ثلاثون شهيدا وألف وخمسمائة جريح وثمانمائة معتقل وخطاب رئاسي مسجل من أربعمائة وواحد وثمانين كلمة استغرق إلقاؤه ست دقائق وثلاثين ثانية.. حصيلة أسبوعين من الانتفاضة الثالثة.
ترقبت الخطاب كغيري من الفلسطينيين التائقين إلى موقف سلطوي يرتقي إلى رفعة مستوى الأداء الشعبي في مقاومة الاحتلال، وخاب ظني كغيري من الفلسطينيين عند سماع هذا الخطاب الذي أعاد فيه رئيس السلطة ما قاله قبل أيام على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكأنه أراد ليلة الأربعاء أن يجرب مرة أخرى نزع صاعق قنبلة وهمية لم تنفجر في نيويورك.
لم تنفجر قنبلة "الرئيس" في رام الله، وترسخت في الشارع الفلسطيني خيبة الأمل التي فجرت الانتفاضة أصلا بعد خطابه في الأمم المتحدة.
رغم ذلك، ورغم خلو "الخطاب الرئاسي" من أي قرار جريء أو غير جريء، ورغم الاكتفاء بتأكيد البديهيات التي يدركها شعب السنغال مثلما يدركها الشعب الفلسطيني، لم ينج "الرئيس" من الهجوم الاسرائيلي على ما أسمته حكومة نتنياهو "لغة التحريض على العنف"، لأن الكيان المبندق لم يعد يكتفي بشل الأداء الفلسطيني المقاوم، بل يريد الآن شطب الخطاب الفلسطيني السياسي واستبداله بلغة التسليم بالأمر الواقع والترويج للاحتلال باعتباره نعمة ربانية تستوجب الشكر والعرفان، وربما إقامة صلاة الجماعة (ليس في المسجد الأقصى طبعا).
ما كنا لنصل إلى هذا الحال لو كان أداء السلطة المنبثقة عن "لعنة أوسلو" مختلفا طيلة السنوات العشرين المشؤومة، وما كان لنصل إلى هذا البؤس لو لم تجد السلطة بالتنازلات المعلنة والسرية التي قدمتها لاسرائيل على حسابنا في عقدين من المفاوضات العقيمة التي اختصرت المشروع الفلسطيني المقاوم في أوراق مفرودة على طاولة باهتة.
لكن صبر السنين لا بد أن ينتهي بالغضب، وقد انتهى الصبر الفلسطيني بفورة الدم على تراب الأرض بعد أن كانت فورته محبوسة في الشرايين في زمن الخراب التسووي.
لم يرتق خطاب "الرئيس" إلى أمل الشعب بالتحلل من اتفاق أوسلو وبوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال في ظل حكومة اسرائيلية صدق النائب أحمد الطيبي في قوله إن المعتدل فيها هو بنيامين نتنياهو!
كان إذن تصعيدا في الخطاب لم يحمل أي قرار ولم يلمح إلى أي إجراء عملي في مواجهة الحملة الشرسة على الشعب الفلسطيني، ليس في الضفة وغزة فقط، بل في أراضي فلسطين التاريخية، وسيغني الاعلام الرسمي الفلسطيني، مثلما تفعل الإعلامات الرسمية العربية، لإنجاز الرئيس وشجاعته في قول كلمة الحق، وفي انتصاره على العدو.. بخطاب!!
لم لا؟ أليس النظام الرسمي الفلسطيني جزءا من النظام الرسمي العربي؟ ألا تتماثل السلطة في رام الله وأجهزتها الأمنية الكثيرة وكهنوتها الإعلامي مع نظيراتها في الدول العربية بانتهاجها أسلوبا حضاريا في التعامل مع الناس؟
لا أحب السخرية في الكتابة عن مشهد يرسم الآن بدم أهلي، لكن ما يجري مريع والرد عليه مخجل على المستوى الرسمي فلسطينيا وعربيا وإسلاميا.
أعود إلى الخطاب المسجل المختصر البليغ في مفرداته والخالي من أي إشارة إلى تغيير في الموقف السلطوي، لأعترف، كمراقب، بإعجابي الشديد بنية السلطة إحالة الجرائم الاسرائيلية الأخيرة إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإذ اعترف بهذا الإعجاب فإنني أثمن للسلطة قيامها بما ينبغي أن تقوم به أي سلطة في الدنيا، وبما يجب أن يكون جزءا من عملها اليومي وليس إنجازا تمن به على شعب ثائر.
طالما ظلت لعنة أوسلو تلاحقنا سيظل التنسيق الأمني قائما وستظل السلطة حاكمة بربطة عنق.. ويد ممدودة للسلام مع اسرائيل والسلام على نتنياهو، حتى لو صبغ الدم أرض فلسطين كلها بلون الثورة.