منذ أمس، تتصدر أخبار الفلسطينيين الذين حاصرهم المستوطنون في بلدة قصرة المشهد الإعلامي، ولفتني حجم التغطية والاهتمام السياسي الذي رافق الحادثة، رغم أن الاعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية ليست جديدة، بل تتكرر بصورة أكثر وحشية، وغالبًا ما تمر كخبر عابر لا يلبث أن يختفي.
في البداية، تساءلت: لماذا هذه الحادثة تحديدًا؟ ولماذا كل هذا الاهتمام؟
ثم بدأت تتكشف تفاصيل تشير إلى وجود عائلة فلسطينية تحمل الجنسية الأميركية بين المحاصرين، وهنا بدا أن المشهد اكتسب بعدًا مختلفًا. تحركت الولايات المتحدة، وخرج سفيرها بتصريحات حادة، وتوالت الإدانات، ووُصفت اعتداءات المستوطنين في بعض التصريحات الإسرائيلية بالإرهاب، إلى أن انتهى الحصار وعاد الأهالي إلى منازلهم.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: هل يحتاج الفلسطيني إلى جنسية أميركية حتى يصبح الاعتداء عليه جريمة تستحق الإدانة والتحرك؟
فلو كان جميع المحاصرين فلسطينيين بلا جنسية أخرى، هل كان المشهد سيحظى بالاهتمام نفسه؟ وهل كانت الإدانات ستأتي بالسرعة والقوة ذاتها؟
هذه الحادثة لا تكشف فقط وحشية المستوطنين، بل تكشف أيضًا ازدواجية المعايير في التعامل مع الضحية الفلسطينية. فالاعتداء على الفلسطيني لا يصبح أكثر فظاعة عندما يحمل أحد أفراد عائلته جوازًا أميركيًا؛ الجريمة هي الجريمة، والضحية هي الضحية.
ولعل ما حدث في قصرة يجب أن يكون رسالة للعالم: ما جرى هناك ليس استثناءً، وإنما صورة من واقع يعيشه الفلسطينيون بصورة متكررة. الفرق أن هذه المرة وصلت القضية إلى دوائر سياسية وإعلامية أوسع بسبب وجود مواطن أميركي بين المتضررين.
إن إنهاء الحصار خطوة مطلوبة، لكن السؤال الأكبر يبقى: ماذا عن آلاف الفلسطينيين الذين يتعرضون للاعتداءات نفسها دون أن يحمل أحدهم جوازًا أجنبيًا؟
لعن الله هذه الازدواجية في المعايير، وهذا الصلف الذي يجعل قيمة الإنسان مرتبطة بجنسيته. وليدرك العالم أن ما جرى في قصرة ليس حادثًا معزولًا، بل دليل جديد على واقع الاحتلال وما ينتجه من عنف وإرهاب بحق الفلسطينيين، سواء كان بينهم أميركي أو لم يكن.