تاريخ النشر: 2016-07-17 | 23:26
تاريخ النشر: 2016-07-17 | 23:26
إن الأحداث الاخيرة والتي شهدتها تركيا بتحرك فصيل من المؤسسة العسكرية التركية بمحاولة السيطرة على السلطة ، -بغض النظر عن فشل هذا التحرك- قد أعاد إلى الاذهان دور المؤسسة العسكرية وعلاقتها بالحياة السياسية من جديد، على اعتبار أنها أحد المكونات الأساسية لأي نظام سياسي ، وقد أثارت العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية اهتمام الباحثين والمتخصصين ، وقد زاد الاهتمام بالعلاقة بين المؤسستين بعد التدخلات العسكرية المتكررة في الحياة السياسية وزيادة دور المؤسسة العسكرية في صناعة القرار السياسي على مر قيام التاريخ الحديث.
فقد عرَّفَت أغلب الكتابات والدراسات والتي حاولت تسليط الضوء عن العلاقات المدنية العسكرية وتحديد طبيعة تلك العلاقة؛ بأن الدولة هي التي تدير المؤسسة العسكرية باعتبارها جزء من الدولة وليس العكس، حيث طرحت تلك الكتابات العديد من الإشكاليات حول طبيعة هذه الإدارة وما هي القواعد التي تحكم تلك العلاقة، وبالمقابل الحفاظ على أن المؤسسة العسكرية لها كيانها واستقلالها الخاص داخل الدولة ؛ حيث نجدر بالاشارة الى أن هناك العديد من العوامل التي تؤدي لزيادة دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية وزيادة تدخل العسكريين في الحكم وأبرزها المؤسسة العسكرية التركية، تبعاً للخلفية التاريخية لدور هذه المؤسسة العسكرية أو الامتيازات التي خصصت لها.
تاريخياً وكما أشرت سالفا فالمؤسسة العسكرية التركية تمتعت بموقع متميز ودور أساسي في الحياة السياسية فمنذ تأسيس الجمهورية الأتاتوركية في عام 1923 ركز أتاتورك على هذا الموقع وذلك الدور، خاصة في حروب الاستقلال التي سبقت تأسيس الجمهورية. واستمر دور الجيش في الحياة السياسية حيث رأي أحد مهامه بل وواجباته حماية ما أتى به أتاتورك من مبادئ حاكمة باعتبارها جزءا من سمات الدولة التركية، فقد كان من الطبيعي أن تكتسب مؤسستها العسكرية أهمية خاصة، وأن تصبح رقما لا يستهان به فيما بعد الإمبراطورية وفي مرحلة بناء الجمهورية التركية، ومن ثم فللجيش دور في كافة أمور الحياة.
إن الحديث عن ماجرى في تركيا يعيدنا الى الاذهان للحديث من جديد عن تلك العلاقة، حتى وان فشلت ظاهرة تحرك فصيل من الجيش التركي بمحاولة السيطرة على السلطة ليلة 15 - 16 تموز 2016، فقد أعاد الحديث عن الدور السياسي للجيش والعسكريين من جديد، وربما تكون رسالة موجهة لسلطة أردوغان والذي عمل من خلال وصول حزبه( حزب العدالة والتنمية) الى سدة الحكم والسلطة في عام 2002، إلى تقليص سلطة الجيش في السياسة من خلال إجراء تغيرات قانونية ومؤسسية تعمل الى تقليص والحد بشتى الطرق من خلال قوته السياسية بعد نجاحاته الانتخابية في الأعوام 2007 و2011 وحصوله على نسبة 46.7٪ و49.8٪ من الأصوات على التوالي، وهو ما أتاح للحزب مجالًا أكبر لتحدي الجيش وممارسة كامل سلطته في القضايا المحلية والدولية.
وبالتالي ماجرى من احداث على الساحة التركية ليلة 15- 16 تموز تمثل منعطفا تاريخياً في تاريخ تركيا يمكننا أن نستنج منه العديد من النقاط:
• أولاً: إن خروج فرقة او مجموعة من القوات لم يتم الا وفق اليات واضحة ومحددة من قيادة الاركان، وبالتالي فان هذا التحرك لو كان مركزياً بقرار مركزي من قيادة المؤسسة العسكرية التركية لحُسم الأمر خلال أقل من ساعة؛ ولم يحدث أنه تم الاعلان عنه من فشل تلك التحرك.
• ثانياً: لو أن إصرار السيطرة على السلطة من قبل المؤسسة العسكرية التركية حاضر وبقوة، لكانت نتائج هذا التحرك أكثر خطورة وفداحة ودموية لمواجهة الجيش للقاعدة الجماهيرية الواسعة والذي تغنى بها الفرحين بفشل هذا التحرك.
• ثالثاُ: أن تكون الجماهير المؤيدة أو المناصرة لسلطة أردوغان وحزبه أنها جاهزة للنزول للشوارع والميادين لدعم سلطته ، مسألة يصعب تمريرها وتنفيذها بحالة الانقلابات العسكرية صراحة ً؛ لأنه لو كان القرار مركزياً من قبل قيادة المؤسسة العسكرية بنزول الجيش بدباباته وعتاده هو منع تلك الجماهير من التحرك والزمها منازلها وليس عكس ذلك.
• رابعاً: غياب المعارضة التركية ونزولها الى الشوارع والتي ازدادت ضد حكم أردوغان وحزبه وشخصيته، قد غُيبت تماماً عن النزول الى الشوارع لتأييد هذا التحرك!!!!! وبالتالي يُثبت لنا بأن هذا التحرك لم يكن بقرار مركزياً بهدف الاستيلاء على السلطة، ولكن تحريك المياه الراكضة وصقل الأذهان الى الذين تناسوا وحاولوا تحجيم الدور السياسي للمؤسسة العسكرية التركية ودورها في الحياة السياسية.
• خامساً : والأهم ؛ لقد أصابتني الدهشة والذهول عندما استمعت لكلمات الرئيس التركي أردوغان حول مفهوم الارادة الشعبية صراحةً والتي تسلَّح وتغنى بها بأنها منعت هذا التحرك أمام جنازير الدبابات ، وأنها كانت الاقوى على المواجهة وكانت الفيصل والحاسم في هذه المواجهة.
• سادساً: وتعد الأكثر أهمية من كل ماسبق ذكره: آمل من كافة المسرورين من والمبتهجين من نتيجة هذا التحرك وكذلك أردوغان بأنهم باتوا مدركين الفارق بين الانقلابات العسكرية وبين الثورات الشعبية، في مقارنة لما حدث في أنقرة وما حدث من ثورة شعبية في مصر في 30 يونيو 2013 وأن ما جرى في مصر يعتبر – انقلاب - ولا يعتبر من وجهه نظرهم ثورة شعبية وتجسيداً لتلك الارادة الشعبية.
وبالنهاية يجب علينا أن لا نميز بين مفهوم (الارادة الشعبية) كمفهوم ..... سواء كانت بالقاهرة أم أنقرة، حيث تجسدت تلك الارادة الشعبية بنزول عشرات الملايين من جموع الشعب المصري والتي طالبت وأسقطت الرئيس المعزول محمد مرسي وحزبه ، حيث نستذكر بهذا الشأن أستاذنا الكبير الأستاذ "محمد حسنين هيكل" -رحمه الله- حينما قال " بأن خروج المصريين بهذا الشكل هو موجة تاريخية هائلة من البشر، ومن كُتل أمة استيقظت لاسترداد شيء سُرق منها، والحقيقة أن الحشود التي خرجت يوم 30 يونيو وما بعده فاجأني وفاجأ العالم كله بلا جدال، وخروج الشعب في تلك الفترة حقق مطلباً عزيزاً لدى كل المصريين لاستعادة روح هذا البلد وكان موضع إجماع بلا شك) ؛ حينما تحدث في تلك الفترة أردوغان تركيا وحزبه وعبَّر عن تلك الارادة الشعبية المصرية وقال أنها – انقلاب-
وبالتالي إن ماحدث في 30 يونيو 2013 هو تجسيداً لمفهوم الارادة الشعبية الكاملة كمفهوم ومضمون، وأن ماحصل في 30 يونيو 2013 هو ثورة شعبية كاملة جًسَّد هذا المفهوم ، وبالتالي لا يمكن لنا أن نقبل بأن يتم التفريق بين الارادة الشعبية المصرية والارادة الشعبية التركية بغض النظر عن الاختلاف في تركيبة الشعب التركي والمصري طالما نؤمن بمفهوم الإرادة الشعبية..