تشير التطورات الأخيرة في جنوب إيران إلى تحوّل خطير في طبيعة المواجهة؛ فالهجمات لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية والرادارية، بل باتت تقترب من الجسور، وخطوط النقل، والموانئ، والمنشآت المرتبطة بالطاقة والتجارة. وهذا الانتقال يعني أن الحرب تدخل مرحلة تستهدف القدرة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، لا مجرد إضعاف قواتها المسلحة.
وتكشف صحيفة آرمان ملي أن واشنطن تتبع سياسة تقوم على إحداث «ألف جرح» في البنية العسكرية والسياسية والاقتصادية لإيران، ضمن مسار استنزافي يهدف إلى تضييق الخيارات أمام طهران وإجبارها على تقديم تنازلات. وبحسب هذا التصور، فإن الضغط لا يعتمد على ضربة حاسمة واحدة، بل على سلسلة متواصلة من الهجمات والعزلة الإقليمية والضغط الاقتصادي والنفسي.
تكمن خطورة استهداف الجنوب في أن هذه المنطقة تمثل الشريان الرئيسي للاقتصاد الإيراني. فالموانئ الواقعة على الخليج العربي وبحر عمان تتولى جزءاً كبيراً من حركة الاستيراد والتصدير، كما تضم المنطقة منشآت النفط والغاز والمصافي وخطوط الإمداد ومراكز النقل البحري والبري. وأي تعطيل طويل لهذه الشبكة سيؤثر مباشرة في توافر السلع الأساسية، وأسعار الغذاء والطاقة، وقدرة المصانع على الاستمرار.
ولا يمكن النظر إلى ضرب الجسور والطرق وخطوط السكك الحديدية باعتباره عملاً عسكرياً محدوداً. فهذه المنشآت تخدم المدنيين والاقتصاد الوطني قبل أن تستخدم في نقل القوات والمعدات. وعندما تتعرض للتدمير، يصبح ملايين المواطنين هم الضحية الفعلية، من خلال نقص السلع، وتعطل فرص العمل، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يقود هذا المسار إلى حلقة إقليمية شديدة الخطورة. فإذا رد النظام الإيراني باستهداف منشآت حيوية في الدول التي تستضيف قواعد أمريكية، مثل محطات الكهرباء أو الموانئ أو منشآت تحلية المياه، فإن الحرب ستتجاوز الحدود الإيرانية لتصيب حياة شعوب المنطقة مباشرة. وهنا يتحول الخليج من ساحة ضغط متبادل إلى منطقة مهددة بانهيار اقتصادي وأمني واسع.
لكن المسؤولية الأساسية عن وصول البلاد إلى هذا المنعطف لا تنفصل عن سياسات النظام نفسه. فقد استخدم الملالي طوال سنوات التدخلات الإقليمية والبرنامج العسكري والتهديد بإغلاق مضيق هرمز باعتبارها أدوات لإثبات القوة وحماية بقائهم. والنتيجة أن أهم المناطق الاقتصادية في إيران أصبحت اليوم مكشوفة أمام الهجمات، بينما لا يمتلك المواطنون أي دور في القرارات التي تضع حياتهم ومستقبلهم تحت الخطر.
كما أن النظام يحاول استغلال استهداف البنية التحتية لتصوير نفسه مدافعاً عن الوطن، لكنه يتجاهل أن سياسته هي التي حولت الموانئ والمنشآت الاقتصادية إلى جزء من ساحة المواجهة. فالسلطة التي تنفق موارد البلاد على الحرب والقمع، ثم تطالب الشعب بتحمل نتائج الدمار، لا تستطيع إخفاء مسؤوليتها وراء خطاب السيادة الوطنية.
وخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا، أكدت مريم رجوي أن الشعب الإيراني يرفض الاختيار الزائف بين الحرب الخارجية واستمرار حكم الملالي. فالحل ليس في تدمير إيران ولا في منح النظام فرصة جديدة تحت عنوان المساومة، بل في تغيير ديمقراطي يحققه الشعب والمقاومة المنظمة، وإقامة جمهورية تعيد توجيه ثروات البلاد نحو الإعمار والتنمية والسلام.
إن استهداف جنوب إيران ينذر بأن المرحلة المقبلة قد تكون أشد تدميراً من المواجهات السابقة. وإذا استمرت الحرب في الانتقال من المنشآت العسكرية إلى شرايين الاقتصاد والحياة، فلن يكون السؤال فقط من يحقق تفوقاً عسكرياً، بل ما الذي سيبقى للشعب الإيراني بعد انتهاء الصراع. ولهذا فإن وقف الحرب وإنهاء مصدرها، أي نظام ولاية الفقيه وسياساته العدوانية، أصبحا قضيتين مترابطتين لا يمكن الفصل بينهما.