تاريخ النشر: 2026-08-23 | 17:47
تاريخ النشر: 2026-08-23 | 17:47
الانتخابات في الأنظمة والتجارب الديمقراطية العالمية تعتبر طريقة وفرصة صحيّة للتغيير، تطمح من خلالها القواعد الانتخابية إلى الحصول على الخدمات باختلافها وتنوعها، دون اهتمام يُذكر بالسياسة الخارجية وأنماطها التي ينتهجها المرشحون الذين سيمثلون إدارة الحكومة أو الدولة. لكننا في أراضي السلطة الفلسطينية، لاسيما في قطاع غزة، في طريقنا نحو الخروج عن القواعد والأسس المألوفة للتجارب الديمقراطية العالمية. فالانتخابات الفلسطينية المقبلة إن سارت كما هو مخطط لها، لن تكون مجرد محطة ديمقراطية عاديّة على شاكلة تلك المجتمعات، بل ستُخالف العُرف الديمقراطي لتصبح بمثابة يوم للمحاكمة العلنيّة الشعبية وليست مجرد فرصة لتداول السلطة المعتاد، ليأخذ كل ذي حق حقه وإن كان معنوياً من كل أولئك الذين أقصَوا المواطن الفلسطيني، وهضموا حقوقه، وتخلّوا عنه في السلم والحرب، ولتقديم الشكر والامتنان لكل من وقف بجانبه وكان له موقف وطني وإنساني في أحلك الظروف. ولخصوصية الوضع في غزة، لا يمكن إنكار وجود أهمية بالغة لدى المواطنين للاطلاع على الرؤية السياسية للمرشحين وهويتهم والذين سيعتلون هرم السلطة والقرار، وطبيعة علاقتهم بالمحيط العربي والإقليمي والدولي بما في ذلك إسرائيل لما لهذه السياسة والتوجهات من أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني. ورغم ذلك، فهناك رغبة موازية لدى الجمهور الغزّي بأن تُفرز الانتخابات شخصيات كفؤة، تمتلك انتماءً والتزاماً حقيقياً تجاه قضاياهم، وقادرة على إخراجهم من مأزق الحرب وتبعاتها، لا سيما في الجوانب الخدمية والإغاثية، وإعادة إعمار المدن المدمرة، وترميم القطاعات الصناعية والتعليمية والاقتصادية. لذلك، وبعيداً عن رغبة المجتمع الدولي المعلنة في غياب حركة حماس عن المشهد السياسي، بدأت الحركة تشعر بالخطر المصاحب للعملية الانتخابية نتيجة لتآكل حصتها من الحاضنة الشعبية التي تغنّت بها طيلة السنوات لفظاً لا واقعاً، فهذه الحاضنة باتت تمتلك قرار الفصل في تقرير مصير الحركة والحكم على بقائها أو غيابها عن المشهد. هذا الشعور بالخطر ساهم في إعلان حركة حماس بشكل أحادي الجانب خلال الأيام الماضية عن نيتها خوض الانتخابات المقبلة عبر ائتلاف وطني لم تُفصح عن هويته حتى اللحظة. فهي بحاجة أكثر من أي وقت مضى للدخول في تحالف تذوب فيه أخطاؤها، وتحصل عبره على مظلة تغطي سَوْءاتها وإخفاقاتها التي لازمتها طوال فترة حكمها وتجربتها في إدارة تفاصيل الحرب، متجنبة بذلك مقصلة الحساب الشعبي المنتظرة. وفي ظل العلاقة المتوترة منذ أحداث الانقلاب أو "الحسم" سمه ما شئت عام 2007 بين حركتي حماس وفتح (ممثلة بالسلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس أبو مازن)، وتلاشي القاعدة التنظيمية لليسار الفلسطيني واقتصارها على بعض القيادات، إلى جانب نأي حركة الجهاد الإسلامي بنفسها عن الانتخابات الحكومية وضعف الانسجام بينها وبين حماس، جاءت هذه المعطيات لتُقلص حجم الخيارات المتاحة أمام حركة حماس، ويبدو بديهياً أن تجد ضالتها في خيار "التيار الإصلاحي" بقيادة محمد دحلان ليكون عنواناً لهذا الائتلاف، نظراً لما يحظى به من قاعدة شعبية عريضة ومؤيدين يراهم الكثيرون طوق نجاة. بالطبع، مثل هذا الخيار الاستراتيجي له مميزاته وعيوبه على مختلف المستويات: أولاً: على مستوى حركة حماس الناظر في تجربة حكم حماس يجد أنها كانت تميل دوماً إلى التفرد والبحث عن المصالح الحزبية الضيقة دون شراكة حقيقية، وما لقاءات المصالحة الماراثونية سوى فترات لكسب الوقت. والتغيير السطحي الحالي في قرارها لا يخرج عن هذا الإطار، فهي تبحث عن درع واقٍ تختبئ خلفه هرباً من المحاسبة الشعبية عن فترة الحكم وقرار الحرب الخاطئ. ثانياً: على مستوى التيار الإصلاحي بقيادة محمد دحلان لقد كان التيار حاضراً عندما غاب الآخرون، وبرز كفاعل رئيسي سد الفراغ وقدم الدعم والإسناد لأهالي غزة قبل الحرب وفي أثنائها، مما شّكل له رصيداً شعبياً متزايداً جعله محط أنظار الأطراف الأخرى، ولا سيما حماس. في المقابل، تتمثل المنفعة المحتملة للتيار من هذا الائتلاف في احتمالية حصوله على أصوات القاعدة التنظيمية لحماس (طمعاً في نجاتها أو نكاوة في القيادة الحالية للسلطة)، لكن في المقابل، تكمن الكلفة السلبية الكبرى في نظرة الشارع الفلسطيني لهذا التحالف على أنه "تستر على إخفاقات حماس وتبييض لصفحتها"، مما قد يُعرض التيار لعقاب شعبي جماعي على قاعدة "الحسنة تخص والسيئة تعم". أما في حالة اختيار القائد دحلان وتياره خوض الانتخابات منفرداً معتمداً على رصيده الميداني والدور البارز الذي لعبه مؤخراً، فسيُعفيه ذلك من كلفة التستر على حماس ويحافظ على نقاء رصيده الشعبي، إلا أنه سيُحرم من أصوات قاعدة حماس التنظيمية وسيكون عرضة لضغوط انتخابية فريدة. النصيحة الاستراتيجية (الخيار الثالث) في ضوء هذه المعطيات، تبرز نصيحة استراتيجية قائمة على تحليل التكلفة والعائد (Cost-Benefit Analysis): - بمعنى أن انفراد التيار في الانتخابات ربما يحمي سمعته التنظيمية ولكنه سبفقد الكتلة الإضافية من المصوتين التي يوفرها الإئتلاف. - تحالف التيار مع حماس قد يمنح أصواتاً إضافية لكنه يحمل مخاطر السقوط المشترك نتيجة غضب وحنق الشارع على حماس. لذلك، يبرز هنا خيار ثالث بالغ الأهمية والصعوبة في ذات الوقت، يتمثل في التفكير الجاد في إعادة اللحمة لتنظيم حركة فتح بشقيها (التيار الإصلاحي وقيادة السلطة). هذا الخيار إن أمكن أو نجحت عملية تذليل عقباته يعتبر الأقل كلفة استراتيجياً، إذ يتحلل من خلاله التيار من الالتزامات والتبعات التي يفرضها الائتلاف مع حماس، ويُعيد لُحمة البيت الفتحاوي على قاعدة المصلحة الوطنية الجامعة، والأهم أنه ربما ينسجم تماماً مع الرغبة الشعبية العارمة في التغيير ووحدة الصف المنتظرة منذ سنوات.