تاريخ النشر: 2017-09-30 | 20:11
تاريخ النشر: 2017-09-30 | 20:11
لم يكن قطاع غزة مكتظاً بالسكان قبل قرن من الزمان وكان به مساحات من الأراضي الخالية من السكان منها ( الكثبان الرملية) والأحراش الممتدة في أماكن مختلفة منه.
وكان سماء القطاع هادئا لا يعكر صفوه أي شيء ، كان صيفه جميلاً وربيعه اكثر جمالا وخريفه دافئا كما شتاءه وأمطاره تنهمر في موعدها كثيفة احيانا وشحيحة احيانا أخرى وكان يمر به بعض العواصف والرياح التي تأتي من الجهة الغربية والشمالية منه والتي تصطحب معها البرد والغيوم وتتسبب في هيجان البحر.
كان العديد من الاماكن المنخفضة عن مستوى بعض الاراضي فتجد سيول المطر طريقا للاستقرار فيها مشكلة بركا راكدة لا يعكر صفو سكونها الا عبث الاطفال المارين من حولها أثناء ذهابهم لذهاب الى مدارسهم او العودة منها عندما كانوا يتسابقون ويتبارون برمي الحجارة الصغيرة على سطحها لترسم دوائر متلاحقة من الماء ، او يقومون برمي الحجارة بشكل سطحي ليتطايرعلى سطح البرك بشكل جميل يسعدهم.
في الخريف كان سماء القطاع يمتلىء بعشرات الالاف من الطيور المهاجرة التي تعبر فضاء القطاع باشكال ومجموعات مختلفة وباشكال هندسية جميلة يقود كل سرب منها طائر من نفس الفصيل ، ولم تكن تلك المجموعات من الطيور المهاجرة تختلط مع بعضها وانما كل منها يتبع تعليمات قائد السرب.
كانت الانواع متعددة منها (طائر ابو سعد ) والبجع ، والنورس وغيرها من الانواع التي تملأ السماء ، منها صغيرة الحجم (كالفر - السمان) ومختلف انواع العصافير والتي تجد في غزة مكانا هادئا تتكاثر فيه حيث يقوم السكان باصطياد بعضها ، ومنها الكبير الذي يستمر في الطيران الى داخل فلسطين ووشمالها، ومن هذه الطيور طائر البجع الذي ما ان يصل الى القطاع والا تكون رحلة طيرانه الطويلة قد انهكته لا سيما وان حجمه ووزنه كبيران فالكثير منها يترجل لمعاودة مواصلة طيرانه وخاصة بأنها تصبح منخفضة الى مستوى ارتفاع اعمدة واسلاك التيلفونات فتصطدم بها مما يؤدي الى وقوعها على الارض احيانا .
التقيت مع صديقي سليم وقام باصطحابي معه بسيارته وسلكنا طريق الكورنيش واخذنا الحديث الى ذكريات الطفولة وصداقة المدرسة منذ المرحلة الابتدائية وما بعدها، كنا نتحدث بمتعة عن تلك الحقبة الزمنية وذكرياتها الجميلة وتطرقنا اثناء حديثنا الى تلك الطيور المهاجرة وجمالها في السماء وخاصة طائر البجع الذي كان ينخفض الى مستويات قريبة من الارض وحدثني كيف كان قبل اكثر من خمسون عاما يقفز ليمسك باحدى طائر البجع وفي كثير من الاحيان يتمكن من الامساك بقدمها، حدثني بأنه طائر ضخم ولكنه في عنان السماء يبدو حجمه أقل من ربع حجمه الاصلي.
توقف سليم عن الحديث وهو يهز كتفي ويقول تتذكر أيام ما كنا ندرس في مدرسة غزة الجديدة التابعة لوكالة الغوث عندما مر سرب كبير من طائر البجع وكان منخفضا وقام مدير المدرسة باطلاق رصاصات صيد (دمدم) على السرب من بارودة الصيد خاصته فأصاب احداهن وسقطت على الارض وذهبنا مجموعة من الاولاد نتسابق لاحضارها.
قلت له اتذكر وانا كنت احد هؤلاء الاولاد وشاركت من حملها كل واحد يمسك باحدى جناحيهأ ، وعند سيرنا في الشارع تبين بأنهما يزيدان في طولهما عن الخمسة أمتار وأرجلها طويلة ومن ثم احضرناها الى المدرسة ونالت اعجاب الطلبة والمدرسين وادهشتهم ، وكانت الحصة الدراسية في هذا اليوم في جميع الفصول عن الطيور المهاجرة وانواعها وعن البجع ايضا.
اخذنا الحديث ووصلنا الى منطقة دير البلح على الشاطىء وقررنا العودة عبر شارع صلاح الدين حيث مررنا بمدينة دير البلح ومن ثم وصلنا الى شارع صلاح الدين متجيهن الى شمال القطاع للعودة الى غزة، وعند وصولنا مقابل مدخل بلدة ومعسكر المغازي طلبت منه الدخول والتوقف بعد مئتي متر ففعل وطلب مني ان افسر له هذا الطلب الغريب ، قلت له كنا قبل قليل جل حديثنا كان عن الطيور المهاجرة وعن طائر البجع ، قال صحيح، فأشرت له على مساحة من الارض وقلت له هل تعلم شيء عن هذه الارض وما اسمها ؟ قال لا ، ما اسمها؟ قلت له ( بركة الوز) استغرب وقال لي هل من وز في القطاع بحجم هذه البركة بحيث تسمى باسمه ، أفدته بأن تلك المساحة من الارض كانت منخفضة فالكثير من مياه الامطار المتساقطة على المنطقة تصب فيها فتكَوّن بركة مياه كبيرة ولكون المنطقة هادئة ومحاطة بالاشجار فكانت تشكل مكانا آمنا لطائر البجع للاستراحة ومن ثم مواصلة رحلتها فكان الاطفال يمارسون هوايتهم بمعاكسة الطيور التي كانوا يطلقون عليها اسم (الوز العراقي) الذي يختلف في حجمه وشكله عن البجع.
سألني صديقي لماذا اختفت البركة قلت له بأن السبب هو تكاثر الناس حيث قاموا بشراء قطع من تلك المساحة وبناء مساكن لهم عليها والان لا يوجد اي اثر لها ، الا ان الاسم لا زال معترفا به كحي سكني يحمل ذات الاسم، وعلى فكرة في فصل الصيف كانت البركة تجف من المياه تماما وتصبح أرضا يلعب بها الاطفال والشباب مختلف الالعاب وخاصة كرة القدم ، وقد بدأت البركة في التلاشي أيضا بسبب انخفاض اعداد وانواع الطيور المهاجرة مع تزايد عدد السكان والمباني ولم تعد المنطقة ولا حتى قطاع غزة يشكل مكانا آمنا للطيور المهاجرة وخاصة البجع للمرور عبر اجواء القطاع فانقطعت ولم تعد !!