تاريخ النشر: 2023-02-16 | 11:51
تاريخ النشر: 2023-02-16 | 11:51
تحتاج اللحظة الاردنية قبل غيرها, بل وأولى من غيرها, الى التوقف مليا امام سيناريوهات المستقبل الفلسطيني, وخياراتها امام ذلك المستقبل الذي يميل السيناريو فيه الى لحظة الانفجار الكبير اكثر من اي سيناريو آخر, وقد تصدى مركز القدس للدراسات السياسية بالتعاون مع مؤسسة كونراد اديناور, لهذه المهمة, على مدار ايام ثلاثة وبحضور خبراء من الاردن وفلسطين ومشاركة خبير الماني كميسر للورشة, التي شهدت حوارا عميقا ونوعيا, ربما هو الاكثر منهجية وحرفية تنظيمية مما شاهدت خلال المشاركة في كثير من هكذا ورشات عمل.
رغم طرح ثلاثة سيناريوهات محتملة, كانت على التوالي: «حافة الهاوية, الانفجار الكبير وسيناريو المخرج», كان المزاج العام للمشاركين اقرب الى سيناريو الانفجار الكبير الذي يعني المواجهة المباشرة بين الفلسطينيين والحكومة الفاشية المحتلة في فلسطين, انتفاضة ثالثة ستكون مسلحة بالضرورة, او فوضى عارمة في الضفة حال انهيار السلطة الفلسطينية المرجح في حال اقدام الحكومة الفاشية على مواجهة مباشرة مع الفلسطينيين وقواهم الحية والجديدة, وما سيرافق ذلك من تسريب بشري او هجرة الى الاردن, والاعتداء على الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية.
حدة التوتر ترتفع, واحتمالات التصعيد تتزايد, مع قرارات الحكومة الإسرائيلية بعمل عسكري على الحدود الغربية للأردن, مما يوجب استعدادا مبكرا للتعامل مع التطورات المتسارعة والخطيرة التي تتوالى على الضفة الاخرى لنهر الاردن, فحالة الانسداد السياسي تتفاقم, وحل الدولتين بات نكتة دولية سمجة, مع تآكل فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة, والقلق على امن الاردن واستقراره وعلى مستقبل هويته وكيانه بات مشروعا وواجبا, فضلا عن القلق على مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ومصير السلطة الفلسطينية, مما يستوجب الاستعداد للتع?مل مع مختلف الاحتمالات, واعادة ترتيب سلم المصالح والاولويات الوطنية.
دون شك كانت الآراء التي طرحها المشاركون مهمة وتنبع من الحرص الثنائي على الاردن وفلسطين, ليس بحكم تلازم المسارين الاردني والفلسطيني, بل بحكم العمق الوطني والتداخلي المصلحي والقومي, وبشكل ينادي بضرورة بناء تحالفات وتوافقات وطنية عريضة حول خيارات الاردن وبدائله للتعامل مع التطورات, واستحضار مكامن قوة الموقف الاردني وعناصر ضعفه ايضا, فليست الاوراق كلها بيد الاردن وليس الاردن وحده اللاعب الرئيس او صاحب القوة في تنفيذ ارادته, فأثر البيئة الاقليمية والعربية والدولية المتغيرة ستنعكس على الاردن حتما, لكن ذلك لا يعن? اننا لا نمتلك اوراق قوة نستطيع تفعيلها, اذا ما كان الجهد متناغما بين الشعبي والرسمي, وتبادل ادوار ممنهج ومتوافق عليها.
وهذا يتطلب بالضرورة توسيع خيارات الاردن وتنويع ادواته في المواجهة, وثمة اسئلة تحتاج الى اجابات جريئة من الاردن, كي نمضي في مسار المواجهة على اساس تعزيز الصمود والمنعة الاردنية لمواجهة حكومة فاشة تتعامل مع الموقف العام بمضمونية مقلقة نتيجة حالة التشظي العربي والانشغال الدولي بملف الحرب الروسية الاوكرانية ولاحقا زلزال تركيا وسورية, وهذا فتح شهية الحكومة الفاشية الى اتخاذ قرار سريع بالمواجهة لغايات حسم الصراع مبكرا, فلا ظرف افضل من هذا الظرف للحسم باقل كلفة واعلى نتيجة ممكنة, وبالتالي فإن فتح كل اوراق القوة ا?اردنية ضرورة وتضميد كل مواطن الضعف واجبة, ولا شيء مقدس في الاتفاقيات المبرمة مع الكيان الصهيوني, ولا شيء لا يمكن القفز عنه وتجاوزه اذا ما ازدادت الحماقة الصهيونية الفاشية.
(إسرائيل عدو أم...؟!)
لم يحضر سيناروها حافة الهاوية او الانفراج, كثيرا في المشهد النقاشي للورشة التي انعقدت على مدار ثلاثة أيام, بل ربما يكون الادق ان سيناريو حافة الهاوية قد تحالف عضويا مع شقيقه سيناريو الانفجار الكبير, وغاب تماما عن الذهنية سيناريو الانفراج, بمعنى ان المستقر في العقل والوجدان ان الكيان الغاصب يسير نحو حسم القضية والصراع, مستثمرا اللحظة الكونية الراهنة, بل أن الأقرب إلى تعريف الكيان الذي يرتبط الاردن معه بمعاهدة سلام ما زال على حاله قبل المعاهدة اي عدو, يمارس كل اشكال العداء والاستفزاز نحو الاردن الذي يسعى الى?درء مفاسده بالمعاهدة, واستثمار تلك المعاهدة الشؤم بتخفيف الاضرار على الاردن وفلسطين, وقد نجح الاردن في استثمار تلك المعاهدة لتقديم دور انساني في فلسطين كلها وقت الازمات, كما نجح في استثمارها كقوة اخلاق امام المجتمع الدولي.
حتى المعتدلين من الحضور, لم يعارضوا فكرة تصنيف الكيان العنصري كعدو, وإن كان ثمة اعتقاد بأن المعاهدة ضرورة اردنية في هذه اللحظة, لكن التوسع في التعاطي معها كشأن اقتصادي ومكاسب اقتصادية كان موضع رفض شبه عام, بل كان المطلوب الانسحاب الكامل من الاتفاقيات الاقتصادية التي تم توقيعها وعدم المشاركة في المسار الابراهيمي بكل اشكاله الاقتصادية والسياسية سواء فيما يعرف باجتماعات النقب او غيرها, بشكل واضح, يربط بين التقدم في احياء حل الدولتين وبين السير في هذه المسارات, فلا يعقل ان تبقى دولة الاحتلال على ممارساتها القم?ية ووأد حل الدولتين ونحن نسير في مسيرة اشبه بمكافأة الكيان على ممارساته العنصرية.
ربط التقدم في الانجاز على مسار حل الدولتين لم يقتصر على الاتفاقات الاقتصادية, بل تعداه الى ضرورة توسيع قاعدة العلاقات الاردنية مع اطراف اقليمية فاعلة وتحديدا السعودية وقطر والجزائر على المسار العربي, وايران وتركيا على المسار الاقليمي والصين وروسيا والهند على المسار العالمي, رغم تباين المواقف البينية الان سواء بين الدول المقصودة او العلاقات الاردنية مع هذه الدول, فليس من الضرورة ان نبني علاقاتنا الدولية على قاعدة واحدة او ان تكون علاقة مع دولة ما على حساب دولة اخرى, وبمراجعة سريعة وقريبة لتاريخ ونمط العلاقا? الديبلوماسية الاردنية, نجد قصص نجاح كثيرة في هذا الملف, حد الوصول الى علاقة مع الدولة ونقيضها او معارضيها بافضل التعابير السياسية.
استعراض ما جرى في ندوة مغلقة, لا يتعارض مع فكرتها او اهدافها, بقدر ما هي رغبة في ايصال حلول ومخارج من واجب مراكز الدراسات ومراكز التفكير, وضعها على طاولة القرار الوطني, الذي عليه ان يتلقف هذه الافكار ويراجعها ويبني على ضوئها موقفا داخليا متينا, يجد داعميه ومؤيديه اذا ما خرجت الامور عن سياقاتها, ومن الواضح ان الحالة الان على حافة الهاوية, ورمضان بابعد الاحوال سيكون لحظة الانفجار الاخير, فثمة مستقر في المدى العالمي كله, بان حل الدولتين قد مات, ويخجل كثيرون او ينتظر العالم من يعلن وفاته او يدفنه بوقار, والى ح?ن هذا الاعلان على العقل الوطني الاردني وليس الرسمي فقط ان يبحث عن حلول ومقاربات ترفع من المناعة الوطنية الأردنية الداخلية والمناعة الفلسطينية.
السيناريوهات والمستقبل.. الأردن وفلسطين
الفيروس لا يصيب إلا الجسد صاحب المناعة الضعيفة, وأزعم أن مناعة الاردن، شعباً وقيادة وجيشاً، أعظم كثيراً من أن ينال منها راغب بفتنة أو طامح في إضعاف, لكن ذلك لا يعني أن العمل على إضعاف المناعة الوطنية لا يسير بخطوات ثابتة ومدروسة بالضرب على المفاصل الحساسة شأن الجزارين أو اللحامين بلغتنا الدارجة, فلا يوجد مفصل حيوي لا يستهدفه فيروس الإضعاف, منذ موقف الأردن الصلب من «صفقة القرن» وما تلاها من فتن تناسلت من الفتنة الكبرى, وهذا يحتاج أكثر ما يحتاج إلى توافق وطني على أفكار خارج الصندوق والمألوف, ويحتاج أكثر إلى ?وزيع وتوسيع الأدوار بين مكونات وأطياف الدولة واللاعبين الوطنيين, معارضة ومؤيدين.
إن الاستعداد من حسن الفطن, سواء سار هذا السيناريو أو توقف مؤقتاً لصالح التهدئة التي يسعى إليها اللاعبون الفاعلون, بدليل موسم الحجيج إلى المنطقة, فما تحتاجه اللحظة الوطنية الراهنة والمستقبل الأردني هو نفسه الذي تحتاجه سواء سار السيناريو الأسوأ أم تعثر, فنحن نحتاج اليوم إلى مظلة يجري تحتها تذويب الهويات الفرعية والتجاذبات المناطقية والأثنية, ولدينا مشروع وطني قادر على إنتاج الحلول السياسية والاقتصادية, وهو مشروع خدمة العلم أو الخدمة الوطنية, الذي أثبت نجاحه في كثير من الأقطار التي تعيش ظروفاً مثل ظروفنا.
فرغم أن الصين لا تعتمد فكرة التجنيد الإجبارى في الجيش، لكنها صاحبة واحدة من أكفأ منظومات التدريب المهني عالي المستوى للملتحقين بالجيش، ومن هنا جاءت فكرة «جيش التنمية» التي تبناها «دينج تساو بينج» التي نقل بموجبها أهم قيم الجندية، وهي الانضباط من القوات المسلحة إلى ميادين العمل, وهو ما يجعل فكرة أن يلتحق الجندي بالقوات المسلحة لا يجيد القراءة والكتابة وأوليات الحساب، فيخرج مجيداً لها, ويلتحق الجندي بالقوات المسلحة بلا حرفة يجيدها، فيخرج منها مجيداً لها, ويلتحق الجندى بالقوات المسلحة بلا تدريب كاف في مجال تخ?صه، فتصقل القوات المسلحة مهاراته في تخصصه، فيفيد منها، وتفيد منه, وهذا ما طرحه المجتمعون بقوة, من بين كثير من الافكار النوعية التي تسعى الى توسيع مروحة العلاقات الأردنية الاقتصادية والسياسية.
فلسطينيا, بدأ واضحاً ان مشروع المصالحة الفلسطينية, صعب المنال حالياً, فقد نمت على سيقان الفرقة مصالح قوية لأطراف الصراع, وليس من المتامل أن يتنازل كل طرف عن مصالحه, لكن اقتراحاً جريئاً تم وضعه على الطاولة, وهو المطارحة السياسية على وزن مطارحة الغرام, فالمصالح اليوم للفرقاء الفلسطينيين قد تستلزم اتفاقا على الحد الأدنى, والأردن قادر إذا قاد مشروعاً على هذا المستوى أن ينجز فيه مسافة جيدة قد تكون البداية للمصالحة الشاملة, لكن هذا يتطلب الانفتاح على الكل الفلسطيني, بفصائله وقواه المدنية والنقابية, دون الانحشار ?ي زاوية السلطة الفلسطينية الضيقة, وهذا ممكن عبر ادوات شعبية وسياسية غير رسمية إن تعذر على السياسي الرسمي ذلك.
ما قدمه مركز القدس للدراسات السياسية من أرضية نظرية وما أسندته مؤسسة كونراد اديناور من إسناد لوجستي وتنظيمي, غني وثري, واظن المخرجات ستمنح العقل الرسمي والشعبي اضاءات تفتح مخارج وحلول تحتاجها اللحظة الأردنية والمستقبل الأردني, فالمشاركون من أصحاب الخبرة في مجال العمل الرسمي والشعبي والاقتصادي وممن يحملون ثقافة سياسية نحتاجها في كل وقت وليس في الأزمات فقط. .
عن الرأي الأردنية