في الوقت الذي صدر فيه قرار إدانة نائب المراقب العام لحركة الإخوان المسلمين في الأردن ، زكي بني إرشيد ، كانت قيادة حركة الإخوان المسلمين ، قد أصدرت قراراً بفصل عشرة من قيادات الحركة ، بما فيهم قيادات من الصف الأول إرحيل الغرايبة ونبيل الكوفحي ، وقيادات تاريخية أبرزهم عبد المجيد الذنيبات المراقب العام الأسبق للحركة ، بدون محاكمة .
قرار إدانة ومحاكمة بني إرشيد ، لا يحظى بالقبول والرضا من قبل قيادات يسارية وقومية وليبرالية ، لأنها تجد في بني إرشيد شخصية قيادية في إطار سياسي معارض ، وأن التهمة الموجهة إليه سياسية بإمتياز ( تعكير العلاقات مع دولة شقيقة ) ، ولذلك حتى ولو اختلفوا معه ، ولم يتفقوا مع توجهاته وغالباً لأنها متشددة ، وأحياناً متصادمة مع التوجه الواقعي العام الذي يحكم مواقف القوميين واليساريين ، وقد أدى تشدد التيار الذي يمثله إلى فرط التحالف السياسي المعارض الذي سبق وأن تشكل في بداية الربيع العربي ، بين الأطراف الأربعة : 1- الأحزاب اليسارية والقومية ، 2- النقابات المهنية ، 3- مجموعة أحمد عبيدات ، 4- الإخوان المسلمين ، ومع ذلك ، ولدوافع مبدئية ، رفضت الأحزاب القومية واليسارية محاكمة بني إرشيد وإصدار حكم بحقه ، وإعترضت على السياسة الحكومية التي أدت لمثل هذا الإجراء .
ولكن إذا كانت محاكمة بني إرشيد ، محقة بسبب تعكير العلاقات مع دولة شقيقة ، اوإنعكاساً لإتساع فجوة الخلاف بين الدولة الأردنية وبين الإخوان المسلمين وتعبيراً عن الوضع المأزوم الذي اجتاح العالم العربي لصالح أحزاب التيار الإسلامي ، وتراجع مكانة حركة الإخوان المسلمين بعد سلسلة عناوين الفشل التي وقعت فيها وأبرزها 1- الإنقلاب في غزة ، 2- محاولة إسقاط النظام في سوريا عبر العمل المسلح ، 3- فشل تجربتهم المصرية ، 4- فشلهم في مواجهة ولاية الفقيه الإيرانية في اليمن ، وسواء تمت محاكمته لهذا الدافع أو ذاك ، فهو قرار له صياغاته القانونية ودوافعه السياسية ، بإعتباره عنواناً لأكبر حركة سياسية معارضة وأقواها ، فماذا يمكن وصف قرار قيادة حركة الإخوان المسلمين بفصل عشرة من قيادات وكوادر الحركة ، بدون محاكمة ، ماذا يسمى ذلك ؟؟ وإذا كان قرار الحكومة بمحاكمة بني إرشيد قرار غير مقبول ، فماذا يمكن وصف قرار الإخوان المسلمين بحق عشرة بما فيهم المراقب العام السابق بدون محاكمة ؟؟ .
لندقق بمضمون ما كتبه د . إرحيل الغرايبة “ إقدام قيادة الجماعة على اتخاذ قرار فصل مجموعة من قيادات الجماعة بطريقة الاعدام الميداني دون محاكمات ودون سؤال او جواب او مجرد اتصال هاتفي يمثل خروجاً على العرف الانساني فضلاً عن الاسلامي ، ويعبر عن عقلية عرفية مرعبة ، تسيء الى نفسها اولا وتلحق الضرر بالعاملين في الحقل الاسلامي الفكري والدعوي و السياسي عموما ، وينم القرار عن منهجية قيادية مأزومة تفتقد إلى الرشد والحكمة ، في ظروف حرجة تمر بها الجماعة والمنطقة برمتها ، ويعبر عن قيادة أغمضت عينيها عن رؤية المشهد ، وأصمت اذنيها عن سماع النصيحة ، وسوف تلحق الضرر بالجماعة ومستقبلها وإرثها التاريخي “ ، وهي مقارنة عملية بين الموقفين ، موقف الحكومة الأردنية نحو أحد معارضيها ، وموقف حركة الإخوان المسلمين نحو عشرة من قياداتهم ، وفي كيفية التعامل مع اجتهاداتهم المعارضة لسلوكها ومواقفها وسياساتها !! .
حركة الإخوان المسلمين ، واحدة من الفصائل الإسلامية الخمسة العابرة للحدود في العالم العربي وأقدمها ، وقد تكون أكثرها انتشاراً ، واجهت مثلها مثل كل الفصائل والأحزاب اليسارية والقومية ، ظروفاً صعبة معقدة ، تتطلب الشجاعة وسرعة التكيف ، بعد سلسلة إخفاقاتها وتعثر برامجها في أكثر من بلد عربي ، رغم استفادتها من ثورة الربيع العربي ، وركوب موجتها وتوظيفها وقطف ثمارها ، بعد تفاهمها مع الولايات المتحدة ، على خلفية التحالف بينهما خلال الحرب الباردة ، في مواجهة المعسكر الإشتراكي وضد الأحزاب اليسارية والقومية ، ومع ذلك أخفق الإخوان المسلمون في تقديم رؤية عصرية تقوم على التعددية والديمقراطية وإحترام شراكة المواطنة مع الأخر ، فإستفردت وطغت وسلوكها في غزة قبل مصر بائن صارخ ، ولم يختلف سلوكها عن أحزاب حسني مبارك وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح ، ولجان معمر القذافي الثورية ، فبات المواطن العربي الذي ثار وتظاهر وأسقط أنظمة اللون الواحد ليقع تحت براثن اللون الواحد الأكثر صرامة ، والأدهى من ذلك أن هذا اللون ، لا يقر إلا بإمتلاكه وحده الحقيقة والشرعية وأنه منفرداً الخليفة على الأرض .
خلافات حركة الإخوان المسلمين مع أنفسهم ومع الأخر، لم تكن لدوافع دينية ، ولا أحد ناقش وجود الملائكة أو الشياطين وغيابهم ، ولم يحتج حزب أو نظام على كيفية إحترام العقائد والشعائر والمرجعيات ، فالخلاف كان سياسياً وسيبقى ، شخصياً ومهنياً وإجتهادياً ، يحتمل الصواب والخطأ لدى طرفي الخلاف أو أطرافه المتعددة ، وإلا كيف يمكن تصوير أو إتهام المراقب العام السابق ، أو قيادات وكوادر الحركة ، على أنهم خارج التنظيم ويجب فصلهم هل لأنهم توقفوا عن الصلاة مثلاً ، أو قصروا بتأدية واجباتهم الدينية ؟؟ أم أن الخلاف سياسي ، وسياسي محض ، وكل منهما يتوسل خدمة الجماعة والحركة من خلال إجتهاده ورؤيته السياسية وكل منهما يعمل على حماية الحركة والتنظيم والجماعة ، وفق رؤيته وإجتهاده .