الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حيُّ الشيخِ جراح عاقبةُ المعروفِ في غيرِ أهلِهِ

حيُّ الشيخِ جراح عاقبةُ المعروفِ في غيرِ أهلِهِ

تاريخ النشر: 2022-02-20 | 11:28

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

كعادتهم هم العرب، أهل الجود والسخاء والكرم، سادوا برمادهم، وسموا بعلو كعبهم، وعرفوا بهشيم خبزهم، واشتهروا بطيب ثريدهم، وتشاركوا بكثير مرقهم، وكذا الفلسطينيون الصِيْدُ الأباةُ أهلُ المروءة والشهامة والشرف، الأصلاءُ النبلاءُ النجباء أصحاب النخوة ورجال العسرةِ، يشعلون نارهم ليستدل عليهم العابرون في الليل والسراة في الفجرِ، ويفتحون أبوابهم لكل ضيفٍ وعابر سبيل، ويبشون في وجوه الغرباء والوافدين، ويكرمون ضيوفهم ويحسنون استقبالهم، ويخصونهم من بيوتهم غرفاً، ويعطونهم من أرضهم سكناً، ويمدون يد العون لكل محتاجٍ، ولا يفرقون في العطاء بين الغريب والنسيب، أو القريب والبعيد، ويجيرون في حماهم كل من استجار بهم وطلب النصرة وتطلع إلى الحماية، وتمنى السلامة وبحث عن الأمان، ليعيش بينهم ومعهم مطمئناً في أهله، وآمناً في سربه، ومالكاً لقوت يومه وغده.

بهذا الأخلاق العالية والقيم الرفيعة والمعاني النبيلة، استقبل العربُ الفلسطينيون في العام 1880 بعض اليهود الفارين من الظلم في أوروبا، والهاربين من الاضطهاد الذي يلاحقهم والتمييز الذي يؤلمهم، فأكرموهم وأحسنوا إليهم، وأمَّنوهم وساعدوهم، ومنحوهم الأمان الذي كانوا يبحثون عنه، والاستقرار الذي حرموا منه، رغم أن الأخبار التي كانت ترد إلى العرب من أوروبا، أن اليهود أساؤوا فيها وأفسدوا، وفتنوا سكانها بمالهم وتجارتهم، وأغرقوهم بالديون وشددوا عليهم بالفوائد، وعزلوا أنفسهم عن محيطهم الذي كان يشكو منهم ويتألم، نتيجة سلوكهم اليومي وقذارتهم الشخصية وعيوبهم الاجتماعية، وأساطيرهم الدينية وطقوسهم الغريبة.

إلا أن العرب الفلسطينيين لم يصغوا للشكوى الأوروبية، ولم يصدقوا روايتهم الشعبية، وأصروا التزاماً بأخلاقهم وانسجاماً مع قيمهم، على استقبال الوافدين اليهود، الذين استجاروا بهم ولجأوا إليهم، ورأوا عدم طردهم أو التخلي عنهم، رغم سوء السمعة التي تسبقهم، وكثرة الروايات التي تفضحهم، إذ ما اعتاد العرب في حياتهم أن يغلقوا الأبواب في وجه طارقٍ، أو أن يصدوا مستجيراً ويسلموا معاهداً، أو يصموا آذانهم عن صوت ملهوفٍ ضعيفٍ، يطلب النصرة ويستجدي المساعدة، ولو لم يكن من بلادهم أو من بني ملتهم، فهم على هذه الأخلاق نشأوا، ومن آبائهم تعلموا، وعن أجدادهم ورثوا.

كان ممن وصل إلى فلسطين من اليهود الفارين من أوروبا، جماعةٌ من اليهود وصلت إلى مدينة القدس، على رأسها يوسف بن رحاميم، وقد كانت مدينةً عامرةً رحبةً، حاضرة البلاد وزهرة مدائن المسلمين، تعيش الرخاء والسخاء، ولا تعاني من ضيقٍ أو جوعٍ، بل يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، يحمله إليها التجارُ والزوار، والحجاج والمصلون، الذين يرون في مدينة القدس أرضاً مباركاً ودياراً مقدسةً، لا يضام ساكنها، ولا يجوع أهلها، ولا يطرد اللاجئون إليها، ولا يظلم الضعفاء فيها.

استجار اليهودي يوسف بن رحاميم، الذي جاء من أوروبا ومعه جمعٌ من اليهود، يحملون أموالهم وحليهم، وذهبهم ومجوهراتهم، بالعربي المسلم عبد ربه خليل بن إبراهيم، الذي كان يسكن حي الشيخ جراح، وهو الحي الراقي الذي بناه المسلمون قبل قرابة ألف عام، وأطلقوا عليه اسم "حي الشيخ جراح"، تيمناً بحسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، طبيب السلطان صلاح الدين الأيوبي، وقد كان حياً راقياً يزدان بالمباني الجميلة والأشجار الوارفة العالية، والمثمرة الجميلة الزاهية، ويتصف بالحداثة والعمران، شأنه شأن حي القطمون والأحياء الأخرى المجاورة، التي تميزت عن أحياء القدس الأخرى بجمالها ونظافة شوارعها، وبحدائقها وبساتينها، وبالخدمات المميزة التي تتوفر فيها ويستمتع بها سكانها.

رحب الفلسطيني عبد ربه خليل باللاجئ اليهودي يوسف بن رحاميم ومن معه، ووافق أن يؤجره قطعةً من أرض حي الشيخ جراح المقدسية مدة 99 عاماً، وفق نظام "التحكير" العثماني، الذي كان يسمح بالتأجير طويل المدى في مدينة القدس، ولكنه يمنع بيع الأراضي فيها للأجانب، وكان الوافدون اليهود إلى المدينة المقدسة يعدون أجانب ويخضعون للقانون العثماني، الذي حد من استيلائهم على الأراضي المقدسية، في الوقت الذي كانوا يملكون فيه المال والقدرة على الشراء والإغراء.

بقي اللاجئون اليهود يعيشون إلى جانب الفلسطينيين في حي الشيخ جراح، ضمن عقد الإيجار القانوني، يؤدون الأجرة السنوية بانتظامٍ، وكانوا يلقون من سكان الحي معاملةً طيبة، ولا يشعرونهم خلال إقامتهم بالغربة المُرة، إلى أن وقعت حرب عام 1948، واحتل الإسرائيليون الشطر الغربي من مدينة القدس، وبعد أن فشلوا في احتلال حي الشيخ جراح المطل على الجامعة العبرية، هرب السكان اليهود منه، خوفاً من تعرض الفلسطينيين والأردنيين لهم بالثأر والانتقام، حيث خضعت المدينة لنظام فرزٍ ديني وقومي حاد، فلم يبق في الشطر الغربي سكانٌ فلسطينيون، كما رحل السكان اليهود من الشطر الشرقي للمدينة، واستمرت المناوشات العسكرية بين الأحياء العربية واليهودية.

قامت الحكومة الأردنية التي كانت تدير الضفة الغربية والقدس بعد حرب عام 1948، في العام 1956 بإسكان قرابة مائتي عائلة فلسطينية من المهجرين جراء الحرب في منطقة كرم الجاعوني، وكانت تنوي تمليكهم البيوت التي سكنوها، إلا أن حرب النكسة عام 1967 حالت دون ذلك، حيث خضعت القدس كلها للاحتلال والإدارة العسكرية الإسرائيلية، وبدأت حملات مصادرة الأراضي والتوسع والاستيطان، إلا أن سكان كرم الجاعوني في حي الشيخ جراح بقوا متمسكين بحقوقهم، مقيمين في بيوتهم، وثابتين على أرضهم، يرفضون كل محاولات إخراجهم منها عنوةً أو اتفاقاً.

أخذ أحفاد اليهود اللاجئين الذين جاء بهم يوسف بن رحاميم إلى حي الشيخ جراح، يطالبون بالاستيلاء على البيوت التي كان آباؤهم يشغلونها إيجاراً، ويسكنون فيها مؤقتاً بموجب عقدِ إيجارٍ، وأجبروا عن طريق المحاكم الصهيونية سكانها بدفع الإيجار السنوي لهم، رغم أن عقدهم الأصلي "التحكير" كان قد انتهى، وآلت الأرض حكماً وقانوناً إلى ملاكها الشرعيين الأصليين، إلا أن الإسرائيليين اليهود تكاثروا على الفلسطينيين بقوتهم العسكرية، ومحاكمهم الجائرة وقضائهم المسيس المنحاز، وعمدوا إلى إخراج السكان الفلسطينيين عنوةً وقهراً، وإجبارهم على الخروج منها بقوة الجيش والشرطة وقرارات الحكومة.

تلك هي قصة حي الشيخ جراح الذى آثرَ أهله الكرامُ إغاثة الملهوفين وإكرام اللاجئين، والإحسان إلى الهاربين الخائقين، لكن لسوء حظهم أنهم أكرموا أناساً لا يستحقون الكرم، ولا يستأهلون المساعدة، وعملوا خيراً مع جبلةٍ عفنةٍ وفطرةٍ مريضةٍ وطبيعةٍ خبيثةٍ لا تعرف غير الحقد والمكر، والنصب والغصب والكسب الحرام، ولكن هذا الباطل لن يدوم، وهذا الظلم لن يسود، ويوماً ما سيبوء الشر بأهله، وسيعود الحق إلى أهله، تلك هي سنة الله في خلقه، وحينها سيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ سينقلبون.

×
أخبار
خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط