بمجرد انسحاب اسرائيل وبعد قيام الانتخابات التشريعية، قامت حماس بالسيطرة على القطاع بالقوة العسكرية سعيا منها في فرض ابناءها بأعلى المناصب في كافة المؤسسات العسكرية والمدنية والمعابر والسيطرة عليها ومن ثم تسببت في جلوس اكثر من 60 الف موظف في البيت، وترفض حماس الاعتراف بان ما قامت به انقلاب عسكري وتحاول ان تعطي لنفسها الشرعية وهو ما لم يعترف به العالم وخاصة مصر لذا اغلقت معبر رفح بدون رحمة في وجه الفلسطينيين بشكل دائم. دخل القطاع في حصار مرير وحروب ابادة وحرم ابناءها من ابسط حقوقهم في التنقل والعمل والدراسة بالخارج، لكن ترفض حماس التنازل عن سيطرتها العسكرية للقطاع. وفي النهاية دخلت حماس اتفاق المصالحة من باب المناورة لزيادة مكاسبها والقاء عبأ رواتب موظفيها وموازنات الوزارات التشغيلية وخدمات اعادة الاعمار على الحكومة مع بقاءها مسيطرة على المعابر وكافة المؤسسات بدون تسليم أي شيء على الارض مع منع الموظفين القدامى من العودة، وهذا ما لم تتقبله حكومة الوفاق. من الواضح ان مشروع المصالحة بالنسبة لحماس هو ان يعتمد موظفيها ويأخذوا رواتب منتظمة وان يبقى الحال كما هو عليه تحت حكمهم في غزه ولا عودة للموظفين القدامى للسلطة ويريدون وزراء طراطير لا يستطيعون اعطاء امر لا صغر شرطي لديهم.
لقد تمكنت حماس بسلاح المقاومة من السيطرة على كافة المؤسسات العسكرية والمدنية بالقطاع ، لكنها لم تحسبها جيدا بسبب رغبتها للوصول للسلطة بأقصر الطرق، فتناست انها ستعرض القطاع لحصار مرير مستمر. فلن تستطيع ان تجبر مصر على الاعتراف بشرعيتها وفتح المعبر كما لن تستطيع ان تجبر السلطة الوطنية واسرائيل على توفير كافة الاحتياجات الاخرى للقطاع كالكهرباء وفتح المعابر وغير ذلك. اعتقدت حماس ان معاناة المواطن قد تدفع مصر والسلطة الوطنية واسرائيل لتقديم تسهيلات لها في كافة الجوانب وهذا لم يحدث.
في حين ان خطابات رئيس حركة حماس خالد مشعل بالنسبة لحركة فتح تكون عادة معتدلة ويحمل كلا الطرفين حركته وحركة فتح وزر الانقسام، لكن نجد معظم قادة حماس يشنون حربا لاذعة على الرئيس ابو مازن ويحملونه بشكل مباشر انه من يتسبب في حصار غزة وعدم اعتماد موظفي غزة من قبل الحكومة، في حين العالم كله يشهد كيف عرقلت حماس استلام الوزراء للوزارات ومنعت تسجيل الموظفين القدامى في خطوة مبدأيه لتوحيد الوزارات وقد تعهدوا ان يكونوا على مسافة واحدة من جميع الموظفين كما عرقلت كافة الدعوات للدخول بحكومة وحده وطنيه. كما نرى ان السلطة الفلسطينيه ما زالت تتحمل اعباء قطاع غزة حتى في اوج ازمة الانقسام، من رواتب موظفين وتحويلات مرضيه وكهرباء وادويه واعادة اعمار ورواتب شئون اجتماعيه واسرى وشهداء وغير ذلك، وفي جميع خطابات الرئيس ابو مازن يطالب بفك الحصار عن غزة وتشكيل حكومة وحدة وطنيه وانتخابات تشريعيه ورئاسيه لا نهاء الانقسام، وهو اول من ينتفض اثر اندلاع أي حرب على غزة ويحشد الاموال لا عادة الاعمار، ومن هذا المنطلق فان الرئيس ابو مازن من المحال ان يكون من تسبب في حصار قطاع غزة. كما انه في الفترات التي كانت تتساهل فيها مصر في فتح معبر رفح، لم يكن يعارض ذلك وبقى المعبر مفتوحا. لذا حصار قطاع غزة من قبل اسرائيل ومصر ناجم عن رفض كليهما التعامل مع حماس كبديل شرعي للسلطة الفلسطينية لخشيتهم على امنهم القومي ولا يد للسلطة الفلسطينية فيه.
ما اريد ان اركز عليه في مقالي هذا انه في مقابل حصار قطاع غزة، نلاحظ انه حماس ترد على هذا الحصار بحصار الموظفين القدامى، مع ان الموظفين القدامى هم ابرز الضحايا للانقسام. الموظفون القدامى غالبيتهم لا يوجد لديهم أي انتماء سياسي وقد وجدوا انفسهم اثر انقلاب حماس العسكري المفاجئ والغير متوقع مجبرين على الجلوس في البيت وعدم الذهاب للعمل، فأصبحت اوضاعهم الوظيفية مبهمة في المجهول وهذا امر لم يحدث في أي مكان بالعالم. فقدوا العلاوة الإشرافيه وعلاوة المواصلات وحقهم في الابتعاث والمنح والدورات والترقية والسفر ومواصلة حياتهم العملية بشكل طبيعي، وترفض حماس بالمطلق عودتهم للعمل حتى بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ووضعتهم رهائن للمساومة، فتشترط عودتهم فقط لدى دفع رواتب كافة موظفيها وحسب وجود شواغر لهم وبعد اعادة تأهيلهم، وفي المقابل اصبحت اوضاعهم الوظيفية معرضه للتهديد في ظل الحديث عن الحلول التقشفية لحكومة الوفاق الوطني كالتقاعد المبكر او أي حلول اخرى وقد ربطوا مستقبلهم في وظيفتهم بينما لا يوجد أي افق ليعودوا على راس عملهم .
للأسف لم ترى حماس ان الموظفين القدامى كانوا ابرز ضحايا الانقسام وارتبكت حياتهم بشكل كلي دون ارادتهم نتيجة انقلابها العسكري المفاجئ الذي لم يعطي أي موظف فرصة للتفكير بأي خيارات فتمت مطالبته تحديد انتماءه السياسي بين يوم وليلة. كان عليه ان يحدد في لحظة من هي الجهة الشرعية السلطة الوطنية المتمثلة في فتح او المسيطره عسكريا في القطاع حماس بحجة فوزها بالتشريعي في حين معظم الموظفين بلا انتماء سياسي. من يستطيع الإجابة على هذا اللغز ؟؟ خبراء ومحللون وقضاة وساسة وقادة ورؤساء لم يستطيعوا الاجابة علي السؤال سنوات طوال فهل يجيب عليه الموظف في لحظة ؟؟ من الطبيعي ان يختار الموظف بالفطرة الجهة الشرعية التي تعترف بها العالم وتتولى دفع راتبه ولم تنجر للفتنه فاثرت الانسحاب من الاقتتال حفظا على ارواح الفلسطينيين. كما يجب ان تتذكر حماس ان من بقوا على راس عملهم في بعض الوزارات كالصحة والتعليم وسلطة الطاقة والشئون المدنية بقوا لأنه سمح لهم بالبقاء في العمل من السلطة الوطنيه ولم يجبروا على الجلوس في البيت.
نجد حماس قد انحرفت بوصلتها لاستهداف الموظفين القدامى وتتعمد سن القوانين للتعامل معهم كمواطنين درجة دنيا ونسبة كبيره منهم مواطنون اصليون في البلد. تحرمهم ابسط الحقوق فقط لانهم كانوا ضحايا الانقلاب واضطروا للالتزام بالقرار السياسي المفاجيء من السلطة الفلسطينية بعدم التوجه للعمل رفضا للانقلاب. سأتعرض هنا بعض ممارسات حماس ضد الموظفين القدامى:
• هناك قرار سياسي من وزارة التربيه والتعليم العالي بغزة لمنع أي موظف قديم من التدريس في الجامعات والكليات الحكومية ولو بنظام الساعة، وطبعا هذا قرار جائر ولم يحدث في أي مكان في العالم. حتى المفصول من العمل او خريج المعتقلات لا يمكن منعه من التدريس بالجامعة. بالمثل صدر قرارات بعدم الاستعانة بالموظف القديم ولو بعقود عمل مؤقته بشكل جزأي في أي مؤسسة حكومية.
• هناك قرار سياسي ان لا يعود أي موظف قديم لعمله حتى في ظل حكومة الوفاق ويضعون شروط تعجيزيه لعودتهم ان يتم دفع رواتب كافة موظفيهم ووجود شواغر لهم بالهيكلية واعادة تأهيلهم . تتحجج حماس سبب رفضها عودتهم انها دعتهم للعودة ولم يعودوا، وهذا ادعاء غير صحيح، فالعديد من الموظفين القدامى راجعوا وزاراتهم بالعودة اثر قيام حكومة الوفاق او حتى قبل ذلك ولم يسمح لهم وكأن وزاراتهم التي تديرها حماس ترغب في التخلص منهم.
• لو تقدم أي شخص ببلاغ على أي موظف قديم على اثر خلاف بسيط او حتى خلفية كتابة مقال ينتقد مسئول او الوضع السياسي، يستدعى الموظف ويتم التعامل معه بطريقة خاصة فلا يسمح له ان يدافع عن نفسه او ان يخلص نفسه بل يتم تضخيم التهمه الموجهه اليه خلال التحقيق فيبدو الموظف وكانه ارتكب جريمة قتل او سرقة
• عندما يسافر الموظف القديم يجد دائما من يسائله ويحقق معه عن سبب جلوسه في البيت.
• ايضا اصدرت حماس قرارات لمنع الموظفين القدامى بالعمل في المؤسسات الأهلية.
• من المؤكد ان هناك قرارات اخرى ضد الموظفين القدامى لعرقلة أي اجراءات حكومية وليس لدي معرفه بها.
• تحاول العديد من المؤسسات الحكومية او التابعة لحماس جر رجل الموظف القديم للعمل التطوعي لديهم على امل اعطاءه عقد عمل مستقبلا اذا اعجبهم لاستغلاله والتقليل من قدره وفي نفس الوقت اهانته انه موظف غير رسمي لديهم
• راينا كيف توأد أي ثورة احتجاجيه على لازمات المأساوية بالبلد نتيجة الحصار اذا لم تنظمها حماس كأزمة الكهرباء و او ازمة اغلاق معبر رفح او أي مهرجانات لحركة فتح، فتعتبر ثوره تم تنظيمها من الطابور الخامس ويتم اخذ التعهدات من المواطنين ان لا يقوموا باي ثوره احتجاجية اخرى. الثورات المسموح بها هي التي تخدم مصالح حماس فقط كثورة الموظفين الحكوميين وموظفي الأونروا على امنهم الوظيفي ومنع عودة الموظفين القدامى والثورة على قرارات مصر ان حماس ارهابيه والثورات المطالبة بتسريع اعادة الاعمار.
باعتقادي انه لو كان باستطاعة حماس تجريد الموظفين القدامى من رواتبهم وكافة ممتلكاتهم وحتى طردهم من البلد لما وفرت ذلك من الحقد الذي اراه منها. تطالب حماس الشعب الفلسطيني بالولاء لها بالمطلق متسلحة بشعاراتها في حين انها تتعامل معه بعنصرية وقد صنفت الناس لطبقات: الطبقة الاولى لمن ينتمون اليها، والطبقة ثانيه لمن ينتمون للفصائل الإسلامية الاخرى كالجهاد، والطبقة الثالثة لمن ينتمون للفصائل المعتدلة الاخرى كالجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وجبهة النضال الشعبي والطبقة الدنيا تخص من ينتمون لفتح وجميع الموظفين القدامى.
من هنا نجد انه تتعامل حماس مع الموظفين القدامى وكأنهم مواطنين درجه دنيا او حتى اجانب فتسلبهم ابسط الحقوق. ادعو حماس ان تتقي الله في الموظفين القدامى وان تتعامل معهم كباقي الشعب فتشطب القرارات التي سنتها ضدهم. نسبه كبيره من الموظفين القدامى هم مواطنون اصليون بالقطاع ومستقلون وليسوا لاجئين او ذو انتماء سياسي لأي جهة، لذا مهما تعنتت وسنت القوانين ضدهم لهضم ابسط حقوقهم او حتى اعتقلت من تشاء منهم لن تستطيع ان تطردهم وتمحي انتمائهم الوطني لغزة كما لن تستطيع ان تحزبهم كما تشاء، وسيبقون هم الاصل واللاجئ يبقى لاجئ والمحتل يبقى محتل ومن جاء الحكم بالقوة العسكرية سيبقى الى حين.