الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

خلف أسوار الرقابة: المبدع بين الخوف..والتحدّي

خلف أسوار الرقابة: المبدع بين الخوف..والتحدّي

تاريخ النشر: 2026-03-27 | 13:08

 "أكتب لأرى وجهي خلف الغيم

  أكتب كي لا أموت.."

محمود درويش

-"الكتابة هي شرط إمكانية التاريخ والذاكرة،وأنها تتجاوز حضور الكاتب لتبقى شاهدة على روحه.."

الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا

- "أكتب كي لا يموت شيء بداخلي

  أكتب كي لا تنتحر طيور الحرف في صدري.."

نزار قباني في قصيدته "إلى كولومبوس":

لعلِّي لا أجانب الحقيقة إن قلت إن الكتابة ليست مجرد فعلٍ عابرٍ يمارسه الكاتب،بل هي كيانه الممتدّ،ووجوده المتجسّد،وروحه التي تتنفّس بين السطور.فالكاتب لا يكتب ما يعرفه فحسب،بل يكتب ما هو عليه،يتقمّص حروفه كما يتقمّص جلده،فيصبح النص مرآةً شفّافة لذاته،ونافذة على أغوار كينونته.وما إن يغرز قلمه في بياض الورق حتى تغمره نشوة لا يشبهها شيء،ولذّة لا يذوقها غيرُه،ذلك أنه لا يخطّ كلمات منفصلة عنه،بل يصبّ روحه في قوالب لغوية،متّحدا بها اتحاد النار بالجمر،والماء بالصدى.

إن الكتابة في ميزان المبدع ليست وسيلة فحسب،بل هي غاية قصوى،وفعل وجودٍ بامتياز. إنها البحر الذي يغوص فيه بلا حدود،والشغف الذي يحرّكه من أعماقه،وهوسٌ جميل لا يشبهه هوس.وما يدفعه إلى هذا العالم العجيب ليس سوى قوّة خفيّة،ودافعٌ لا يُرى لكنّه يُحسّ،يتقد في صدره كجمرةٍ لا تخبو: الحبّ.حبّ الكلمة قبل أن تولد،والجملة قبل أن تترتّب،والمعنى قبل أن ينكشف.

والكاتب الحقّ لا يكتفي بأن يكون صائغا بارعا للكلمات،بل هو من يدرك أن الجمال في النص ليس زينة عابرة،بل جوهر يُبنى بحكمة.وأولى دعائم هذا الجمال الفكرة.فالنصّ-أيّ نصّ-لا يُقحم نفسه في القلب،ولا يُحدث صدى في العقل،ما لم يكن حاملا لبذرةٍ معنىّ،ونواة فكرية تتصاعد في روح القارئ كالنغم.والكاتب البارع هو من يتناول الأفكار العميقة،ويُلبسها حلّة من الوضوح والرقة، فيجعل الصعب قريبا،والمعقّد أنيسا.وأي نص يخلو من فكرة هادفة،أو يتعامل مع المعنى باستعلاء أو عبث،فهو محكوم عليه بالانطفاء المبكر،ومصيره أن يغادره القراء كما تغادر الأصداء الكهف.

وهنا يبرز سؤال شائك،يطارد الكاتب في لحظة الإبداع قبل لحظة النشر: أليس ثمة مقصّ رقابيّ يتربّص؟ بل أليس ثمة خوفٌ يغتال جرأةَ القلم قبل أن يبوح؟

لا شكّ أن الحديث عن الرقابة حديثٌ متشعّب، يلامس جراحا قديمة وحديثة،ويثير حساسيات تتقاطع فيها السياسة بالدين،والسلطة بالثقافة. لكنه حديث لا مناص منه،إذا كنا نريد للحياة الثقافية أن تتنفّس،وللكلمة أن تحلّق دون أن يقطع جناحيها سقفٌ زجاجيّ.

فالمبدع،وهو ينسج عوالمه تحت أعين لا تنام، وتحت وعيدٍ يتلوّن بأشكال شتّى،كثيرا ما يرتبك، يتعثّر،أو يحلّق على ارتفاعات منخفضة،تضمن له البقاء لا الخلود.وما من مبدع إلا واشتكى الرقابة في لحظة من لحظاته،وطالب برفعها أو إلغائها، ليستعيد حريته التي هي شرط إبداعه.بل إن كثيرين أرجعوا فتور إبداعهم،أو غموضه،أو تراجُع جرأته،إلى مؤسسات رقابية بيروقراطية،متسلطة في بلدان عربية عديدة،تتعامل مع الإبداع بوصفه خطرا،لا بوصفه نبضا.

في الآونة الأخيرة،شهدت عدة بلدان عربية مشاهد منع لأعمال أدبية،بحجج تتراوح بين حماية القيم والأخلاق،وصيانة النظام العام.لكن الأدباء يرون في هذه الممارسات اعتداء على حرية الإبداع، وتضييقا مقصودا على مساحات التفكير.فقد أعلن الكاتب الليبي أحمد يوسف عقيلة منع مجموعته القصصية "المكحلة" من التداول،دون إبداء أسباب.كما كشف الروائي الأردني إبراهيم نصر الله عن منع أعماله الشعرية في معرض عمان الدولي للكتاب،ثم عودتها بعد اتصالات مضنية،ليُظهر هشاشة الحضور الثقافي في ظل إرادة متقلّبة.أما الروائي المصري علاء فرغلي،فقد واجه المصير نفسه مع روايته "ممر بهلر"، في مشهد كرّس حالة من الاستياء في الأوساط الثقافية.

وليس هذا بغريب على تاريخ ثقافي عربي حافل بقصص المنع والمصادرة،يبقى أبرزها قصة عميد الأدب العربي،طه حسين،مع كتابه "في الشعر الجاهلي" (1926)،الذي أثار ضجة كبرى وصلت به إلى المحاكم،بل إلى الدعوات العلنية بقتله.فاضطرّ العميد إلى تغيير عنوان كتابه إلى "في الأدب الجاهلي"،وحذف فصول منه،واستبدالها بفصول أخرى،في مشهد يعبّر عن سطوة الرقابة حتى على أعمدة الثقافة.

غير أن ما يثير التأمّل في هذه الممارسات،أنها غالبا ما تتخذ من الدين والخلق ذريعة،مع أنها تصدر عن سلطات لا تمثّل المرجعيات الدينية،بل تسعى من خلال هذه الذرائع إلى ضبط الخطاب الثقافي،وتوجيهه وفق إرادات سياسية وفكرية، كجزء من مشروع أوسع للسيطرة على الوعي الجمعي.لكن في عصر السماوات المفتوحة،حيث تتكسر الحواجز وتتشظّى الحدود،لم تعد الرقابة التقليدية تملك من القوّة ما يُمكّنها من وقف تدفّق الأفكار،بل تحوّلت إلى جهاز متصلب،يحاول إرضاء ذاته والقائمين عليه،دون أن يحدث أثرا حقيقيا في منع الاختلاف أو تأجيل السؤال.

والحقيقة أن المبدع ليس بمنأى عن الضوابط، فهي كثيرة ومتعددة،تختلف باختلاف المجتمع والسياق.منها ما يفرضه الفرد على نفسه: قناعاته، مبادئه،ضميره.ومنها ما تفرضه الثقافة العامة: الأعراف الاجتماعية،الموروث الديني،السياقات الحضارية.غير أن الفارق بين الضوابط الذاتية والرقابة المفروضة،أن الأولى تنبع من إيمان داخلي،والثانية تُفرض بقوّة خارجية.والمبدع،الذي يتكيّف مع أنظمة العمل الرقمية،ويقبل بتقنيات النشر الحديثة،ويجاري متغيرات العصر،كيف له أن يقبل بقيود تعيق روحه وتكبل حريته؟!

إن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى وصاية،ولا يمكن أن ينمو في مناخ من الخوف.فالمبدع الذي يحمل رسالة الفن،في أسمى معانيها،هو أهل ليكون رقيب نفسه،بضميره وحسه الفني ووعيه بمسؤولياته تجاه واقعه وتاريخه.والرقابة،بأيِّ اسم تسمّت،تظل دخيلة على روح الإبداع،معطلة لمساره،مكبلة لنبضه.

ويبقى السؤال الأعمق الذي لا يغادر وجدان الكاتب: أنكتب لأنفسنا أم للآخرين؟ أندافع بكتاباتنا عن بؤس العالم وبؤس الوطن،أم أن الأمر برمّته لا يعدو كونه تسريبات لمعركة النفس الداخلية؟

 ربما لا إجابة حاسمة،لكن الأكيد أننا سنظل نكتب بحضور الفكر والضمير معا،وسنظل على استعداد للشهادة-بكل معانيها-من أجل ما نعتقد أنه الحق. وحتى لو حرموا الحق في الشهادة،واحتكروا لأنفسهم بطولة الرأي الواحد،سنظل نكتب..ولو لم نجد غير أظفارنا،وجدران المقابر،أدوات للكتابة والنشر.

خاتمة

وهكذا تظل الكتابة،في زحمة المقصات والأسئلة، فعل حياة لا يموت.ويظل الكاتب يحفر في جدار الصمت بأظفاره،لا لأنه يبحث عن خلود،بل لأنه يؤمن أن الكلمة حرية،والحرية وطن لا سقف له، وأن القلم حين ينكسر لا يموت،بل يغرس في الأرض ليكون غصنا جديدا،لا يخاف-لسعة- الرقيب..

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط