أسدل الستار أخيرًا _وبعد عدة جولات_ على انتخابات رئيس المكتب السياسي لحماس بفوز خليل الحية بفارق صوت واحد فقط حسب العديد من وسائل الإعلام على رئيس المكتب الأسبق خالد مشعل، ويمكن القول أن هذه الانتخابات قد اكتسبت أهمية خاصة جدًا دفعت بالبعض إلى القول أنها ربما تكون الانتخابات الأكثر أهمية في تاريخ الحركة، والقول بذلك مبرر ومستساغ.
هذه النتائج حملت العديد من الدلالات التي تستوجب الوقوف عندها بشيء من البيان والتوضيح فمن جهة يمكن القول أن هذه الانتخابات اكتسبت أهمية ليس بالنظر لأسماء المتنافسين بقدر ما هو تمثيل لحالة فرز يعتمد على تيارات أو توجهات فكرية سياسية شهدت حالة استقطاب واصطفاف، إذ لا يخفى أن الحركة تجاذبها في انتخاباتها اتجاهان أو تياران، كان خليل الحية على رأس التيار الأقرب إلى إيران فيما كان خالد مشعل على رأس التيار الأقرب إلى تركيا وقطر، فلم يكن التنافس بين قيادات وزانة بهدف تجديد الشرعية فقط بقدر ما كان حسمًا لتوجه سياسي وعملي بين المحور الذي يضيق فيه هامش المرونة السياسية ولو نسبيًا، وتوجه آخر يُنظر إليه على أنه أكثر واقعية واستجابة لظروف المرحلة، وعلى ذلك يمكن النظر إلى هذه النتائج على أنها اختيار حماس لإيران المحور رغم ما كشفت عنه الأيام من خفايا ومواقف وما نتج من ظروف وأوضاع ووقائع مأساوية.
وفي هذا السياق يبدو التساؤل منطقيًا حول توجهات غزة بالتحديد ووزنها الانتخابي باعتبارها مركز الثقل الفعلي لحماس منذ انتخاب إسماعيل هنية رحمه الله ومن ثم يحيى السنوار رحمه الله، وأخيرا خليل الحية، ولعل هذا كان نتاج سيطرة حماس على القطاع في العام 2007 وما تبع ذلك مما يعرف بالربيع العربي والتغيرات التي عصفت بالعديد من الدول العربية والساحات الأخرى وأعادت تشكيل خريطة المنطقة مرة أخرى، وقد بدا واضحًا منذ انتخاب إسماعيل هنية أن غزة باتت مركز الثقل والنفوذ فالخارج قد خسر سوريا واستقر في قطر وتركيا المسقوفتين بشروط واعتبارات سياسية محددة وواضحة ومعروفة، بينما في الضفة ومنذ الانقلاب فقدت حماس القدرة على السيطرة والتأثير فباتت ساحة ثانوية تعيش العهد المكي (الإعداد والانتظار) فيما أصبحت غزة مركز القوة والنفوذ بل ورأس الحربة في مشروع حماس بأسره.
وفي غزة كان العسكر يسيطرون رويدًا رويدا على مفاصل القرار في حماس حتى أحكموا السيطرة تقريبًا بشكل مباشر أو غير مباشر على معظم الأطر والهياكل التنظيمية في حماس، ولربما كان ذلك بدافع المواجهات والاعتداءات العسكرية (الحروب) التي كانت تقع من حين لآخر، ولربما كان ذلك أيضًا بفعل تآكل الصورة النقية لمن يشارك في الحكومة بشكل عام.
المحصلة أن غزة باتت مركز القرار في حماس، وأن العسكر باتوا مركز القرار في غزة، وبالتالي أصبح العسكر مركز القرار في حماس كلها، ولذلك تراجع تأثير العديد من القيادات البراغماتية التي خفت صوتها ولم تكن تجاهر بأرائها وأفكارها بسبب البنية التنظيمية لحركة حماس، ولعل الدكتور محمد المدهون أحد هؤلاء الذين صرحوا ببعض المسائل في هذا السياق بشكل فردي في لقاء صحفي مؤخرًا. وقد شاهدنا منذ زمن بعيد ابتعاد الخبير السياسي الانتخابي الذي لمع نجمه في انتخابات 2006 حين كنّا نقول المستشار القادم من أمريكا، ليصبح رجلًا منبوذًا، ومغردًا خارج السرب على صعيد القاعدة الحمساوية، وأقصد هنا الدكتور أحمد يوسف.
ولما سيطر العسكر وفكرهم السياسي المحدود والمنغلق والمتبني لرؤيتهم القائمة على التفوق العسكري الوهمي والنبوءات والقراءات الخاطئة للسنن الإلهية والعاطفة الجياشة حدث ما حدث، والنتائج ماثلة أمام الجميع اليوم، غير أن المتابع لنتائج الانتخابات يلاحظ أن غزة قد اختارت الخيار الإيراني باكتساح، فوسائل الإعلام تتحدث عن نسبة تصويت كاسحة لخليل الحية على حساب خالد مشعل الذي أعتقد أنه حقق تفوقًا واضحًا في الساحات الأخرى لكن هذا التفوق لم يكن كافيًا لسد الفجوة التي أحدثتها غزة والتي ربما لم تمنح خالد مشعل أكثر من صوت واحد، وعلى ذلك يمكن القول جغرافيًا أن الداخل حسم الأمر لصالحه، ومناطقيًا فإن غزة شكلت العنصر الأكثر حسمًا في الانتخابات وسياسيًا فإن التيار الأكثر تشددًا وانغلاقًا ومراهنة على الغيبيات والنبوءات انتصر في هذه الانتخابات، وتنظيميًا لا زال العسكر يرسمون الخريطة القيادية بعيدًا عن الأطر الأخرى.
ومن جهة أخرى يمكن القول أن هذه الانتخابات مثلت تنافسًا انتخابيًا حادًا بدليل أنها لم تحسم من الجولة الأولى، كما أن الفارق في النهاية لم يكن أكثر من صوتٍ واحد، وهذان مؤشران على حدة الاستقطاب بين الأكثر والأقل براغماتية، بين إيران المحور وبين البعد التركي العربي، وإن كان القول بأن الفارق في الأداء والسلوكيات والقرارات لن يكون كبيرًا لكن هذا لا يعني غياب ساحة التأثير والفوارق بالمطلق.
الخلاصة:
مثل انتخاب خليل الحية خبرًا سارًا لحماس غزة وكل من لا زال يستظل في أفكار السنوار، بينما كان خبرًا سيئًا لأولئك الذين هم أكثر براغماتية من الحماسيين وغيرهم على اعتبار أن هذا الانتخاب يعني أن الحركة تتصرف وكأنها في مرحلة ما قبل السابع من أكتوبر وكأن ما حدث ويحدث يجري في أماكن أخرى وليس في غزة المكلومة، وقد عزّز الخطاب الذي ألقاه خليل الحية عقب فوزه هذه القناعات إذ رأى البعض أن الحركة لا زالت تتصرف بطريقة تشي بأنها لا تدرك حقيقة ما حدث، وما يترتب عليه من آثار وأن آليات الخروج من المأزق لا تتم إلا باستخدام نفس الأفكار والأدوات وهذا أمر مستبعد بكل تأكيد.