الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

خيلنا تدوس المنايا ... خيلنا

خيلنا تدوس المنايا ... خيلنا

تاريخ النشر: 2026-04-20 | 11:24

وأنا أقلب في دفاتر الذاكرة والذكريات، استوقفتني تلك الكلمات التي كان يصدح بها الشعراء الشعبيون الكبار "خيلنا تدوس المنايا خيلنا" فارتد بي الحنين إلى عُمْر الصبا ،فقد كانت فيه الحكاية أبسط، والقلوب أصدق، والصوت الجماعي أقوى من كل تعب. هناك، في تلك اللحظات الدافئة، كانت الكلمات ليست مجرد غناء، بل وعداً خفياً بالثبات، ونبضاً يربطنا بأيام مضت ولم تغب، تعود كلما اشتاقت الروح لشيء يشبهها، ويعيد إليها يقينها بأن الطريق، مهما طال، لا يزال يسكنه الأمل.

"خيلنا تدوس المنايا خيلنا" ليست مجرد عبارة كانت تقال في لحظة حماسية عابرة، بل هي حالة شعورية كاملة تختصر تاريخاً من الصمود، وتلخص علاقة الإنسان الفلسطيني بالألم والأمل في آن واحد. هذه الكلمات التي تتردد في الأعراس، وفي لحظات الحزن، وفي محطات النضال، تحمل في داخلها ذلك التوتر العميق بين الخوف والتحدي، بين الموت والحياة، وكأنها إعلان دائم أن الإرادة يمكن أن تعلو فوق كل شيء، حتى فوق فكرة الفناء نفسها. عندما نقول إن "خيلنا تدوس المنايا"، فنحن لا نصف فعلاً مادياً، بل نرسم صورة ذهنية مكثفة لشعب قرر أن يتقدم رغم كل ما يحيط به، وأن يُحّول الخطر إلى طريق، لا إلى نهاية.

وعندما نستحضر سورة العاديات، نجد أن الصورة القرآنية نفسها ترسم مشهداً مهيباً مفعماً بالحركة والقوة ،لأن السياق قتالي لا جمالي فقط، خيل تعدو، تثير الغبار، وتشق الطريق بقوة لا تتوقف. الصوت، الحركة، الشرر… كلها عناصر تصنع حالة من الاندفاع الكامل، وكأنها تجسيد حي لفكرة أن الحياة لا تُنتَزع إلا بالفعل. هذا التداخل بين النص الديني والوجدان الشعبي ليس مصادفة، بل هو دليل على أن هذه الرموز تعيش في الوعي الجمعي وتعيد إنتاج نفسها في أشكال مختلفة، من الشعر إلى الزجل إلى الأغنية الشعبية.

هذه الصورة ليست جديدة على الوجدان العربي والإسلامي، فالخيل كانت دائماً رمزاً للقوة والكرامة والاستعداد. في الوعي الجمعي، الخيل ليست مجرد وسيلة، بل شريك في المعركة، وامتداد لإرادة الإنسان. لذلك حين ارتبطت الخيل بالخير في الحديث النبوي الشريف "الخيل معقود في نواصيها الخير"،لم يكن المقصود فقط الغنيمة أو النصر، بل تلك الطاقة الكامنة التي تدفع الإنسان إلى الاستمرار. وفي هذا السياق،تصبح عبارة "خيلنا تدوس المنايا خيلنا" امتداداً لهذا المعنى، فهي إعلان أن الخير لا ينفصل عن الفعل، وأن الكرامة لا تتحقق إلا بالحركة.

في التراث الفلسطيني تأخذ هذه العبارة بعداً إضافياً، إذ لا تنبثق من فراغ، بل من تجربة طويلة مع الألم. فهي ليست مبالغة شعرية بقدر ما هي توصيف صادق لحالة واقعية عاشها الناس، حيث يصبح التقدم رغم الخطر خياراً يومياً. ومن هنا نجدها حاضرة في الزجل الشعبي الحماسي، "الفرعاوي"، والردّات الشعبية، في زمن كانت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية في أوجها، إذ تتحول الكلمة إلى إيقاع، ويتحول الإيقاع إلى طاقة جماعية تدفع الناس نحو مزيد من التماسك. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الهدف مجرد التعبير، بل إعادة بناء المعنويات ورفعها، وتذكير الجميع بأن الانكسار ليس قدراً نهائياً.

تعبير "خيلنا تدوس المنايا خيلنا" هو صورة رمزية مكثفة من الأدب الشعبي الفلسطيني، تختزل معاني الشجاعة والإصرار وقوة الإرادة، وتعكس روح الاستمرار في الكفاح رغم الألم والانكسارات. فالدوس على المنايا هنا ليس فعلاً حقيقياً، بل تشبيه يعبر عن تحدي الموت والخوف، وعن الإيمان العميق بالقدرة على الصمود والبقاء مهما اشتدت الظروف. إنها عبارة تنبض بروح التحدي، لا تخشى عتمة القهر، بل تواجهها بعزيمة متجددة، لتؤكد أن الإنسان قادر على تجاوز المحن وصناعة الأمل من قلب المعاناة.

ومن هنا يمكن فهم ارتباط أغنيات أخرى بهذه العبارة مثل "ما بين حيفا وجنين، شدينا ظهور الخيل والخيل تشد وترخي تمحي ظلام الليل"، والتي غنتها فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية ضمن لوحات مرج ابن عامر، وهي من كلمات الشاعر وسيم الكردي، فهي ليست مجرد عمل فني، بل هي ذاكرة حيّة فالأغنية ترسم مساراً جغرافياً، لكنها في العمق ترسم مساراً نفسياً، حيث الخيل ليست فقط وسيلة تنقل، بل رمز للثبات والاستمرار. "شدينا ظهور الخيل" ليست جملة عابرة، بل إعلان جاهزية، واستعداد دائم لمواجهة الظلام والظلم. وعندما تقول الأغنية إن الخيل تمحو ظلام الليل، فهي تعيد إنتاج نفس الفكرة التي تحملها عبارة "خيلنا تدوس المنايا خيلنا" ، لكن بلغة فنية مختلفة.

ما يميز هذه العبارة أيضاً هو قدرتها على الجمع بين التناقضات، فهي تتحدث عن الموت، لكنها في جوهرها دعوة للحياة. هي تعترف بالخطر، لكنها ترفض الاستسلام له. هذا التوازن هو ما يجعلها قوية، لأنها لا تنكر الواقع، بل تعيد تفسيره. بدل أن يكون الموت نهاية، يصبح تحدياً، وبدل أن يكون الخوف عائقاً، يتحول إلى دافع. وهذه هي القوة الحقيقية للخطاب الشعبي، أنه لا يقدم حلولاً نظرية، بل يعيد تشكيل الشعور نفسه.

وإذا نظرنا إليها من زاوية أدبية، نجد أنها تعتمد على صورة بلاغية قوية جداً ،وهي الدوس على المنايا. هذه الصورة فيها قدر من "المبالغة" الشعرية ،على قاعدة يحق للشاعر ما لا يحق لغيره، لكنها مبالغة مقصودة،هدفها كسر حاجز الخوف. عندما يتخيل الإنسان أنه قادر على "الدوس" على الموت، فهو يعيد تعريف علاقته به، ويخرج من حالة التلقي السلبي إلى الفعل. وهذا بالضبط ما تفعله هذه العبارة، تنقل الإنسان من موقع الضحية إلى موقع الفاعل.

في السياق الفلسطيني، تأخذ هذه الفكرة عمقاً أكبر، لأن التحديات ليست مجرد أحداث عابرة، بل واقع مستمر. لذلك تصبح اللغة نفسها وسيلة مقاومة، وتتحول الكلمات إلى أدوات للحفاظ على التماسك. "خيلنا تدوس المنايا خيلنا" ليست شعاراً سياسياً بالمعنى الحرفي، بقدر ما هي موقف وجودي، يعكس إصراراً على البقاء، وعلى الاستمرار في الحلم رغم كل شيء. هي تقول بوضوح إن الطريق قد يكون صعباً، لكن التوقف ليس خياراً.

كما لم ينسَ الأسير ماهر يونس ، بعد أربعين عاماً من الأسر، أن يحمل صوته كما حمل صبره، ثابتاً وواضحاً، حين ردّ على اتصال الرئيس محمود عباس " أبو مازن" عندما اتصل به مهنئاً له خروجه من الأسر قائلاً للرئيس "يا طَلّة خيلنا من وادي عارة" لم تكن جملة عابرة، بل كانت اختزالاً لعمر كامل من الصمود، وامتداداً لذاكرة شعب لا تنطفئ فيه جذوة البقاء. في تلك اللحظة، بدا وكأن الخيل التي "تدوس المنايا" ليست مجرد صورة شعرية، بل حقيقة حيّة تجسدت في إنسان خرج من ظلام السجون وهو أكثر تمسكاً بالحياة، وأكثر إيماناً بأن الإرادة لا تُهزم. كانت كلماته إعلاناً هادئاً بأن الزمن، مهما طال، لا يكسر من تَشَبّعَ بروح الأرض، وأن من عاش أربعين عاماً خلف القضبان قادر أن يخرج منها كما تدخل الخيل المعركة، مرفوعة الرأس، لا تخشى المسافة، ولا تنحني أمام العتمة.

في النهاية، يمكن القول إن "خيلنا تدوس المنايا خيلنا" ليست مجرد جملة، بل خلاصة تجربة، وذاكرة، ورؤية. هي تعبير عن شعب لا يرى في الألم نهاية، بل بداية لمسار جديد. هي تذكير دائم بأن القوة ليست في غياب الخوف، بل في القدرة على تجاوزه. وبين الخيل التي تعدو، والغبار الذي يرتفع، والصوت الذي يصدح في الأعراس والساحات، تبقى هذه العبارة حيّة، تحمل معنى بسيطاً وعميقاً في آن واحد، أن الإرادة، حين تشتد، تستطيع أن تواجه كل شيء، حتى المنايا نفسها، وإن كان ذلك كتعبير مجازي .

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط