتعاد من المكان فحسب، حتى وصلت أحد المساجد وطلبت من السائق التوقف ودفعت الأجرة ونزلت ودخلت للمسجد صليت وغفوت قليلاً حتى طلوع الشمس تم قررت الذهاب إلى موقف العريش للسيارات ، وهناك جلست أناظر السائقين لأختار من يمكنه المساعدة بالوصول لمدينه الشيخ زايد فى مصر حيث يسكن اصدقائي .
أوقفت السائق الأول فحين علم أننى فلسطيني خاف كثيراً وقال لا يمكن فعل ذلك خوفاً من السجن والغرامات وأتى سائق آخر صديق للسائق الذى أتحدث إليه فقال أنا اوصلك لمدينه الشيخ زايد وأتفقنا على الأجرة وعرفنى بنفسه إسمه أحمد لا أريد ذكر اسم العائلة حتى لا يعاقب على فعلته وهو من أصل فلسطيني من مدينه خانيونس، أخذنى إلى منزلهم وشربنا الشاي وإتفقنا على الترتيبات وهو أن ألبس حطة على الرأس لونها حمراء مثل التي يلبسها أهل العريش وأن أستأجر دراجة هوائية تم تجهيزها وأننا سوف نذهب بسيارة دفع رباعية بها بعض أقفاص الدجاج الفارغة وكنا فى المساء وقال لى يمكنك النوم عندنا فقلت له شكراً لك وبعدما لاحظت أن المنزل صغير جدا ولديه خال كبير بالعمر وفاقد للذاكرة ينام فى الصالون الذى نحن جالسين فيه لذلك طلبت منه الذهاب إلى مكان وهو محلات السوق المركزى تكون بالمساء مغلقة ويوجد عليها حارس وبالفعل أوصلني إلى هناك وإتفقنا على وقت المغادره بالصباح الساعة الخامسه صباحاً .
جلست تلك الليله بصحبه الحارس وهو رجل مسكين بسيط وعرفته بنفسي وأخبرني أنه من أصل فلسطيني ويعيش هنا فى العريش وأن له أقارب فى مدينه دير البلح التى أعيش فيها أخبرني عنهم فعرفتهم .
فى الصباح الباكر أتصل السائق ومعه الكوفيه الحمراء والدراجة الهوائية وبدأت رحلتنا الشاقة وقبل كل حاجز بمسافة 500 متر ينزلني على جانب الطريق ويخبرني من أين أدخل من الطريق وأين ألتقى به وهكذا تم تجاوز أكثر من عشرة حواجز ولم يوقفني أحد ولم يسألني أحد لأنه لا يخطر على بال رجال الأمن أنني فلسطيني من لباس الحطة الحمراء التى يلبسها أهل العريش وأسير على دراجه هوائيه ، كان الحاجز الأصعب وهو حاجز القنطرة "المعدية" على قناه السويس من الضفة للضفة الأخرى حين وصلت الرصيف أخطأت فى بوابه الخروج ودخلت بوابه أخرى بها رصيف ممنوع حتى المواطن المصرى الدخول إليه ومن أمامي من بعيد رجال أمن بأيديهم يقولوا أقترب ومن خلفي حارس البوابة الذي لم يكن موجود لحظة الدخول من البوابة بالصافرة يناديني فأتصلت بالسائق فقال لي أنت دخلت طريق غلط تصرف بما هو مناسب .
فما كان مني إلا أن عدت للخلف وإذ بالشرطي يصرخ فى وجهي ويقول لي رايح فين ؟
فقلت له باللهجه المصريه "معلش يا باشا أخويا عامل حادثة سير ودماغي قلبت" فصرخ بي قائلا : يللا أمشي من هنا، وهكذا خرجت من الحاجز الأخير وبعد قناة السويس ووجدت عالم آخر ووصلت إلى مدينه الشيخ زايد عند أصدقائي وكنت منهك متعب جداً ونمت نوم عميق
وبعدها ذهبت إلى السفارة الفلسطينية فى القاهرة من أجل مساعدتي فى الدخول إلى المستشفي وتلقى العلاج وإذ بالموظف يقول لي نأسف لا نستطيع مساعدتك وأنه من يذهب للعلاج يتم الإمساك به وترحيله إلى قطاع غزة وهذا ما كان يحدث بالفعل لأن بالمستشفي مكتب للأمن وأى فلسطيني يذهب للعلاج من خلال تحويلة طبيه من وزارة الصحة الفلسطينية يتم تسجيل بياناتهم وتصوير جواز السفر وعليه ختم الدخول ولكن الدخول إلى مصر كان بشكل غير قانوني لذلك أى مريض يذهب للمستشفى يتم ترحيله وهكذا بقيت مدة شهرين داخل مصر وأنا أبحث عن طريقة لختم جواز السفر حيث هناك من فعل ذلك وختم جواز السفر بتاريخ الدخول من الحدود .
بعد شهرين من تواجدي في مصر ومن خلال أحد الأصدقاء اخبرني أن لديه معامله في سفارة دولة فلسطين بالقاهرة
وذهبنا معاً وهناك سأل موظف يعرفه عن إمكانية مساعدتى فى ختم جواز السفر فقال تعالوا معى
وصعدنا للطابق الأول فى مبنى السفاره واتصل بشاب إسمه سامر حضر خلال ساعة وقال لنا من أجل ختم الجواز بتاريخ الدخول قبل شهرين أريد 200 دولار وأخذ جواز السفر و100 دولار واليوم الثاني أدفع ال100 الأخرى وبالفعل حضر فى اليوم التالى وجواز السفر مختوم وهكذا تمكنت من الذهاب إلى المستشفي وتسجيل دخول للمستشفى والبدء فى مراحل العلاج .
وبعدها إستمرت رحله العلاج لسنوات وفى كل مره نفس المعاناة لقد عانيت كثيراً فى كل رحله علاج معاناة لا توصف حتى إتخذت قراراً بالتوقف عن مواصلة العلاج نهائياً، وكانت الأوضاع فى قطاع غزة بفلسطين تزداد سوءاً حروب قاتله مدمره لا كهرباء ولا غذاء ولا دواء والركام فى كل مكان وجثث الموتى تحت الأنقاض والركام في كل مكان وكل أنواع الموت نعيشها من وقت لآخر وظلم وفساد واضطهاد فقررت الهجره إلى أى مكان بحثاً عن ذاتي وحياتي المفقوده .