لقد قرأت خلال أسبوع واحد تقريرين في وكالة معا الإخبارية عن خربة فركش الأثرية والواقعة في قرية بروقين، وقد أثلج صدري مدى حرص رئيس الهيئة المحلية على الحفاظ على التراث الثقافي والهوية الحضارية لشعبنا الفلسطيني والإصرار على طرح قضية الموقع الأثري كأولوية تتقدم هموم الحياة اليومية لبلدة بروقين. وازداد اهتمامي بالتقرير لوقوع الموقع الأثري في منطقة محاذية للمستوطنات، حيث يكون جل اهتمام الناس في تلك المنطقة هو كيفية درء أذى المستوطنين وممارساتهم الإجرامية المتمثلة بحرق حقول المزارعين ومصادر الرزق، الاعتداءات المتكررة على قرى محافظة سلفيت والتي تطال كافة مناحي الحياة ومحاولة النيل من كل مقومات صمود الناس. لم يدفعني هذا التقرير للدفاع عن أو سرد انجازات دائرة الآثار وطاقمها الأقل عدداً من أي وزارة أخرى، بل لإنصاف هذا الطاقم من الناحية السياسية البحتة، وحيث أن التقرير أشار لعدم رغبة الدائرة التدخل في الموقع لوقوعه في المنطقة المصنفة "ج"، وهذا بالطبع مغاير تماماً للحقيقة. فمنذ تأسيس دائرة الآثار الفلسطينية، قصد القائمين بها، وعن وعي تام أن توظف غالبية مشاريع الحماية والصيانة الإنقاذية للمواقع في الريف الفلسطيني (400 موقع فقط وبتمويل من الحكومة الهولندية في الفترة ما بين 1996-2000)، وذلك ما أثار حفيظة الإسرائيليين و دفعهم لملاحقة الطاقم الفلسطيني بالطائرة المروحية، وهذا ما حصل في "خربة السبعين" في جنين ومناطق أخرى. ولم تدخر الدائرة جهداً لأعمال الترميم والتأهيل في سلفيت، والأغوار وقرى الخليل وبيت لحم. والعاملون في الدائرة يختلفون نوعاً ما عن الموظف العادي لكونهم حاملون لفكرة ومسكونون بهموم الهوية الوطنية، وهم تلاميذ مدرسة تنويرية تؤسس لبناء وطن. ولم تكن بيرزيت والنجاح وبيت لحم مجرد الحصول على شهادة فقط، بل علمتهم أن موضوع الإرث الحضاري في فلسطين (وليس في أ، ب،ج) ليس ترفا فكريا، وإنما هو واجب وطني يجب الوفاء به.
ومن خلال تقصي الحقائق في الموضوع أعلاه ، قام طاقم الدائرة ومن خلال مشروع مخطط الحفاظ (المسح الميداني والتوثيق ووضع الخطط) بالتواصل مع رئيس البلدية وطاقمها الهندسي، وقاموا بتوثيق الموقع، وهم اذ يعملون و يتطلعون للشراكة مع البلدية لتطوير الموقع كمحمية ومتنزه تراثي اثري، فمن واجب البلدية أن تقوم بإشراك المجتمع المحلي في عملية حماية الموقع والمحافظة عليه وتعريفهم بمفهوم الحماية المبني على دور فعال للمجتمع المحلي والهيئة المحلية، وكما هو معروف، ليس معنى الحماية مكبل بمفهوم الحراسة، وإلا فهناك حاجة إلى توظيف سبعة عشر ألف حارس لحراسة الخرب الأثرية في محافظات الضفة فقط.
لا شك أن النهب والتنقيب الأثري السري وتهريب الآثار من المواقع الأثرية المفتوحة في فترة الأزمات ومناطق خارج قدرة وسيطرة موظفي الدائرة وشرطة الآثار لأسباب موضوعية، تؤرق السلطة الوطنية الفلسطينية بشكل عام، ووزارة السياحة والآثار بشكل خاص وخاصة المواقع التي تحاذي المستوطنات، لذا يبدو استنهاض دور المجتمع المحلي في هذه المرحلة محورياً لحماية أكثر من 4350 موقع أثري معظمها في مواقع بعيدة عن مراكز المدن والبلدات الفلسطينية والكثير منها في المناطق المسماة بـ "ج".
فما هو الحل؟
باعتقادي إن إشراك ومشاركة المجتمع المحلي في عملية الحماية والحفاظ على التراث الثقافي له أهمية خاصة في فلسطين، ليس فقط لحماية مشروعنا الحضاري، بل ستسهم في إعادة أحياء القيم الاجتماعية المتمثلة في التعاون والتطوع والتعاضد، ولقناعاتي أن كلاً من البلدية أو الوزارة وبدون دور فاعل للمجتمع المحلي، لن تستطيعا من حماية أي موقع اثري، لهذا اقترح الآتي:
نشاط طارئ وعاجل:
1. يقوم فريق الآثار بزيارة أخرى للبلدية واطلاع رئيس البلدية على ما قاموا به من توثيق، والاتفاق على عقد اجتماع مفتوح مع المجتمع المحلي لمناقشة سبل حماية الموقع، وما هي رؤية المجتمع المحلي لتطوير الموقع والوصول إليه.
2. يتم دعوة صندوق إقراض وتطوير البلديات لحضور اللقاء المجتمعي جنباً إلى جنب وزارة السياحة والآثار، ووزارة الحكم المحلي، وفي حال اتفاق المجتمع المحلي على أولويات تطوير الموقع، تقوم وزارة السياحة والآثار بتحضير المخططات اللازمة لحماية وإدارة الموقع.
نشاط على المستوى المتوسط:
1. تقوم البلدية وبالتعاون مع وزارة السياحة بوضع خطة توعية بأهمية التراث بشكل عام والموقع بشكل خاص وإدراجه ضمن حصة تعليمية في مدارس البلدة.
2. بحث إمكانية تنفيذ مخطط الحفاظ وربطه بتفعيل النشاط السياحي الداخلي من خلال تفعيل دور المرأة كمحرك فعال في تحويل فرص التراث الثقافي إلي أنشطة مربحة.
وإنني على يقين أن نجاح نموذج "بروقين" سيسهم في القيام بجهود مشتركة و مضاعفة بين وزارة السياحة، المجتمع المحلي، والبلديات من اجل نشر الوعي بقيمة التراث، والقيام بجهود تثقيفية لتشكيل قاعدة اجتماعية تحتضن فكرة الاهتمام بالتراث والآثار، والعمل على ترسيخ قيمتها في أذهان مختلف الأطياف والشرائح الاجتماعية، وإحداث نقلة نوعية في نظرة الناس للتراث من خلال إبراز قيمته التاريخية، وإبراز مساهمات الحضارات في تأسيسه وبنائه على ارض فلسطين، وهو الأمر الذي يستدعي إعادة الاعتبار للتراث، وعدم اعتباره مجرد ترف ليس له قيمه، أو ليس له فائدة.