تاريخ النشر: 2025-02-05 | 15:54
تاريخ النشر: 2025-02-05 | 15:54
بين مطرقة الاحتلال وسندان الفساد: فلسطين أسيرة أبنائها قبل أعدائها
تخيّل أن تكون أسيرًا، تقضي ثلاثين عامًا في زنازين العدو، تعتاد ظلام السجن حتى يصبح جزءًا منك، تحفظ وجوه السجانين أكثر من وجوه أطفالك، تقتات على الأمل، وتصنع من جدران الزنزانة درعًا لصبرك. ثم يأتي اليوم الموعود، تتحرر أخيرًا، تخرج إلى النور، تبحث عن الوطن الذي دفعت شبابك ثمنًا لحريته، فلا تجد إلا سلطةً مترهلة، وفصائل تقتتل على فتات المناصب، ولافتاتٍ ممزقة تُذكِّرك أن القضية التي ناضلت لأجلها، قد تم بيعها في سوق المصالح.
تخيّل أن تخرج من تحت الركام، من حربٍ أبادت البشر والحجر، من مجازر تخجل منها كتب التاريخ، تحاول أن تلملم ما تبقى من كرامتك وسط الدمار، أن ترفع رأسك رغم الجراح، لكنك تصطدم بفسادٍ ينخر في عظام الوطن، تجد أخاك يسرق معدات إعادة الإعمار، ورفيق دربك يتاجر بالمساعدات، وقادتك يتصارعون على النفوذ، بينما جثث الأطفال لم تُدفن بعد تحت التراب.
أيُّ زمنٍ هذا الذي نعيشه، حيث لم يعد الاحتلال وحده عدونا، بل صار بيننا من يتقن دوره، ويخدم مصالحه بأمانةٍ أشدّ من جنوده؟
حين تصبح السلطة عبئًا والفصائل لعنة
قبل أن نتحدث عن الاحتلال، وقبل أن نشير إلى جرائمه، علينا أن نواجه الحقيقة المرة: لم يعد الظلم مقتصرًا على العدو، بل صار جزءًا من واقعنا الداخلي.
– السلطة الفلسطينية، التي وُجدت لتكون ممثلًا للشعب، تحوّلت إلى طبقة أرستقراطية منفصلة عن معاناة الناس. قادتها يسكنون القصور، وشعبها ينام في الخيام. يتحدثون عن الوطن، لكنهم لا يرون فيه أكثر من رصيد في البنوك، وعقودٍ تجارية، ومشاريع استثمارية.
– الفصائل التي ادّعت المقاومة، تاهت في متاهات السلطة، وضيّعت البوصلة. بعضها جعل من السلاح ورقة مساومة، وبعضها اتّخذ الدين مطية، وبعضها ارتمى في أحضان القوى الخارجية، فصار الوطن آخر همهم، والشعب مجرد وسيلةٍ لمضاعفة مكاسبهم.
أي مقاومةٍ هذه التي تسرق قوت يوم المحاصرين؟ وأي نضالٍ هذا الذي لا يعرف إلا لغة القمع والاستبداد؟ لقد اختلطت علينا الوجوه، حتى لم نعد نعرف من العدو ومن الأخ، من الذي يحارب لأجل فلسطين، ومن الذي يحارب لأجل حساباته البنكية!
شعبٌ بين مطرقة الاحتلال وسندان الخيانة
هذا الشعب، الذي قدّم الشهداء على مذابح الحرية، والذي أذهل العالم بصموده، يجد نفسه اليوم بين فكَّي كماشة: احتلالٌ يقتله بلا رحمة، وقياداتٌ تستغل دمه بلا خجل.
إنهم يقولون لنا: “الوحدة الوطنية”، لكنهم يبنون بيننا الجدران، يقسمون الأرض والشعب كما تقسم الغنائم.
يقولون: “تحرير فلسطين”، لكنهم يوقعون الاتفاقات التي تقيدنا أكثر فأكثر.
يقولون: “حقوق الشعب”، لكنهم ينهبون خيراته، حتى لم يبقَ للفقير إلا العراء، ولا للأسير إلا الخذلان، ولا للثائر إلا السجون!
أي ظلمٍ أشد من هذا؟ أن تقاتل عدوك أمرٌ مفهوم، لكن أن تقاتل من يفترض أنهم إخوتك، فتلك الطعنة التي لا تبرأ.
مزبلة التاريخ ترفضهم!
في العادة، تسجّل مزابل التاريخ أسماء الطغاة، لكنها اليوم ترفض استقبال هؤلاء، لأنهم تجاوزوا حتى معايير الخيانة المعهودة. أيُّ خزيٍ هذا الذي يجعل مزبلة التاريخ تتبرأ منكم؟ أيُّ حقبةٍ سوداء هذه التي تجعل الخائن يتحدّث باسم الوطن، والسارق يتحدّث باسم الثورة، والمتخاذل يرفع شعار الكرامة؟
إنها مرحلةٌ لم يعرفها التاريخ من قبل، حيث لا يكون العدو وحده هو المشكلة، بل يكون “الأخ” عدوًا أشد خطرًا، والسلطةُ احتلالًا داخليًا، والفصائلُ تجارًا في سوق الوطنية الزائفة.
الخلاص قادم، فمن سيلفظهم أولًا؟
لكن لا تدوم الخيانة، ولا يستمر الظلم، ولنا في الشعوب عبرة. فالتاريخ لا يرحم، والأرض تعرف أبناءها، والشهداء لن يسمحوا لمن تاجر بدمائهم أن يهنأ طويلاً.
سيأتي يومٌ يلفظ فيه الشعب هؤلاء كما يُلفظ الطاعون، يومٌ يُعاد فيه تعريف الوطنية، ويُفرَز فيه الصادق من الكاذب، والمقاوم من المتاجر. يومٌ تُحاكم فيه سلطةٌ باعت البلاد، وفصائلُ خانت العهد، وقياداتٌ لم تعرف من الوطن إلا اسمه.
ولحين ذلك اليوم، سيبقى السؤال معلقًا:
مَن سيلفظهم أولًا؟
التاريخ، أم الشعب، أم فلسطين نفسها؟