تاريخ النشر: 2017-08-06 | 08:49
تاريخ النشر: 2017-08-06 | 08:49
لما كانت الدبلوماسية علم وفن، فهي علم العلاقات الدولية وفن التعامل مع الغير، فقد استقرت أساليبها على أسس ومبادئ تسير عليها الدول بهدف توطيد أواصر صداقتها ورعاية مصالحها مع غيرها من الدول وأشخاص القانون الدولي كالمؤسسات الدولية المتعددة.
ومن هذه الدبلوماسية أنماطاً وأساليب تمارس في العلن وهي الدبلوماسية العلنية أو المفتوحة " Open Diplomacy" وأخرى تحاط بالسرية والكتمان وهي الدبلوماسية السرية "Secret Diplomacy"، وسوف نركز في هذا المقال على بيان هذين النوعين من الدبلوماسية من خلال تقديم أسلوبين دبلوماسيين كادا أن يتشابها في التسمية ويختلفان في الهدف والأدوات، وأعني هنا؛ الدبلوماسية في الظل "Diplomacy in Shadow" ودبلوماسية الظل "Shadow Diplomacy".
فيما يخص "الدبلوماسية في الظل" فهي نوع من الدبلوماسية العلنية أو المفتوحة والتي تمارسها أجهزة الدولة المختصة من كافة المستويات في الدولة بهدف توطيد علاقاتها الدولية ورعاية مصالحها مع العالم الخارجي ولكن تتميز دبلوماسيتها بالتكتم على تحركاتها وبالعمل في الظل بعيداً عن الإعلام ووسائله المتنوعة، ولعل خير مثال يمكن تقديمه كنموذج عن هذا النوع من الدبلوماسية؛ دبلوماسية الفاتيكان وهو دور يظهر بوضوح في بعض ما رشح من رسائل الخارجية الأميركية المسرّبة عبر "ويكيليكس"، والتي قد تُعبر عن حقيقة الدور الذي يلعبه الفاتيكان ودبلوماسيته تحديداً. فالرسائل تُظهر بشكل واضح اهتمام الدبلوماسية الأميركية بوزن كلام البابا في البلدان الكاثوليكية تقليدياً، كما تشير إلى أن الفاتيكان من الدول النادرة جداً التي لديها حضور بشكل أو بآخر في كل أنحاء العالم.
ومن الأمثلة المشهورة لنماذج هذه الدبلوماسية تدخلها في حل أزمة الصواريخ الكوبية في 1962 عندما وجّه البابا يوحنا الثالث والعشرين رسالة "السلام في الأرض"، نشرتها صحيفة "البرافدا" السوفياتية في صفحتها الأولى.
ومع حبرية يوحنا بولس الثاني (1978 ــ 2005) وقد تميّزت حقبته بنشاط دبلوماسي كبير، كالتوسط في حل النزاع بين الأرجنتين وشيلي حول "قناة بيغل" سنة 1979، وبين الأرجنتين وبريطانيا خلال حرب المالوين سنة 1982، لكن النشاط الأبرز كان لا شك الدور الذي لعبه البابا البولوني في بلده مع "نقابة سوليدارنوسك"، والذي ساهم في خلق صعوبات للاتحاد السوفياتي في بولونيا، إضافة إلى الدور الذي اضطلع به الفاتيكان في تفتيت يوغوسلافيا السابقة، بتحالف مع الألمان والأمريكان تحديداً، بهدف خلق دولة مستقلة للكروات الكاثوليك وإن على حساب انهيار يوغوسلافيا وما رافقه وما تبعه من نتائج سياسية وديموغرافية بالنسبة إلى الصرب خاصة. إضافة أيضاً إلى زيارة البابا لكوبا في كانون الثاني 1998، وموقفه من «حل الدولتين» في الشرق الأوسط وعلاقته بمنظمة التحرير الفلسطينية، من دون أن ننسى الموقف الحازم من اجتياح العراق عام 2003.
هذا النشاط الدبلوماسي لا يقتصر على مستوى رأس الكنيسة الكاثوليكية بل شارك ويشارك فيه شبكة كبيرة من المبعوثين البابويين الذين يعتمدون على ملايين من الكاثوليك، أما العامل الثاني الداعم لنجاح هذه الدبلوماسية اعتمادها على عامل الثبات والوقت ووحدة الخطاب في خطوطه العريضة؛ مع إصرارها على إحاطة دبلوماسيتها بالتكتم والعمل في الظل.
أما النوع الثاني والذي يعتبر من أنواع الدبلوماسية السرية؛ هو دبلوماسية الظل؛ والتي يمكن تعريفها بأنها نوع من الدبلوماسية السرية والتي تُعهد مهمتها إلى شخص قريب من رئيس الدولة أو رئيس الحكومة وفقاً لطبيعة ونوع الحكم في الدولة بهدف القيام بتلك المهمة بعيداً عن القنوات الرسمية في كل من البلدين المعنيين بتلك المهمة أو القضية وكثيراً ما يكون المكلف بتلك المهمة من ذوي الخلفية العسكرية أو الأمنية؛ وهناك العديد من الأمثلة لمثل هؤلاء الأشخاص في وقتنا الحاضر؛ منهم الجنرال عشقي مهندس العلاقات السعودية مع الاحتلال، جون كيري في العديد من المهام في آسيا ومع إيران تحديداً وهو ذو خلفية عسكرية قبل انضمامه للخارجية الأمريكية، لكن هنا يمكن أن نقدم نموذجاً حديثاً حدث أثناء أزمة المسجد الأقصى المبارك حينما حاول ناتنياهو أن يستغل رجل الظل خاصته المحامي يتسحاق مالخو في محاولة تمرير قضية البوابات الإلكترونية ولكن القيادة الأردنية وقفت إل جانب القيادات المقدسية والرئاسة الفلسطينية في إحباط المؤامرة.
ثم كانت المهمة الإسرائيلية الثانية لرئيس الشاباك، نداف أرغمان الذي تدّخل لإنهاء أزمة السفارة الإسرائيلية في عمان بعد قيام رجل الأمن فيها بقتل أردنيين، والتي لازالت تتفاعل على كافة المستويات بين البلدين حتى يومنا الحالي.
ختاماً، علينا أن ندرك طبيعة الأنواع المتعددة واللامحدودة للأساليب الدبلوماسية التي تتبعها الدول في تنفيذ سياستها الخارجية والتي تتطلب الكثير من الحكمة والحنكة في نفس الوقت؛ والتي تحتاج إلى الأشخاص الأكفاء للتعاطي معها؛ فلماذا نجد أن الكثير من سياساتنا تنشر في الإعلام عبر قيادات من الصف الأول لتعلن أننا في سبيل القيام بكذا وكذا؟
هل من الحكمة الإعلان عن توجهنا للمحكمة الجنائية الدولية؟!
وهل من الحكم الإعلان عن نية التقدم للأمم المتحدة لنيل العضوية الكاملة في المنظمة الدولية؟!
هل المقصود أنه على أعدائنا وخصومنا أن يتجهزوا لإفشالنا؟!
أما أن الحقيقة أننا نشك في قدرتنا وإمكانياتنا؛ ونجعل الأمر يبدو ابتزازاً؛ يقع منا أو علينا!
الدبلوماسية في أصدق أو أسوء صورها لها أساليب محددة يحترمها العالم؛ آن الوقت أن نجيدها دفاعاً عن حقوقنا ومن أجل تحقيق مصلحة الوطن العليا بالأمانة المطلوبة، ولعلنا نمارس دبلوماسيتنا في الظل من أجل النجاح في تحقيق أهدافنا المشروعة بعيداً عن بعث عوامل الفشل فيها.