ليست أخطر الأزمات السياسية هزيمة الجيوش، بل هزيمة العقل حين يفقد قدرته على مراجعة نفسه. فالفكر، عندما يتحول إلى عقيدة مغلقة، لا يعود أداة لفهم الواقع، بل يصبح قيدًا يحجب رؤيته.
وهنا يتجلى معنى طوطمية الفكر: أن تُختبر الوقائع بالفكرة، لا أن تُختبر الفكرة بالوقائع. وبدلًا من مراجعة النظرية في ضوء الأحداث، يُعاد تأويل الأحداث بما يحفظ النظرية. وهذه من أخطر صور الوعي الزائف.
وقد أوضح كارل بوبر أن قيمة النظرية تكمن في قابليتها للاختبار واحتمال الخطأ. أما النظرية التي ترفض الاختبار وتؤول كل نتيجة لصالحها، فتتحول من معرفة قابلة للنقد إلى عقيدة مغلقة.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة كثير من المواقف التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023. فقد دخلت القضية الفلسطينية مرحلة شديدة التعقيد، ودفعت غزة وشعبها أثمانًا كارثية، وكان يفترض أن تفرض هذه الوقائع مراجعات عميقة في الاستراتيجية وإدارة الصراع وحماية الإنسان الفلسطيني.
غير أن الفكر الأيديولوجي المغلق لا يراجع نفسه، لأنه يعدّ المراجعة هزيمة والنقد خيانة، ويخلط بين الثبات على المبادئ والجمود على الوسائل. لذلك يواصل إنتاج الخطاب ذاته رغم تغير الواقع.
وهذه ليست أزمة تيار بعينه، بل أزمة كل فكر دوغمائي، دينيًا كان أو قوميًّا أو ماركسيًا أو ليبراليًا، متى تحول إلى يقين مطلق. فالأيديولوجيا حين تنفصل عن الواقع تصبح أداة لتبريره لا لفهمه.
ولعل المفارقة أن بعض القوى التي تقدم نفسها بوصفها يسارًا ثوريًا ما تزال أسيرة قوالب فكرية صاغها القرن الماضي، في وقت يشهد العالم تحولات عميقة في الدولة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والعلاقات الدولية. لذلك تراجع حضورها الاجتماعي والسياسي، بينما ظل خطابها مرتفع النبرة.
إن أزمة هذه القوى ليست في شعارات العدالة والحرية، بل في عجزها عن إنتاج قراءة جديدة للواقع، وعن ممارسة النقد الذاتي، وعن الانتقال من ترديد النصوص إلى تحليل الوقائع.
إن ما آلت إليه غزة يفرض سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا: هل تكفي المواقف، أم أن السياسة مطالبة بحماية الإنسان وتحقيق المصلحة الوطنية؟ فالقيمة الحقيقية لأي استراتيجية تُقاس أيضًا بقدرتها على تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب.
إن الأمم لا تنهض باليقين المغلق، بل بالعقل النقدي. والتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تسقط لأنها أخطأت، بل لأنها رفضت الاعتراف بأخطائها.
واليوم، لم تعد القضية الفلسطينية بحاجة إلى مزيد من الخطابات التعبوية بقدر حاجتها إلى ثورة في التفكير السياسي؛ ثورة تعيد الاعتبار للعقل والنقد وحسابات الواقع والمصلحة الوطنية العليا. فالقضية لا تُصان بالشعارات، وإنما بحسن قراءة التاريخ وفهم موازين القوى والتمييز بين الثابت الوطني والمتغير السياسي.
فالعقل الذي لا يترك نافذة يدخل منها الجديد يتحول إلى غرفة مغلقة يختنق فيها صاحبه. أما الفكر الحي، فهو الذي يمتلك شجاعة السؤال وجرأة المراجعة وحكمة الاعتراف بأن الحقيقة أكبر من أي أيديولوجيا، وأن الواقع يظل الحكم الأخير على صحة الأفكار.