الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حيفا تكرّم سعيد نفّاع!

حيفا تكرّم سعيد نفّاع!

تاريخ النشر: 2016-12-25 | 12:09

أمسيةً ثقافيّةً احتفاءً بالأديب سعيد نفاع بعد خروجه من السجن، وإشهار إصداراته  "لفظ اللّجام"، "رسالة مؤجلة من عالم آخر"، "سيمائيّة البوعّزيزي" و "وطني يكشف عرْيي" أقامها نادي حيفا الثقافيّ وتحت رعاية المجلس الملي الأرثوذكسي في حيفا، في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، وذلك بتاريخ 22-12-2016 ووسط حضور كبير من الأدباء والأصدقاء والأقرباء، تولّى إدارة الأمسية المحامي حسن عبادي، بعد أن رحب بالحضور المحامي فؤاد نقارة رئيس ومؤسس نادي حيفا الثقافي، وكانت مشاركات لكلّ من: الكاتب مفيد صيداوي، ود. نبيه القاسم، ود. محمد هيبي، والشاعر نزيه حسون  وقصيدته "رسالة إلى أمّي "، والزجال حسام برانسي، وفي نهاية الأمسية شكر لمحتفى به الحضور والمنظمين والمتحدّثين، وتمّ التقاط الصور التذكاريّة!

مداخلة مفيد صيداوي بعنوان الأدب يعيد الحيويّة والروح للإنسان: في هذا اللقاء الأدبيّ الثقافيّ، وفي هذه الأيّام التي نستقبل بها جميعًا عيد الميلاد المجيد، أتقدّم لكم جميعًا بأحرّ التهاني القلبيّة بهذه المناسبة، فهذه هي الثقافة الفلسطينيّة الحقيقيّة التي تربّينا عليها، نحتفل جميعًا من كل الطوائف بأعياد جميع الطوائف، رغم أنّ هناك مَن يقف في زاوية معتمة مظلمة، من عهود ليست عهودنا بل مستوردة، يريد أن يمنع هذه التقاليد العريقة الرائعة في تاريخ وحضارة شعبنا، ولكنّنا نقول من هنا من قاعة الكنيسة الثقافيّة التي تحتضننا جميعًا، بأنّهم سيفشلون فشلًا ذريعًا، لأنّه في هذه الساعة بالذات تحتفل جمعيّة السلام في قاعة مسجد السلام في الناصرة أيضًا بعيد الميلاد المجيد، ونهتف هنا في حيفا وفي الناصرة، "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السّلام وفي الناس المَسرّة"، الناس كلّ الناس.

أمّا بعد أيّها الأخوة، الأدب يصدر عن التجمّع الإنسانيّ، وعن أفراد من هذا التجمّع، ولكنّه في نفس الوقت يصبّ في هذا التجمّع، ويصبّ فيه مؤدّيًا وظيفة ما، وراميًا إلى تحقيقِ هدف وتفاعلٍ مع الحياة ومع القرّاء، الذين قد يختلفون عن بعضهم البعض في المشارب والأذواق والتطلعات، وقد يعجب هذا النصّ الأدبيّ فلان أو علان وقد لا يعجبه، ولكن الأدب يؤثر على كلّ مَن يقرؤه، بمدى فهمه للنصّ وموقعه منه. الأدب كما أراه يعيد الحيويّة للروح وللإنسان، عندما يكشف عيوبًا أو يلقي ضوءًأ على ظلال الحياة الاجتماعيّة الفرديّة، أو العلاقة الجمعيّة العامّة، أو السلوك الفرديّ مع الجماعة أو على النفس البشريّة، فالانسان اجتماعيّ بطبعه، وكلّ تطوّر حدث للبشريّة هو في إطار الجماعة بشتّى تسمياتها، وبنضال وعمل وجهد الأفراد، لذا لا يمكن أن يسرق من يريد دور الأدب أو الأديب من مشاركة الجماعة في همومها وتطلعاتها وآمالها، وتصوير حالتها بشتى الأشكال، والأدب الراقي هو ذلك الأدب الذي يمسك بتلابيب اللغة الصحيحة، والذائقة الفنّيّة الرفيعة، والتجريب الراقي الذي هو في نهاية المطاف يجب أن يصبّ في خدمة المجتمع والإنسانيّة. من هنا كان اهتمام النقاد والشعراء والأدباء في العالم بأدب وشعر حنّا أبو حنّا ومحمود درويش، الذي عبّر ببساطة لغويّة وعُمق فكريّ، ومن خلال التجريب الفنّيّ الراقي عن قضيّة شعبنا وقضايا الإنسان في كل مكان، وينضمّ إلى هذه الكوكبة سميح القاسم، وتوفيق زياد، وسالم جبران وإميل حبيبي نثرًا وغيرهم. وعندما نتحدّث اليوم عن سعيد نفّاع وعن محمد نفّاع، وعن حسين مهنّا، ومحمد علي طه، وفتحي فوراني (في الابداع النّثريّ)، ود. محمد هيبي ود. نبيه القاسم ، ود. بطرس دلة (في النقد الأدبي)، فنحن نتحدّث عن نفس المدرسة الفكريّة بشكل عام دون الدخول في التفاصيل، هذه المدرسة التي قاومت الظلم بالقلم والفعل، فالسجّان الذي سجن سميح القاسم ومحمود درويش وعلي عاشور، هو نفس السجّان الذي لا يريد لنا أن نحلم أو نفكر بأبعد من أن نكون "حطّابين وسقاة ماء". وأنتم خير من يعرف، أنّه بفضل هذا الدرب والسلوك الأدبيّ والإنسانيّ فشل السجّان ونجح أدب المقاومة.

سعيد نفّاع ينتمي إلى هذا التيّار كتابة وفعلا، وهو كما رأيت وقرأت في روايته، يحاول التجريب في زوايا لغويّة  وأسلوبيّة، قد تختلف وقد تتماهى مع مَن قبله، ولكنّه يبقى في نفس الدرب، درب المبدع المقاوم للظلم، المقاوم للخضوع حتى لو كلف الأمر السجن، وهكذا وقف شامخًا أمام سجّانه ولم يهزم، وأظنّ أنّ تجربة السجن ستأتي بإبداع لم نعرفه في أدب سعيد من قبل.  ونحن في هذه الأيّام بالذات شهود عيان على تعدّد النشاط الأدبيّ والثقافيّ في قرانا، ففي الطيرة في المثلث تقام حلقة فكريّة شهريّة، وأحيانًا أسبوعيّة للشعر والثقافة والأدب، وتشهد عارة وعرعرة هذه الأيّام أسبوع الثقافة العربيّة من غناء وموسيقى وحلقات قراءة الشعر وطرعان وغيرها، هذه الظواهر هي ظواهر صحّيّة إذا سارت ونحت الطريق الوطنيّ والإنسانيّ، وهي بالضرورة تساهم في تقليص العنف، خاصّة ضدّ المرأة التي يعتقد البعض أنّها العنصر الأضعف في هذا المجتمع، لكنّها الأمّ والأخت والزوجة والرفيقة والصديقة والأصل والأقوى.

 بقي أن أهنّئ الأديب سعيد نفّاع على إبداعاته السابقة، وإبداعه الذي قامت دار الأماني للنشر والتوزيع بإصداره من منطلق واحد تربّينا عليه، وهو أنّ المحن تحكّ صدق الصديق، فالأماني دار نشر الكادحين لم نأخذ قرشًا واحدًا من مسؤول، ولا من وزيرة لا تحسبنا حتى من الشرقيّين، ونحن أصلُ الشرق، ومن لفح شمسه سمرُ كما قال شاعرنا راشد حسين، التي تتلمظ بالدفاع عنهم، بل كل ما أنجزناه ونعمل لإنجازه هو بالاعتماد عليكم أنتم، وعلى هذا الشعب المعطاء، وما قمنا به هو الواجب في ساعة الواجب، لأهل الواجب، فالشكر لكم جميعًا ولهذا البيت الدافئ والقائمين عليه، وكلّ المباركة للصديق الأديب سعيد نفاع، ونحن مستعدّون للتعاون مع كلّ كاتب وأديب لإنجاز إبداعه، ولا نعده إلّا بالعمل الجادّ المخلص، واقتسام الهمّ المشترك، والقروش بيننا هذا إذا وجدت، وأغتنم هذه الفرصة لأدعو كلّ من لم يشترك بمجلة الإصلاح بعد أو انتهى اشتراكه أن يجدّده لتبقى المجلة، فأنتم الأهل والوطن.

مداخلة د. نبيه القاسم: تتحدّد معظم نصوص سعيد في مجموعاته الستّ التي صدرت حتى اليوم، حول المواضيع الساخنة والقضايا الوطنيّة والمعيشيّة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني في الأراضي المحتلة بشكل خاصّ، وفي لبنان وداخل حدود دولة إسرائيل، كما ونجد اهتماماته القوميّة من خلال طرح قضايا عربيّة، والتركيز على أحداث شغلت الرأي العامّ ولها تأثيرها على ما جرى ويجري في العالم العربيّ، مثل قصة الشاب الجزائريّ محمد البوعْزيزي.

قصص سعيد نفّاع تتميّز بجماليّتها وفنيّتها ولغتها وتناسقها وشخصيّاتها وشموليّتها. فالمدخل للقصص الذي اجتهد فيه أن يعيّش قارئه حالة الفَقْد والضياع والغربة والحرمان والانتظار العَبَثيّ، بإهدائه قصصه للدوريّ المتحدّي الحدودَ والأسلاك والجند في مجموعته الأولى "نكبة الدوري"،  كان الخيط الموصل إلى القصّة الأولى التي أهداها للأطفال النّاجين من بين الأشلاء في كفر قانا، القرية اللبنانيّة التي كان أهلها ضحيّة لجريمة ارتكبها جندُ الاحتلال الإسرائيليّ، وقد بنى سعيد قصّته على شكل لوحات متقابلة: لوحات تُظهر وحشيّة وكذب وجرائم جند الاحتلال ونفاق العالم الحرّ! بإعلامه من إذاعات وصحف مقابل صور إنسانيّة حيّة لصغار من أبناء مخيّم "عين الحلوة" في لبنان، الذين خرجوا ليتصدّوا للطائرات المهاجمة بأناشيدهم "طيّارة حراميّة تحت السيف مرميّة"، فمزّقتهم القنابل ووزّعتهم أشلاء مترامية. ولوحة تظهر الطفلة اللبنانيّة "عودة" التي أصابتها قنابل الغزاة في أحد المسشفيات الإسرائيليّة، وبالمقابل ما تتناقله الصحف والإذاعات من تبجّحات كاذبة خادعة عن إنسانيّة جُند الاحتلال، وكانت النهاية مثيرة وجميلة ومقنعة وذكيّة، عندما تُقَدّم ناديا الممرّضة شظيّة أخرجوها من جسد عودة، فتقرأ نجوى أم الطفلة ما كتب عليها "صنع الولايات المتحدة، تركيب مصانع الأسلحة الإسرائيليّة"، لتكون الشهادة الدامغة على تعاون الدولتيْن وتآمرهما على شعبنا العربيّ أينما كان.

استطاع سعيد نفاع في قصصه أن يعطينا مَشاهدَ من المعاناة التي يعيشها الناس في كلّ من لبنان والأراضي المحتلة وداخل إسرائيل، نتيجة السياسات الاحتلاليّة والتعسّفيّة الظالمة التي تمارسها الحكومات الإسرائيليّة ضدّهم.

لغة وجَماليّة القصص: اللغة التي كُتبت بها القصص عادية قريبة من لغة الناس، حتى مشاهد الوصف القليلة لم تتميّز بلغتها. الحوار بمعظمه كان باللغة المحكيّة، ممّا أضفى الواقعيّة على الأحداث، وجعلها تنبض حرارة وتشدّ القارئ. وجماليّة القصص كانت ببساطتها وسلاسة لغتها، وبُعْدها عن الصّراخ في طرح مشاهد المعاناة والظلم والألم. فنجوى لم تنفجر وتشتم عندما قرأت على الشظيّة التي أُخرجَت من جسَد ابنتها "عودة"، أنّها من صنع الولايات المتّحدة وتركيب مصانع الأسلحة الإسرائيليّة (قصة الشظيّة العائدة). ومثلها عادل لم يضرب السجّان ويشتمه، عندما سَحبَه من حضن أمّه التي زارته في السجن، مُعْتبرا قبلاتها لابنها مخالفة قانونيّة عقابُها الزنزانة الانفرادية. (قصة ثمن القبلة). وصباح ردّت على سجن وترحيل زوجها إلى لبنان، بالكَشف للصحفيّين الذين زاروها في المستشفى عن بطنها المصابة، بسبب ركلة الجنديّ الذي هاجم بيتها واعتقل زوجها. (قصة صباح بعد انحسار الغطاء). والشباب صعدوا إلى سيّارة الشرطة بهدوء، ولم يتمنّعوا أو يعترضوا، لعدم اقترافهم أيّ ذنب (قصة البيت المهجور) ومثلهم تصرّف الراوي، عندما دفعه الشرطي بقوّة إلى داخل السيارة. (قصة الرشاشات المسروقة). هذا الهدوء هو الذي أعطى للنهايات زخمَها وقوّتها وتأثيرها على القارئ.

معظم القصص انسابت بشكل هادئ منذ بدايتها، ويَنْشَدُّ القارئ إلى التفاصيل والحوارات، وتأخذه قُدُرات الشخصيّات الرئيسيّة وحتى الثانويّة، في شفافيّة إنسانيّتها وعدم السّقوط أمام عنجهيّة جند الاحتلال، أو صاحبِ العمل المستغلّ المتعالي، أو أمام المختارِ ومعاونيه من رجال السلطة وأعوانها. نهايات القصص كانت القمّة، والمؤشّر الى إمكانيّات سعيد نفّاع الإبداعيّة. فأنْ تبدأ بالكتابة أو الكلام، كلّ واحد قادر على فعل ذلك، ولكن أن تُنهي ما بدأت به من الكتابة أو الحديث عنه، هنا تكون الصعوبة ويكون الامتحان الصعب. الكثير من أصحاب القدرة على الكلام والخطابة في المناسبات المختلفة يشدّون المستمعين إليهم، لكنّهم سرعان ما يتورّطون ولا يقدرون على انهاء الكلام، فيثيرون مَلل المستمعين وحتى إظهار امتعاضهم وتركهم لمقاعدهم ومغادرة المكان. وهذا صحيح أيضا بالنسبة لكاتب الرواية أو القصة القصيرة أو القصيدة. فقد يأخذنا معه بمتعة، لكنّه سرعان ما يسقط ويفاجئنا بالنهاية السيئة التي أنهى بها روايته أو قصّته أو قصيدته إلخ. سعيد نفاع أخذنا معه في رحلة إبداعيّة جميلة، وتركنا نتعرّف على شخصيات قصصه ونتفاعل معهم ونرافقهم في كل خطوة يخطونها، لكنه تركنا نفاجأ بالنهايات.

مداخلة د. محمد هيبي بعنوان سعيد نفّاع بين القوالب الجاهزة و"الآنية مشرّعة الفوّهة!": أنتهز هذه الفرصة لأتقدّم بالتهنئة لكلّ المحتفلين بعيد الميلاد المجيد، وأقول لنا جميعًا: كلّ عام ونحن نلتقي ونحن بألف خير.

لا حدود لما يُمكن أن يُكتب أو يُقال حول نصّ مهما كان قصيرًا، فما بالك إذا كان النصّ رواية. سعيد نفّاع إنسان عارك الحياة وعركته الحياة، فلا عجب أن يلجأ للكتابة، ليُبقي للأيّام عصارة معركته مع أعداء الحياة، ولينقلها لأجيالنا، كما جاء في "جلبوعياته"، على لسان أحد تلامذته، أنّ النضال يصبّ في صالح الوطن، وأنّ الحلم وإن طال تحقيقه يبشّرُ بقربه، وأنّ الدين أو العِرق أو المذهب أو المعتقد ليس إلّا فردًا، وأنّ الوطن أكبر من أن يكون فردًا. وعلى لسان تلميذ آخر: "علمْتَنا أنّ التضحية مبتدأ أول وحبّ الشعب مبتدأ ثانٍ". طلاب نفّاع من الأسرى الفلسطينيّين في السجن، فهموا شخصيّته التي لا ازدواجيّة فيها، شخصيّته كما رأيناها نحن، فهي تظهر في كتاباته كما تظهر في أفعاله.

سعيد نفّاع لم يتوقّف عند إصدار مجموعاته القصصيّة، بل فاجأنا رغم سجنه، بروايته "وطني يكشف عُريي"، الصادرة عن "دار الأماني" لصاحبها الكاتب مفيد صيداوي الذي أخذ على عاتقه مهمّة إصدارها. وقد حمل الصيداوي الأمانة، وأدّى واجبه تجاه الرواية وتجاه صاحبها، وتجاه الأدب والقارئ. وأنا على ثقة أنّ "نفاع"، عندما بلغه نبأ صدور روايته، تضاعفت قدرته على احتمال ظلم السجّان وقيد السجن وظلامه، رغم معرفتنا الأكيدة أنّه كان كذلك قبل دخوله السجن وقبل صدور الرواية. فهو إنسان وطنيّ عوده مرّ، وكاتب لم ينحنِ للريح وإملاءات السلطة قبل سجنه، ولم ينحنِ في السجن ولن ينحني بعده. كتاباته وتفضيله السجن على الانحناء والتدجين خير شاهد على ذلك.

رواية "وطني يكشف عُريي" هي خطوة إلى الأمام في إبداع سعيد نفّاع، أستطيع أن أقول إنّه اخترق بها خطّ التواضع الفنّيّ الذي لمسناه في مجموعاته القصصيّة. هنا يتعامل نفّاع مع عناصر الرواية الفنّيّة من زمان ومكان وشخصيات وأحداث لا تخلو من ترابط، يسردها راوٍ كلّيّ المعرفة يحمل ملامح الكاتب ومواقفه، ولا أدري لماذا اختار نفّاع أن يُذيّل عنوان روايته بمصطلح "روانصّية"؟ لعلّه بنحت المصطلح قصد أنّها نصّ لا يخضع لقوانين الرواية التي نعرفها، وقد اعترف في المقدّمة أنّه لا يُبالي بالقوالب (الشكل الفنّي) التي أتعبته، وليكسو بعض عُريِه راح يبحث عنها في كؤوس (قوالب) من سبقوه (من روائيّين وغيرهم)، فاستعار كؤوسهم لصبّ بعض فصول روايته. يقول: "ولم يشغله كثيرًا رفض خفر السواحل عندما كان القارب يميل نحو إحداها لاجئًا تعِبًا، مدّ يد العون، مبرّرا ذلك بغياب مفعوليّة جوازيْهما، ولا حتّى لالتقاط أنفاس بعد هول أنواء" (ص44). هذا القول ذكّرني بنهاية رواية "حبّ في زمن الكوليرا" لمركيز. والبعض الذي لم تقبله تلك الكؤوس، صبّه كما قال، "في آنية مشرّعة الفوهة" (ص6)، أي مفتوحة على أن تكون مقبولة أو غير مقبولة. ومن هنا، يبدو لي أنّ نفّاع وإنّ كان يعي أنّ الأدب يسعى إلى الارتقاء بوعي القارئ وتطوير مداركه، ويعي أيضا ضرورة التجريب لما فيه من تجديد وتميّز في النصّ شكلا ومضمونًا، يعترف أنّه ذهب في تجريبه باتّجاهيْن مختلفيْن: الأوّل يعتمد قوالب تجريبيّة سابقة، لا بقصد نسخها، وإنّما للإفادة منها والخروج عليها عند اللزوم. والثاني، الشكل المفتوح، أو ما أسماه هو "الفوهة المشرّعة". ولكن، بغضّ النظر عن هذا وذاك، ذلك لا يستدعي تذييل العنوان بـ "روانصّية"، لأنّ كلّ رواية هي رواية نصّيّة، وهذا التذييل ساهم فقط بتشويش انتباه القارئ. وقد يكون محاولة للتهرّب من النقد، بمعنى إذا عاب النقّاد الرواية، يستطيع الكاتب أن يقول: "هذا نصّ رواية وليس رواية"، حيث يقول: "عزيزي القارئ، الكؤوس إن سألتني عن الاسم الذي اخترته لقلت لك "روانصّية" (ص6). لذلك، أراني لا أجانب الحقيقة فيما ذكرت، لأنّ سعيد نفّاع يعترف بتواضع، أنّ الأشكال والقوالب الفنّيّة مُتعِبة، ولا يُريدنا أن "نؤاخذه" عليها. ولكن، كما أنّ لسان سعيد نفّاع يسطع بالحقيقة، لا يرحم ولا يخشى في الحقّ لومة لائم، وهذا بلا شكّ من مَناقبه، فإنّ النقد البنّاء الجادّ لا يرحم أيضًا، ويجب أن يقول كلمته لكي يصعد سعيد نفّاع في إبداعه القادم درجة أخرى، كالتي صعدها في هذه الرواية التي تُشكّل قفزة نوعيّة في سرده.

"وطني يكشف عُريي" عنوان يَشي بمضمون الرواية وبما سيقْدِم عليه الكاتب من كشف وفضح، وتعرية للمجتمع من خلال تعريته لشخصيّات الرواية، وخاصّة "أنس البكري" و"راشد". الشخصيّات النسائيّة في الرواية، وخاصّة "جوليا" و"نجلاء"، وظّفهما الكاتب كعامل مساعد على التعرية، وكذلك لطرح مشكلة المرأة العربيّة وما تعانيه من ظلم المجتمع الذكوريّ المُتخلّف الذي يراها مُلكًا للرجل، له الحقّ في أن يتعامل معها كما يشاء، دون أدنى اعتبار لإنسانيّتها وحرّيّتها. ومن خلال ذلك، يُدرك القارئ موقف نفّاع الإيجابيّ من المرأة، وضرورة كوْنها شريكًا ورفيقًا للرجل، ولا يصلح المجتمع بدون أن يرقى إلى مثل هذا الموقف فكرًا وممارسة.

بدأ الكاتب روايته بفصل أراه حاملا للسرد، وهو أقرب إلى الميتا قصّ، حيث يعترف فيه أنّ الحكاية التي تتمحور حولها الرواية ولدت مبتورة، لأنّ قصة "راشد" مع "جوليا"، التي هي لبّ الرواية، "عجز (أنس) رغم صراعه المستحيل مع "راشد" أن يُتمّ القصّة، وانتهت القصّة عند هذا الحدّ، على أن يكسو عُريه وراشدًا الذي أراده عرّابا لخيانة الوطن في العمل القادم" (ص8). وفيما يعرضه الكاتب في هذا الفصل، غموض لا يكشفه ما تبقّى من نصّ الرواية. وتنتهي الرواية دون أن يعرف القارئ كيف انتهت قصّة "راشد" و"جوليا" التي استمرّت من بداية الفصل الثاني (ص9) حتى نهاية الفصل الثامن عشر (ص118). بعدها يُفاجئنا الكاتب أنّ للقصّة تتمّة (ص119)، رغم أنّه أبلغنا سابقًا أنّها لن تتم إلّا في عمل قادم. وحين نقرأ هذه التتمّة نجد أنّها جزء لا يتجزّأ من الرواية، حدث في زمنها الموضوعيّ والنفسيّ معًا. هذه التتمّة بعضها يحكي قصّة "أنس" وعلاقته بـ "جوليا"، والصراع الذي أورثته هذه العلاقة 

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط