تاريخ النشر: 2025-10-11 | 11:37
تاريخ النشر: 2025-10-11 | 11:37
لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نملك ما يكفي لنحيا بكرامة. في مخيمنا، كان السقف فوق رؤوسنا يعني الأمان، وكان الجار سنداً، والشارع ذاكرة، والبيت وطناً مهما ضاقت مساحته. كنا نعيش رغم الحصار، نضحك رغم الألم، ونحلم رغم ضيق الحال. لم نكن نحتاج أكثر من دفء الجدران، وطمأنينة المساء حين يجتمع الأهل على مائدة بسيطة، يحيطها الحب.
لكن كل شيء تغيّر. لم يعد للمخيم شكل الحياة، بل صار وجهاً للخذلان. اقتحمتنا الجرافات، فهدمت البيوت، وشرّدت العائلات، وتركتنا في العراء، نبحث عن ظل، عن جدار، عن ركن نلملم فيه ما تبقى منّا. لم نعد نملك شيئاً سوى ذكرياتنا، ووجعنا الذي لا يهدأ.
صرنا تحت رحمة من لا يرحم، وتحت سلطة من يتاجر بمأساتنا. المساعدات التي كانت تُرسل باسمنا، تُسرق أمام أعيننا. من كان بالأمس يمدّ يده لنا، صار اليوم يمدّها ليأخذ ما تبقى. الأطفال الذين كانوا يركضون في الأزقة صاروا يتسكعون في الشوارع، بلا مدارس، بلا أمل. النساء اللواتي كنّ ينسجن الحياة من لا شيء، صرن ينتظرن طابور الإغاثة، وعيونهن تفيض بالخذلان.
نحن لسنا أرقاماً في تقارير، ولسنا مشاهد عابرة في نشرات الأخبار. نحن بشر، لنا وجوه، وأسماء، وبيوت كانت تحمينا. نحن أبناء المخيم، الذين كانوا يحمون بعضهم البعض، والذين صاروا اليوم مشردين، منسيين، مستغلين.
ومن هنا، من قلب الألم، من بين الركام، من بين قرى وجبال الشتات التي لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، أوجه مناشدتي إلى فخامة رئيس الدولة: أن ينظر إلى مخيماتنا بعين المسؤولية، لا بعين السياسة. أن يسمع صوتنا، لا صوت من يتحدث باسمنا زوراً. أن يتدخل، لا ليُدين فقط، بل ليُعيد بناء ما تهدّم، ويُعيد الاعتبار لما اندثر.
نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط أن نُعامل كبشر، أن يُعاد لنا ما سُلب، أن نعود إلى بيوتنا، إلى مدارسنا، إلى حياتنا التي كانت بسيطة، لكنها كانت كريمة. فهل من مجيب؟