موجة من التصريحات الإعلامية على ألسنة قادة حماس تتناول العلاقة مع النائب محمد دحلان ، وكل منهم يُغني على ليلاه وبالطريقة التي يراها مناسبة وتخدم مصالح حركته وتعطي التفسير الذي يوجه الرسائل المطلوبة على أكثر من صعيد ،غير أن التسابق على تناول العلاقة الحمساوية مع النائب دحلان لم يكن عبثياً أو إرتجالياً بل يأتي في سياق مبرمج وموجه لخدمة أهداف بعينها ، وينطلق من إعتبارات مختلفة وحسابات سياسية وتنظيمية وجماهيرية ، إذ أن حماس تدرك جيداً بأن دحلان الحالة الرمزية والظاهرة الميدانية بحضورها التنظيمي والوطني لا يمثل شخصه فقط ، بل هو عنوان في المعادلة الوطنية لا يمكن تجاوزه سواء أحب البعض ذلك أم كره ، يضاف له التأثير العربي والإقليمي والقدرة المفتوحة على تحمل المسؤولية في الشأن الوطني وتسخير منظومة العلاقات الدولية التي يتمتع بها مع مفاتيح القرار في المنطقة من أجل خدمة القضايا الوطنية .
من هنا تحاول حماس ممارسة الإستثمار السياسي في المسألة ضمن حسابات دقيقة وهي تدرك ألا خصومات سياسية دائمة بل المصالح هي التي تحكم الفعل السياسي وتحدد وجهته ومفاعيله ، لذلك ليس من المستغرب حدوث هذه التحولات التكتيكية في موقف حماس إتجاه دحلان والانتقال من مربع الشيطنة والتشويه الذي تعرض له منذ سنوات طويلة بشكل مكثف ومركز من قبل حماس إلى فرضية العلاقة الممكنة والقابلة للتطور حسب المعطيات والمتغيرات على الساحة الفلسطينية ، حيث بدأت هذا التوجه منذ زمن غير قليل بالسعي لفتح قنوات إتصال خلفية مع خصمها اللدود/ دحلان / بالرغم من العداء غير الخافي على أحد بين الطرفين ومنطلقاتها الآنية هي : -
1- تسعى بشكل واضح ولا تخفيه من أجل توظيف وإستثمار الخلاف الداخلي في حركة فتح بين الرئيس عباس والنائب دحلان ، والبناء على هذا الموقف التكتيكي بهدف إستفزاز وتهديد الأول بوجود خيارات لديها ودفعه لتقديم تنازلات لحماس أو الإستجابة لمطالبها من منطلق إدراكها لحجم الحساسية الزائدة التي يبديها عباس في حربه المفتوحة ضد دحلان .
2- تدرك حماس جيداً الحضور القوي و المؤثر لدحلان جماهيرياً ليس في قطاع غزة فقط بل أيضاً في الضفة الغربية والساحات الأخرى وما يمثله من ثقل على المستوى الفتحاوي والوطني بشكل عام لا يمكن تجاهله في رسم معادلة النظام السياسي الفلسطيني مستقبلاً .
3- تتطلع حماس للإستفادة من حضور دحلان على المستوى الإقليمي في تخفيف الضغوط الموجهة ضدها من المحيط العربي بعد سقوط التجربة الإخوانية في مصر وما نتج عنها من إرتدادات قاسية عليها جراء مواقفها غير السوية ورهاناتها الخاسرة وإرتباطها العضوي والتنظيمي مع الجماعة الإخوانية الأم التي تعيش أسوأ ظروفها منذ تأسيسها .
4- ترى حماس بأن دحلان قادر على تجنيد الدعم والمساعدات الإغاثية للمواطنين في قطاع غزة من خلال شبكة علاقاته الواسعة مما يساهم في الحد من تصاعد النقمة الجماهيرية عليها بعد الحرب العدوانية الأخيرة .
5- تحاول حماس عبر سلسلة التصريحات المتلاحقة بخصوص العلاقة مع دحلان تهيئة قواعدها التنظيمية وأنصارها لإمكانية تطورها مستقبلاً إلى شكل قد تفرضه المتغيرات السياسية على الساحة ، علماً بأنها قد أجرت نقاشا داخلياً بهذا الخصوص على مستوى الأسر الإخوانية من خلال جهاز الدعوة .
6- تؤكد المعلومات أنه سبق الموجة الأخيرة من التصريحات الحمساوية العديد من الإتصالات واللقاءات المباشرة وغير المباشرة عبر العديد من القنوات الخلفية مع قيادات حمساوية من الصف الأول والثاني حتى فترة قريبة كانت حماس لا تنفيها ولا تؤكدها إلى أن بدأت الأمور تنضج تدريجياً للتصريح بها والإعلان عنها .
7- تعتقد حماس بأن العلاقة مع دحلان تعد مسألة جوهرية لإتمام الشق الأهم في المصالحة الوطنية وهو تسوية القضايا المتعلقة بنتائج وأثار الإنقلاب الدموية وإتمام المصالحة المجتمعية التي تؤرق قيادات وعناصر وازنة في الحركة تورطت في قضايا القتل وإستباحة الدماء في الفترة الماضية وتخشى الثارات العشائرية وإنتقام ذوي الضحايا ، فهو كان عنوان المرحلة ومن أولياء الدم ، وتدرك حماس أن هذه القضية لن يحلها عباس أو غيره ممن هم في الواجهة الفتحاوية والرسمية بدون دحلان .
8- حماس أيقنت بكل دليل أن تجربتها في الحكم وصلت إلى طريق مسدود بعد فشل ذريع وفق كل التقديرات القائمة ، ولكنها تبحث عن منافذ ممكنة لتقليل حجم الخسائر ، ومحاولة التحلل من آثام التجربة وفتح صفحات جديدة في العلاقات الوطنية دون التخلي عن إستراتيجيتها ، علاوة على أن دحلان خصم لا يستهان به في المعادلة الغزية وإذا ما تقدمت خطوات المصالحة الوطنية فإنه أكثر الرابحين فيها بلا أي مقابل وتوفر له قوة دفع جماهيرية وساحة إسناد رئيسية كان يفتقدها خلال المرحلة الماضية .
9- هناك شعور داخلي في حماس بأن الرئيس عباس لايريد إتمام المصالحة ودفع إستحقاقاتها بل أكثر من ذلك غير مستعجل في تحمل أعباء قطاع غزة ومواجهة التحديات الجسيمة المتراكمة على كاهل أهله والغوص في مستنقع المشكلات القائمة ليس مع حماس فحسب بل أيضا مع حركة فتح في القطاع وهذا الشعور يتعزز يوماً بعد يوم لدى قطاعات واسعة في الحركتين كل لإعتباراته وحساباته الخاصة .
10- حماس ترى أنها قادرة على توفير مساحة للحراك الميداني والتأثير المباشر يحتاجها دحلان والتيار الداعم له في قطاع غزة لتعزيز نفوذه على الأرض في مواجهة الحرب الإنتقامية التي يشنها الرئيس عباس ضدهم لا يمكن توافرها دون توافق مع حركة حماس صاحبة السلطة الفعلية هناك .
11- تؤمن حماس بأن أي تعاظم لنفوذ دحلان وقدرته على التأثير وحشد التأييد الشعبي في القطاع لن يكون على حساب قواعدها الجماهيرية وأنصارها ، بل يساهم في تعزيز حالة الصراع الداخلي في حركة فتح وإضعاف قوتها في أي معارك إنتخابية قادمة ، كما أن أي مكاسب يحققها دحلان ستكون من رصيد عباس المتآكل في غزة كنتيجة طبيعية للممارسات والسياسات الخاطئة والإهمال الشديد الذي يمثل جوهر السياسة المتبعة في التعاطي مع قضايا وإحتياجات القطاع من جانب السلطة في رام الله .
لكن المسألة الأهم ضمن تلك السياقات المختلفة والمناورات السياسية والإعلامية ليس ما تقوله حماس أو ترمي لتحقيقه من أغراض ، بالرغم من أهميته ومدلولاته و ترجماته الميدانية ، بل ماهو موقف النائب والقيادي دحلان في كل ما يطرح؟!! ، وإلى أي مدى يمكن أن تصل تطورات تلك العلاقة وآفاقها المستقبلية والضوابط والمعايير الخاصة بها في الوقت الذي لا يخفي دحلان موقفه الثابت من رفضه لظاهرة الإسلام السياسي الذي تمثل حماس أحد إمتداداته الإخوانية الهامة ، لدرجة الإنخراط في مواجهته ضمن جبهة واسعة من التحالفات الإقليمية مما يجعل قضية العلاقة مع حماس غاية في الحساسية وليس بالأمر السهل بالرغم من حنكة دحلان وقدرته على السير في حقول الألغام بجسارة ، ناهيك عن المخاطر المرتبطة دون شك في الحرص الشديد الذي يبديه على فتحاويته والحفاظ عليها والوفاء بمتطلباتها المختلفة بالذات ما يتعلق بحقوق ضحايا الإنقلاب الدموي والانتصار لكرامات الناس التي دفعت ثمناً باهظاً خلال الفترة الماضية والمحافظة على الصورة المرسومة له في أذهان الكثيرين وتحديداً الأجيال الشابة التي ترى فيه المنقذ وخشبة الخلاص من الواقع السيء ،بالإضافة إلى ضرورة السعي المتعدد الوجوه من أجل تقديم ما أمكن من خدمات ومساعدات لتخفيف معاناة أبناء شعبه ، وفي أحد تصريحاته الإعلامية مؤخرا ذهب دحلان للوقوف في المنطقة الساخنة و ألقى في الملعب السياسي الفلسطينى قنبلة موقوتة قد تفتح ثغرة في الجدار عند إنفجارها تمهد لخلق توازنات و إصطفافات جديدة على الساحة عندما أشار إلى فشل حماس و عباس خلال الفترة الماضية في التصدي لمعالجة الهموم و مواجهة التحديات الفلسطينية ، وكأنها دعوة للبحث عن خيار بديل للتجربتين الفاشلتين للطرفين حسب تقديره ، وهو ما يحسب حسابه بقوة إذا ما قيض له أسباب النجاح وهي كثيرة بلا شك في ضوء تراكم الإحباطات وما تتعرض له القضية الوطنية من مخاطر جسيمة ؟