اتعجب كثيرا حين اسمع أحدهم يقول: انا لا أتفاءل برؤية فلان او برؤية كذا صباحا، وحين أرى أحدهم يحرص على إتيان فعل بعينه قبل ان يهم بأمر ما فقط لأنه يتفاءل ولأنه إن لم يفعل لكانت النتيجة بالنسبة له حسب توقعه غير محمودة بل قد تكون كارثية. في اعتقادي البسيط ان ذلك تواكل وسلبية ومحاولة اختلاق شماعة للفشل والاخفاق نعول عليها أسباب فشلنا ونسكن بها خواطرنا وربما ضمائرنا.
دعوني أقص عليكم حكاية بسيطة للغاية، كنت وأنا طالبة في المرحلة الجامعية وفي إحدى سنوات الدراسة وأثناء امتحانات نهاية الفصل الدراسي تعودت أن آخذ مقعدا فرديا واجلس به بجوار النافذة بعيدا عن صخب المدرج وزحامه وإثارا للهدوء والتركيز. وكانت نافذتي تطل على حديقة صغيرة كانت فاصلا ما بين كليتي والكلية المجاورة لها والتي كانت كلية العلوم بالمناسبة، المهم أن تلك الحديقة الصغيرة المهملة كانت بها بضع شجيرات عتيقة كنت أنظر لها واتأملها خلال تلك الدقائق القليلة التي تسبق الامتحان والتي كنت أتمتم فيها ببضع آيات وأدعية. وفي يوم ما لمحت غرابا يقف على إحدى الشجيرات بالقرب من مبنى كليتي وضحكت في نفسي وفي ذهني عبارة ساخرة: "غراب على الصبح"!!!
على أية حال، مضى يومي سلسا جميلا وكان امتحاني في غاية اليسر والنجاح ووفقت فيه بصورة مبهجة لي ومرضية جدا والحمد لله. وفي صباح الامتحان التالي وخلال دقائق ما قبل بدء الامتحان حدث ان رأيت صديقي الغراب فابتسمت مبتهجة جدا وكأنه قد جاء يطمئن علىّ والحقيقة أني جدا تفاءلت خيرا به وخلال الأيام التالية وخلال هذا العام بفصليه كنت أبحث عن غرابي الجميل وأفرح لرؤيته وأتساءل: أي أناس هم أولئك الذين يظلمون مخلوقا من مخلوقات الله فيصبغون عليه صبغة الشؤم والفشل ويتطيرون شرا به فقط لشكله او لونه الذي خلقه عليه الله سبحانه؟؟!!
نعم كنت اتفاءل بالغراب وأتيمن به ولكني سرعان ما نسيته في عامي الدراسي التالي ربما لأني كنت أؤدي اختباري في ممرات الكلية حيث الوضع أشبه بتأدية اختبارك في سوق النساء الشعبي. فالممر ما بين ذاهب لمكان وخارج من آخر واثنان او أكثر يتمازحان أو يتجادلان حال مرورهما من على طالبات وضعن قسرا فيما يشبه قارعة الطريق!!. نسيت الغراب نعم ولم اعد أتفاءل او أتشاءم به ولا بغيره.. لكنه ترك فيّ أثرا جميلا وهو أنني عرفت أن لكل مخلوقات الله قدسية ومهابة لعظمة من شكلها وصورها على تلك الصورة والشكل وأنه طالما اعتمد الانسان على نفسه واتخذ من أسباب النجاح والتفوق ما يؤهله إليه فضلا عن إيمانه بالله وثقته فيه فلابد انه ناجح وموفق سواء رافقه غراب او حمامة بيضاء ناصعة كبياض الثلج.
وعليه أقول نحن من نصبغ على الأشياء والأشخاص ما نريد من مشاعر وصفات قد نصيب نعم وقد نخطئ كثيرا أيضا ولكننا في كل الأحوال أدركنا ذلك ام لم ندركه نصبغ الأشياء بأهوائنا وبما نريده لها أن تكون عليه وربما بما نريده لأنفسنا من مبررات او محفزات دون مراعاة لأمرين غاية في الأهمية هما إرادة الله ومشيئته ثم قدسية مخلوقاته وكرامتها على اختلافها من الانسان حتى الحجر الأصم.