تاريخ النشر: 2023-02-25 | 15:47
تاريخ النشر: 2023-02-25 | 15:47
في الوقت الذي لا تزال فيه قضية بالونات التجسس الصينية تثير الصدى، كان مؤتمر ميونخ للأمن فرصة مناسبة للصين للترويج لمبادرة سلام تنهي الحرب المشتعلة في أوكرانيا منذ عام، حيث أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي بأن بكين ستسعى الى المسار الديبلوماسي من أجل دفع عملية السلام التي من شأنها ان توقف الحرب عكس مسار العقوبات الذي لم يثني روسيا على مواصلة عمليتها العسكرية.
المبادرة الصينية لقيت ترحيبا ألمانيا لكن في نفس الوقت قوبلت بتشكيك أمريكي أوروبي حيث خرجت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في بتصريح تطلب فيه بأن المزيد من " الأدلة " على أن الصين لا تعمل مع روسيا، وهو ما ذهب في اتجاهه تصريح وزير الخارجية الأمريكية انتوني بلينكن الذي أكد بأن الشركات الصينية تقدم دعما لروسيا كما أن هناك اتجاه من بكين لتقديم " دعم قاتل " وان تم ذلك فإن له " عواقب وخيمة " على حد قوله، ولكن لماذا تلجأ أرسولا و بلينكن في هذا الوقت بالذات وبعد عام كامل من بداية الحرب الى الحديث عن فرضية دعم عسكري صيني للروس في الوقت الذي تتحدث فيه بكين عن حل سلمي ؟ معنى هذا الكلام أن التشكيك في نوايا الصين هو اسقاط لمبادرتها قبل أن ترى النور، وهو تأكيد على أن الحرب ستكون معركة النفس الطويل ولا نهاية لها حتى يتبين الغالب من المغلوب.
المبادرة الصينية التي لقيت ترحيبا محتشما نبهت بكين بأن الاسرة الدولية لن تقبل سياسة الأمر الواقع الذي تريد أن تفرضه روسيا بضمها أراض أوكرانية وهو ما يعني بأن الحديث عن فرص ايقاف الحرب لا يمكن أن تكون ناجحة ولا يمكن أن ترضي أوكرانيا وحلفاءها الا بعدول روسيا عن عمليتها العسكرية والانسحاب من كامل الاراضي الاوكرانية، ولكن ثمة هناك أسئلة مهمة ومنطقية تحدد مدى استجابة الروس لحل سلمي في أوكرانيا ولنفترض أن روسيا بامكانها أن تتراجع ما الضمانات التي يمكن أن يقدمها الغرب لبوتين حتى تزول الأسباب التي أدت به الى غزو أوكرانيا ؟ وهل ستعود روسيا الى وضعها الطبيعي مع دول الغرب وهل ستسقط كافة العقوبات الاقتصادية عنها؟ وهل ستكف الولايات المتحدة الأمريكية عن اتهام الروس بالوقوف وراء جرائم حرب ومجازر انسانية تستدعي محاسبتها أمام الجنائية الدولية؟
أن مثل هذه المبادرة الصينية كان يفترض بها أن تطرح قبل بداية الحرب لا بعد ان هيأت كل الاسباب لاندلاعها واتجهت كل الاطراف الغربية الى ضرورة مواصلة الدعم العسكري لأوكرانيا التي تقاتل بالنيابة عن الجميع، ومع ذلك لا يمكن انكار أن لروسيا دور كبير في اندلاع الحرب ودخول الأزمة مرحلة اللاعودة، اذ إن ضمها لشبه جزيرة القرم سنة 2014 وتغاضي الأسرة الدولية عن فعلتها قد فتح شهيتها لالتهام أوكرانيا كاملة.
ان التطورات الميدانية في ساحة الحرب هي المقياس الوحيد الذي يمكن أن تحدد الادارة الأمريكية من خلاله موقفها ووجهة نظرها من التفاوض مع روسيا، فهي الآن ترى أنه لايزال هناك الأمل في أن يواجه الروس الفشل في أوكرانيا خاصة مع العديد من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبوها في بداية الحرب وبعد ما أظهر الجيش الأوكراني استماتة غير متوقعة واستطاعوا ان يعطلوا القوات الروسية في العديد من المحاور،
وبالتالي فإن مسألة التفاوض مع الروس أمر مستعبد في الوقت الحالي مادامت الولايات المتحدة ترى في أن الدعم العسكري الذي تعهد به الحلفاء سيأتي بنتائج لصالح اوكرانيا والتي من شأنها أن تعزز موقفها التفاوضي وأن تجبر روسيا الى الانحناء للغرب، ومن هذا المنطلق فان الخطوة الصينية وغيرها من المبادرات القادمة لن يكون لها أي تأثير على مسار بعد أن قرر الجميع أن الحسم فيها سيكون عسكريا وليس ديبلوماسيا .