لا تخلوا علاقة منظمة التحرير والسلطة مع الانظمة العربية من ازمنة للخريف وللقطيعة احيانا ، وتتوقف تلك المواقف على مدى تجاوب برنامج منظمة التحرير مع هذا النظام او ذاك .
كثير من المنعطفات مرت مع العديد من الانظمة ، كان يتخللها التشهير وفتح كشوف وملفات مسؤولين من منظمة التحرير وتصبح صباحا لتجد عاصفة من المعلومات والسرقات وما منحه هذا النظام او ذاك لهذا المسؤول او ذاك من مسؤولي منظمة التحرير او السلطة ، ولكن سريعا ً ما كان يحتوي تلك المواقف الرجل القدير والدبلوماسي والقائد المحنك ياسر عرفات .
لا تخلو سياسية مسؤولي السلطة في وقتنا هذا وفي الماضي عن هذا السلوك ايضا ً ، أي السلوك المدمر عند وجود أي محطة للخلاف بين هذا الفصيل او ذاك او بين هذا المسؤول او الكادر مع برنامج منظمة التحرير او السلطة الفلسطينية ،عندها تفتح الملفات بدون حساب وبدون رقابة وبدون حدود ، تعهير وتشفيط وكثير منه مغالطات فقط في معركة اعلامية المقصود منها حرق الاخضر واليابس ، وان رد المتضرر على هذا السلوك المشين للسلطة يقال كان من المفروض ان لا يتم الرد ، في حين كان يجب الرد ولا يمكن للفساد ان يعالج أي ظاهرة او ينتقدها على قاعدة الغل والخلاف على البرنامج او الخلاف على كيفية الوصول الى فلسطين كوطن محرر .
نرجسيات سلطوية تحرق الاخضر واليابس ان اختلفت معهم فهم يديرون الملفات وينتجونها مونتاجا ً وتشهيرا واعلاما .
عندما نقلت وكالات الانباء انسحاب وفد الجبهة الشعبية من جلسات المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وما لفت النظر رد الرئيس محمود عباس على خالدة جرار قائلا ً لها :-
ما تقاضته السيدة خالده جرار لغاية الآن من المجلس التشريعي ” الخياني ” ! “نعم أوسلو خيانة….. وكل ما نتج عن اتفاقية اوسلو خيانة…. والمجلس التشريعي يعتبر احد نتائج اوسلو الخيانية وانت يا رفيقة خالدة عضو في مجلس خياني نجم عن اتفاقية خيانية .
طبعا رد الرئيس عباس هو استجابة لعقل الباطن ، فكل ما قاله عباس من وصف هو صادق فيه ولكن لماذا رد محمود عباس بهذا المنطق ؟
لكي نجيب على هذا السؤال لابد ان نعود باختصار الى عقود ماضية ولأن خالدة جرار لا تمثل نفسها بل تمثل اليسار الفلسطيني ورأسه الجبهة الشعبية ، حقيقة لقد فقد اليسار الفلسطيني رونقه وجذوته الثورية بعد اغتيال وديع حداد ،ولا ننكر هنا الدور النضالي لجورج حبش ، ولكن هناك مآخذ كبرى على اليسار الفلسطيني المنسلخ عن بعضه البعض ، فالحل المرحلي الذي على اساسه اعتمدت النقاط العشر كان اختراعا من اليسار الفلسطيني ” الجبهة الديمقراطية ” وبمفهوم اخر لسلوك اليسار كيف يمكن ان يأتلف الخائن مع الوطني ؟ في هذه الحالة تبقى القصة خلطة عجيبة تمرر من خلالها عدة قضايا لم تكن ابدا ً في صالح القضية الفلسطينية التي نعاني منها حتى يومنا هذا ، كان اليسار الفلسطيني هو مظلة لرئاسة منظمة التحرير وتدور في فلك تلك الرئاسة وبرنامجها من العهد القديم الذي مهد لأوسلو الى العهد الجديد بقيادة الرئيس عباس .
اين هو اليسارالفلسطيني ؟ واين دوره في الساحة الفلسطينية ؟ ، بالمنطق النظري فإن اليسار معناه الثورة والثوار بمقابل اطروحات اليمين الذي هو اقرب في محطاته الى البرنامج الامبريالي والامريكي ، لا نريد هنا ان ندخل في متاهات تردد اليسار وانجرافه نحو سلوك اليمين واقراره بما يفعله اليمين في الساحة الفلسطينية ، لم يكن انهيار الاتحاد السوفييتي تأثيرا كبيرا على مواقف اليسار الفلسطيني فمواقفه منذ السبعينات وبعد الخروج من الساحة الاردنية هي مواقف ملحقة من خلال اللجنة التنفيذية ورئاستها ، قالوا ان اليسار الفلسطيني يعاني من التمويل ولذلك انجرف نحو قرارات اليمين والصندوق القومي لمنظمة التحرير التي عادة ما يتحكم في اوجه الصرف رئيس منظمة التحرير او السلطة حاليا ً .
لم يكتفي الرئيس الفلسطيني من الجام خالدة جرار باحصائية قدمت للجمهور ولاعضاء المجلس عن كيفية استفادة خالدة جرار من اوسلو واموال اوسلو ، كان محقا ً الرئيس في رده وسلوكه ليطعن بكبرياء اليسار من خلال موقف اعضاء اليسار في منظمة التحرير وفي السلطة الفلسطينية وفي المجلس المركزي الذي رفض ملوح ان يستجيب لقرار الجبهة ويخرج من اجتماعات المجلس وهو نائب امين سر الجبهة الشعبية .
الاحصائية تقول ان خالدة جرار تلقت عشرات الآف بل مئات الآلاف من الدولارات كونها شريك في اوسلو ، وهذا واقع ، تقول الاحصائية :
منذ انشاء السلطة استفادت خالدة جرار بمبلغ ما يقارب نصف مليون دولار موزعة على النحو التالي
هذا ما تقاضته السيدة خالدة جرار خلال 8 سنوات ولغاية الآن ؟ - 3000 دولار * 8 سنوات = حوالي 300 ألف دولار - 15000 دولار تحسين وضع عندما انتخبت كعضو تشريعي - حوالي 50 ألف دولار بدل سكن بمعدل 500 دولار شهرياً في 8 سنوات - حوالي 30 ألف دولار تكاليف مركبه ومحروقاتها واتصالاتها في 8 سنوات - حوالي 50 ألف دولار ستتقاضاها كمصروف نهاية عند انتهاء صلاحيتها عضو مجلس تشرعي .. وسلملي على الخيانة … حوالي 2 مليون شيكل بس راتب !.. طبعاً وانتي في الدار !
طبعا هذا التفصيل لا يعيب خالدة جرار وحدها بل توجيه صواريخ عابرة لليسار الفلسطيني كله وضرب مصداقيته وتوصيفه بالانتهازية وفي نفس الوقت يبين ان تلك السلطة مبنية على ترغيب برأس المال والهبات وليس هناك سلوك نضالي او سلوك وطني في مكوناتها باعتبارها سلطة رواتب وضخ اموال لتمرير قرارات تمس مستقبل الشعب الفلسطيني .
بالتأكيد ان موقف خالدة جرار كان موقفا ً صحيحا ً ومبنيا على قواعد نضالية يطالب بها الشعب الفلسطيني بايقاف المفاوضات واستنهاج برنامج جديد لكي يتمكن الشعب الفلسطيني من كسر شوكة العنجهية الصهيونية وفي نفس الوقت استنهاج الطاقات الفلسطينية المهملة والمجمدة لتحرير فلسطين ، ولكن كالعادة هي عملية اسقاط ، الاسقاط لا يمكن ان يكون للافراد فقط لكي يعملوا كعملاء او اجراء او مسيري برامج او هتيفة بل ينطبق ايضا على الفصائل التي همها الاول الان هو مقدار ما تصرفه من الصندوق القومي وما تجنيه من رواتب لعناصرها وهو سر وجودها في ظل عدم وجود برنامج وطني ، بل برنامج تفاوضي متهاوي ومتدرج ومتسلسل لتثبيت نظرية الامن الجغرافي الصهيوني .
موقفك يا خالدة جرار موقف صحيح نثنيك عليه بشكل شخصي ولكن يجب على الفصائل ان تخرج من شرك الاسقاط الذي تعاني منه منذ عشرات العقود .