تاريخ النشر: 2016-11-01 | 22:04
تاريخ النشر: 2016-11-01 | 22:04
سيرة الكاتب الأدبية:
___________________
(شفيق التلولي).. كاتب فلسطيني، رحَّال، يكتب رحلته مع حبيبته، بين مدينة الشام ومدن أخرى ويَرمُز لها بأسماء وأحداث تاريخية،
كُرِّم الكاتب المبدع (شفيق التلولي)، بدرع حفر عليه اسمه ليُخلد اللحظة، ويمجّد المناسبة.. ووَقَّع روايته البكر على موجة متروكة لدمشق في بحر غزة،) [1]
وهو شاعر فلسطيني مناضل، يكتب القصة والرواية والشعر، صدر له: 1(رواية النصف الآخر)،2 ومجموعة قصائد: (على ضفاف القلب) والتي تعبِّر عن ألمه ووطنه، وهي إهداء لأخيه الشهيد، أما (حلم في فصل الرماد) تتراوح القصة بين الصفحة إلى الصفحتين متباعدة في السطور متقاربة في المعنى..، ذَكر بأنها ستكون من بين مجموعته القصصية الجديدة (فصل الرماد)؛ لذا اخترت أن تكون قصة (حلم في فصل الرماد) هي الدراسة النقدية الأولى لي من بين أعماله الأدبية؛ كما أنها تعتبر أول قصة قرأتها له و تتميز: أنها قصة بدون بداية ، وأنه يحرك فيها العامل الحسِّي بالمشاعر والدهشة والمفاجأة والحدس والدلالات البلاغية ،وفي النهاية يركِّز على الرموز القويَّة المتتالية والأحداث التاريخية ، والتي جعلت قصته تعكس فكرته ما بين الرمز ، والتعبير ، والواقعية ، ثم الرومانسية ،ثم الدراما الوطنية والتاريخية ، فأثمر عنها تداخلاً وتمازجًا جيدًا في الادوات المستخدمة في التعبير و اللغة السردية .. وهذا يُحسب للكاتب (شفيق التلولي) حيث يمثّل الحياة بسلاسة وانسيابيّة وتناغم حسِّي ومرئي، وواقعي وخيالي، مِمَّ ساعده للوصول إلى حلمه.
مقدمة
ـــــــــــــــــــــــ
القصة تبدو لي وكأنها ولادة لروايته الأولى (النصف الآخر) والتي شدَّتني لتحليل أسلوبه الجديد بحُزنه وفَرَحه، وهي -دراما رومانسية وطنية- اعتمد فيها الكاتب -شفيق التلولي- على ألحانه وإيقاعه - الحْسّي السَّمعي – في النص الأول، ثم تابع- بالحواس الأخرى -في المراحل التالية ،والتحليل سيكشف لنا ذلك ، ممَّ ساهم في التخفيف من رتابة السرد ودفع الملل عن القارئ ؛ لذا يشدُّ انتباه القارئ من خلال الأشكال الأدبيّة والبلاغيّة ،و يستعير –أشياء- تقوم على التمثيل والوجوه الأسلوبية والسَرد، والتي يمثل فيها أبْطاله -بالطبيعة والأمكنة الزمانية -ليسْرُد حُلمه بأسلوب جديد يحلِّق به لعالم آخر ،(حلم في فصل الرماد) تعتبر قصة قصيرة، ذكر بأنها ستكون من بين مجموعته القصصية (فصل الرماد)؛ لذا اخترت أن تكون هي الدراسة النقدية الأولى لي من بين أعماله الأدبية ، وقد نشر لي الكاتب -قراءتي الأولى للنص-، في مجلة- دنيا الوطن- حينما ذكرت أنها : بحر عميق تحتاج لنقد مركز ، لأن الكاتب يصنع له وللقارئ أسلوب متنوع جديد وقارب مختلف يتجول به لكل مكان مع خياله.[1]
----------------------------
وقبل أن نرحل معه لهذا الحلم، يجب أن نعرف من تكون حبيبته في هذا الفصل الرمادي هل هي (مدينته ووطنه) أم هي(منى) ومن تكون منى، كما يسرد لنا في قصته -الرومانسية، والدراما الوطنية-، منذ مسقط رأسها إلى رحلته التي يأخذنا إليها، وعن مراحل يوجزها في
لحظات ، معتمداً فيها على التكثيف فكرًا ولغة وشعورًا، ممَّ أمكنه بذلك نقل مشاعره الدافئة والجياشة للمتلقي؛ ليلائم روح العصر الذي ينقله لنا بسلاسة ؛ حتى نصل إلى لون نهايته وقفلته ،التي ستكشف لنا عن قوة وصلابة المعنى ،وعن تماسك مراحل القصة، وسنرى ذلك من خلال أسلوبه الجميل ،الذي يتميز في بلاغته ،ولحنه العذب الرقيق للنص الذي يصفه في حركة دائبة لا تهدأ تخرج من خلال أصوات الطبيعة والأجراس المتمثلة في حياة الإنسان الثائر ودمار وطنه ، فيُلْبس المرأة الأساور، والخلخال ،والشال وأشياء مختلفة ، ترمز لصوت الحب و الوطن ،والتقاليد.
فالسارد يتابع بخفة سَرد الخبر.. والقصة مبتدأً بمشاعر الخوف، ودون تكلف يُخْفي ولا يَخْتَفي، ليحصل على المستحيل،
إلى درجة أننا نشعر أن كل مقطع من القصة- ومضة ولقطة- ، ترتبط بروح واحدة زمانية ومكانية ،حيث تكتسب -الطبيعة-أهمية ملموسة على -المستوى الإنساني- في قصته بأسلوب فني لتكون هي نمط الحياة ،والتي يحرك الكاتب بها أبطال حلمه وقصته مستخدمًا الفعل -المضارع مثل- تَلْسع - على وزن أفعل - مع حبيبته ليعود بها للماضي مثل -كنت – ثم يجره للمستقبل ويتسلق بالتسويف مثل –سأغلق- والذي يفيد المستقبل ، ويستعين بالأسماء والإشارة –ويتعلق بالضمير -ليُخفي ولا يخَتفي فيكون له حضور عند القارئ وهكذا تتنوع قصته المركبة لأفعال وأسماء وجمل بلاغية ..و لغوية ..متعددة.
___________________________________
أولا: العنوان
((حلم في فصل الرماد))
في البداية العنوان غير مَرئي ومُحلق، مركَّب، مَجهول ، يَستخدم الكاتب فيه : عنصر الزمان ، يلونه بلون حزين رماديْ، ومن يقرأ له ..يلاحظ أنه يميل للعنوان -المركَّب- أو للعنوان المكوَّن من مفردتين وأكثر- وهذا ليس بسهل ، كما أن - مكان -العُنوان غير مُحدد ، و- الزَمن- مُبهم ،- فالسنة تتكوَّن من-أربعة فُصول - ؛ لكن يخَرج كاتبنا عن مدار الكرة الأرضية ؛ليصنع له رؤية مرئية وأشعة شمسِيَّة تسقط على صلب المعنى ، ثم بعشْوائية يَمْتَصْ طيْف -العنوان- مستعينًا بمحبرته الرماديَّة، مما يجعلنا نشعر أن- فصل الرماد -في كل فصل من فصول السنة ، فيبدو العنوان في قصته كمحور حول - الأرض- بدورانه ، لكن تختلف زاوياه بسقوط أشعة شمسه على أكثر من مكان يَمحي فيه فصول ويُخفي أخرى ؛ليعيد بنفسه التاريخ ،فتظهر لنا مراحل قصته المتحركة، وحَوْل العالم الحزين والأسير يُرسل لنا الكاتب ابتسامته وحُبه، وهذا -تناقض- جميل بين- حُلمه ورماد قصته -..
أتساءل هل هو فَصْل لا تتحقق فيه الأحلام!
إنها طريقة جميلة وذكية من الكاتب لشَدْ انتباه القارئ إلى -السطور التالية -من خلال مدار قصته، مما يجعله يرفض ما هو كائن، ويلاعب المعنى من خلف اللفظ، إن كان ذلك فهذا يعني أن (عنصر التشويق) متوفر،
ويبدأ من العنوان (باستخدامه كلمة: حُلم) التي يَجُرُّ بها حُلمه المستحيل لمرحلة من حياته..
فيوحي للمتلقي أن العنوان فيه نوع من الاستنكار والتعجب، وعلى الرغم من ذلك إلى أنه لا يضع أي علامة تدل على التعجب (!) - برأي – يريد بذلك أن يَصِل العنوان مباشرة بالنَص، مما يدل على الرفض والمعارضة القوية.. وهذا يساعده أن تكون -لغة القصة أبسط - إنه أسلوب -شفيق- الجميل المتميز به، ومع التشويق والغموض يغلف العنوان بدائرته القصصية العكسية؛ ليزداد حماس القارئ
أيّ حياة هذه التي سيحكي لنا عنها في -قصة قصيرة- هل هي حزن أم حُلم؟
ويقف القارئ بكل حيرة أمام السؤال قبل أن يبدأ، لذا نشعر بجاذبية تأخذنا مع هذا العنوان المحلق.. فتتوفر (الدهشة) القوية، ولأن الكاتب يكتب في (عصر مبهم لحلم ولزمن مبهم) يزداد شوق القارئ وفضوله، فالعنوان يكشف لنا عن علامات تدلنا عن طبيعة النص، لأن القصة والمدينة الحالمة هي الهوية المكانية المركزية التي قهرت الحلم، فكان المكان هو البطل في القصة، والزمان هو فضاء القصة، والرمز المعنوي هو فصل الرماد.
ثم تتسلسل الحروف من العنوان بمعنى وبفكرة ولغة بسيطة؛ لتجري بانسياب وبصعود كتسلسل الماء في السهول
برأي: أنه لا يبالي -بالمقدمات- ولا يستخدمها لأنه يعتمد غالبا عليها في العنوان، لقد اتَّكأ على حلمه الذي سَيسْرده لنا -بجمال بلاغي- في كل مقطع في النص المحكي،
والذي يمثل فيه جزء كبير من القصة، من: حالة الشخصيات، والمشاهد، وقبل أن نخرج من- عتبة العنوان- نستمع إليه إحساساً وصورة، حيث يطرح لنا فيه غموض لذيذْ يَبعث فينا فضولاً ،ويجذبنا نحو قراءة النص بإصرار، فهو يَحْفل بمكونات إيقاعية تمنحه جرسًا جميلا، إن الحلم يتيح له إمكانات سردية لا نجدها في الواقع؛ ولأن العنوان ذو طبيعة مركبة ومعقدة، تتحد فيها المتناقضات، وتذوب فيها الحدود بين - المنطق و الا منطق- في فصل الرماد- إلى درجة أن السارد يستثمر فيها -الحلم-؛ حيث يمزج بين رغباته وأمنياته في إعادة تشكيل العالم؛ ليمنح النص طاقة خيالية مما أعطى له رونق جميل مميز.
نص من القصة:
--------------------
أخاف عليك من حرارة الشمس أن تلسع وجهك الجميل، وتُلون شعرك الأشقر الناعم الكثيف، وتدمع هذه العيون التي تطاردني كل ذهاب وإياب، دعك من الإنتظار لن أمر بك اليوم، والآن سأغلق نافذتي الشرقية وأغادر، فكما ترى الشمس لاهبة، وأنت كذلك أرجوك لا تدعها تضرب رأسك
ثانياً: قراءة معنوية وسردية أولى
_____________________________________
وفي هذا النص نلحظ التداخل بين الحالة الداخلية.. والخارجية وكيف نجح الكاتب في تبيانه في صورة فنية عميقة الدلالة
يكتب الكاتب -شفيق التلولي -النص بأسلوب سَرد الخبر، ثم يَرُد بمشهد آخر يُفسّره؛ أي أنه يَحْكي لنا القصة ويَسْردها- بتقديم مرحلة وتأخير أخرى - فمثلاً يقدم -الخِطاب -النثري عن- الهاتف-؛ ذلك الهاتف الذي بسببه كانت بداية العلاقة لعدة أسباب، وذلك ليجعل القارئ يتخيل أنها علاقة قديمة بين البطل والبطلة، فيُثْبِت وجودها في الساحة، مِمَّ يجعل الخطاب مجهول، مُحير، إمَّا بلقاء أو رسالة!
ثم يمزج الكاتب صوت البطلة بصوت البطل؛ ليحتار القارئ من أين البداية، ومن بادر بالحديث، هل (هي أم هو)! مَن (خاف ومَن انتظر)
كل هذه الأسئلة تُحيّر القارئ، والتي جعلتني أعيد النظر - بالمعنى العام-،
ولو رَكّزنا على الحديث في البداية نجد أنه صوت -البطل- وهذا طبيعي، خاصةً وأنَّ قلمه قلم كاتب-، وبعد الخوف يأتي الانتظار لتبعده- البطلة -عن مكان الانتظار -ثم يأتي (التأكيد)؛ بأن الصوت صوت امرأة؛ لأنها تقول له غادر، ثم نصطدم -بضمير الخطاب والإشارة -من خلال صوت البطل وهو يقول (أنت كذلك) فنكتشف أنه
كان على تواصل معها ولكن بصَمْتْ، وأنها هي التي بادرت ،خاصةً وأنه سمع الحديث من خلال - ثقوب الهاتف- ؛غير أنه رد بجملة (واحدة :وأنتِ كذلك) ..ثم يقول :أن هذا الخوف جاء منها ،ويؤكد لنا أنه سمع صوت خلخالها ؛وكأنه يريد أن يقول :أن خشخشة الصوت آتٍ من مكانها الذي تتحدث منه ،ونفهم بهذا أنها -تخاف وهو ينتظر- ، وأنهم اتفقوا على البعد والانفصال لفترة ؛حتى تغيب الشمس الحارقة ، لكنه لم يكن يعلم أن خوفها عليه هو خوْفهُ عليها، وهكذا نفهم أنه -لم يبادر في الكلام- لأنه هو نفسه تفاجأ بجرأتها على الرغم من خوفها، إن (عنصر المفاجأة والدهشة) يبدأ من أول كلمة ،فالبطل متفاجأ من جرأتها وفراستها ،ثم يحدثنا بجمال ودقة، عن حركات يسمعها ولا يشاهدها، من خلال صوت الخلخال ؛وكأنه يسمع صوتها ويتخيل شكلها، فالكاتب استعان بالخلخال ليؤكد لنا أنها هي التي بدأت ، مما أدى إلى وجود حركة و اهتزاز من خلال ثقوب الهاتف ، حتى تميزت قصته : بالحسْ السَّمعي، كما وأنها أصوات نابضة دائريَّة حلزونيَّة ، خرجت من -خشخشة الأساور- ،وجعلته يُحوِّل الشيء الجامد إلى روح بأنفاسها واستخدامه -لثقوب الهاتف- و هو تشبيه لثقوب القلب، وكصوت الأمواج وهي تتابع وتتقاذف بذبذبات هوائية نابضة ، بينما الوضع بالنسبة -ل مُنى -حِسِّي ومَرْئي- وإلا ما استطاعت أن تحصل على -رقمه- من خلف النافذة فهي تَتَجَسَّسْ عليه وتراه وهو لا يراها ،مما أعطى -تناسق بين الشكل والمعنى- في حركة القصة.
نافذة عكسية وسلبيَة
من الواضح أن النص الأول يبدأ بلسان البطل وما أن يتوقف الكاتب عند الانتظار إلا ويوجه بوصلته للبطلة لأن الرد : يقول دعك من الانتظار سأغلق نافذتي الشرقية فكما ترى الشمس لاهبة ..فليس من المعقول أن يكرر الكاتب الشمس مرتين إلا لصوتين أو شخصين ...فتوجيه النص لشخصين لم يكن بصالحه وذلك لأن القارئ سيقف عند هذه النقطة ويعود ثانية ، لكن الإعراب يكشف ذلك مع التكرار والمؤنث والمذكر يفصح عن سرد الخطاب ، والشمس يستخدمها ساعة للجمال ،وأخرى للهيب والاحتراق نستطيع أن نقول أن – شادي- يخاف عليها- ومنى- تمنعه من الانتظار .في النص الأول.
ثالثاً: قراءة نثرية وروحية وبلاغية
_________________________
ينطلق الكاتب (شفيق التلولي) بهذه القصة: بروح الخطاب النثري الذي سينسجه كقصة قصيرة، إذ يبدأ كاتبنا وكأنه
يرسل خطاب بيده ، ونشعر أنه واثق بأن الكلام سيصل إلى -مُنى- على الرغم من مبادرتها، فهو يعرف مكانها وهو يشعر بها وإلا ما خاف عليها، فكاتبنا يحرك المشاعر ..من أول كلمة وكأنه يستشعر الخوف من بعد الحلم ، بل كأنه يخاف على منى أو المدينة أن تحلم
بحلم يفوق مقدار (حرارة الشمس) ؛حتى لا تحرق الشمس وجه الأرض أو حبيبته في المكان الذي تقف تحته فيموت حلمه ، لكن فجأة يكتشف القارئ من خلال الهاتف أن خوفها أكبر ،وأنه
يستعير من ضمير المخاطب الخوف ويستشعر به حبه وكأنه يقول (إني) ثم يخفيها كي لا تتعرف عليه ، فهو يبرر مشاعر الخوف بحبه ولا يريد أن يفقدها، ثم يستعير من( الطبيعة :الحرارة واللون ..) في أكثر من مقطع، وهذه (استعارة تشبيهية) فيقابل الشيئين بالشيئين، والكاتب يُلبس (الطبيعة الإنسان) يبدو أن الطبيعة برموزها المختلفة هي الحلقة المكانية الحساسة، والتي التقطتها عدسة القاص (شفيق التلولي،) ثم عصف بها كل ما كان فيها.. من أحلام ..و من يأس -أيضا- ؛لأنه يستخدم الفضاء ،والشمس، وأمواج البحر ، والقمر ، والنجوم ، وهبوب الرياح، والنبات من ياسمين ، وكأنه يخبرنا بطريقة غير مباشرة أن لقاءهما بين الطبيعة وخلف الجدران أو النافذة ، كمما أنه يستخدم الأشياء الجامدة والأصوات المتحركة والطبيعة ؛لتساعده إلى الوصول إليها فهي مجرد أسماء مثل -محمد الدرة - وشادي، لتتجه من خلالها العلاقة بين الإنسان و المكان اتجاهاً أفقياً حسيًا وزمانيًا من حيث الأحداث والذكريات، لكنه يصرِّح لنا أن -شادي- لنْ يتوقف عن حبه لها وأنها تراه بفراستها ،والدليل حصولها على رقمه، بينما هو لا يراها إلا من خلال الحسْ السَّمعي، لذا يقول : الأذن تعشق قبل العين، هنا ينتقل من الوجه الجميل ويربط الدموع بالعيون ، وهكذا نستطيع أن نتخيل أنها ذات وجه دائري ،وأن شعرها الحريري الكثيف، هي العلامة الفارقة بينهما ،ثم الملامح: كالعينين، فالكاتب لمسها ،وحس بروحها ورسم صورتها الناعمة في مخيلة القارئ بوصفه الجميل،
معنى هذا أن سكنه منى.. وهي (قلبه ومدينته) وهكذا وصف لنا في البداية خارطة حبه بصورة بهية خفية بلاغية، بالنسبة لي اعتقدت أنها بالفعل حبه الأول الذي عاد ورحل، -برأي- أن (وصفه لحبيبته.. ساعده أن يحكي لنا عن مأساة وطنه ورحلته ، وقد يكون العكس) لأن من يقرأ كتابات شفيق السياسية يستطيع أن يكشف أنها -ذاكرته وذكرياته- وهي حبه لوطنه ، ليس لأن المرأة ليست في حياته بل العكس ،إن حياته جعلت منه معاناة لوطنه وجعلته دوما مع نصفه ..(جمَيلْ يا شفيق )وصفك للشمس بشكل واستدارة وجه المرأة وعينيها ودمعتها وكبرياءها ،جميل أن تجسد يا (شفيق) الشمس وكأنك ترحل مع ساعة الظهيرة ،-كل ذاك وهذا- استطاع الكاتب شفيق بذكاء أن يخفي الحلم ويظهر مرحلة جميلة من حياته في هذا المقطع ، والأعجب أنها تخاف عليه وينتظرها ، وأن الحلم الجميل هو جزء من الذهاب والإياب ،و العودة هي -هبوب فصل الرماد- وتقاسيم حلمه ، ثم ينتقل لأحزانه التي يقسمها لثلاث مراحل تشبه قصة حب ،و يتمثل فيها كبطل وحبيب اسمه -شادي- ونحن نَسْتمع إلى صرير قلمه الجميل ونستمتع ،خاصةً وأن القصة تدور حول رحلته.. بحسْ سماعيْ ومكانيْ وزمانيْ.
هذا بالنسبة للمعنى الجمالي العام
رابعاً: ملامح القصة
______________
1-الدهشة
____________
الكاتب (شفيق التلولي) له قدرة على (إثارة دهشة القارئ) من خلال (المفاجأة)، التي يصطنعها في كثير من قصصه القصيرة وأعماله. وبما أن فن القصة القصيرة هو فنّ الإدهاش، فإن هذا الملمح يُعَدّ سرّاً من أسرار الإجادة.. من حيث: الحدث، والشخصيات، والفضاء الزماني، والمكاني. ويبدع الكاتب، في الغالب، في استخدام رموزاً لأفكاره في القصة. وقلّما يحسُّ فيها القارئ (بنبض الإنسان) المختصم مع ذاته، المتصارع مع وجوده، ليصوغ من جديد بانسجام، ويندر أن تخرج شخصيات قصته عن تخطيط المهمات التي أوكلها إليها الكاتب، فتبقى شخصياته على ورق، وتحلق أخرى بحلمه؛ ما أقصد أنَّ لكل شخصيَّة مهمَّة يسْتحضرها – الكاتب شفيق- في خياله ثم يوظفها في قصته وحلمه ليسرد خبره في قصة تقف عند فكرة محددة أو خيال.. يصنع منه قصته لتكون واقعة، فيفسر لنا ذلك الحدث المفاجئ، ونلاحظ أنه يهتم -بالفضاء الزماني والمكاني- في كل مقطع، كساعة يُحرِّك بها عقارب السُّطور وثواني المعاني.. لتجري في عروقه، فيخلق لقصته روح تحيا به، إنه -حلم كاتب اسمه شفيق التلولي-
-2 المعنى البلاغي
_____________
يصرِّح الكاتب بمشاعر الخوف إلى درجة الامتناع، فهو كما نرى في -المقطع الأول- كيف أن البطل شادي يخاف عليها أن تظهر أمامه فقد يتغيّر حالها، يخاف عليها من نفسه ومن الطبيعة، يخاف عليها من حرارة الشمس وكأنه يخاف إلى حد الغيرة؛ لذا هو يطلب منها أن تختفي في الظل، فتَعَرُّضها للشمس قد يغيّر من حالها وحرارة حبها له، هذا التصريح -لحب شادي لمنى- ،يجذب القارئ نحو مشاعر حبيبته، ويتفاجأ القارئ أن حبيبته كذلك تبادله الحب فهي تشعر به، فهو لم يطلب منها أن تختفي.. إلاّ لأنه يخاف على حبه، ونتفاجأ معه أنها ترد عليه مباشرة وبالمثل، إذن هناك تخاطر سريع بينهما، كما أن البحث عن الصوت يُساعد القارئ على فِهم النَّص، فالكاتب له أسلوب في الحوار عندما ينطق بلغة الحب والهيام، وينشد من مكان نستطيع أن نتخيل سكنه وحالها، إن كان بعيد أو قريب وذلك من خلال الانتقال من خبر يحدثنا به، عن مشاعره التي يجمعها في قصته؛ غير أن الاتّجاهات متعاكسة متضاربة فما أن يتحدث شادي إلا وينقطع صوت منى بإجابة تفسر مكانه وتحركاته.
ثم يقول:
“كنت أرهف السمع إلى خشخشة أساورها وايقاع أنفاسها والصمت يتملكني، فاجأني هذا الهاتف، كيف تسللت فتاتي إلي من ثقوب السماعة؛ لتصطاد قلبي بصوتها الدافئ؟! لم أكن لأصدق بأن الأذن تعشق إلا عندما طرق أذني سهم هذا العشق، كما أصاب عيني التي ما انفكت عن ملاحقتها"
رائع
لنتحدث هنا عن (المسكوت عنه ) والمتحرك جاء متراقص مع إيقاع ثقوب الهاتف ، وتلك مفارقة أجاد الكاتب فيها صيد (فتاته منى) ببراعة لافتة ، من خلال -أسلاك كهربائية وهوائية- ، وذلك كان بنفس القدر الذي أجاد فيه انتقاء مفرداته ، فكانت المفاجأة للسامع البطل العاشق ، عندما طرق أذنه العشق قبل العين وهذه مفارقة ، ويستمر المستمع الصامت ينصت لحركة وهيجان مشاعره مع الموسيقى التي تخرج من الثقوب فيخرج الكبت ليلاحقها بالعين والتسلل ولكن من خلال الخيال،
و للوهلة الأولى نقرأ -النص- نشعر (بحركة دائرية) تعيدنا للماضي ب (كنت) وكأنه يحاول أن يعيد الأمل ويعود للحلم ،( هنا عنصر المفاجأة قوي) وهو يقول :(فاجأني هذا الهاتف ) هذ المشهد فيه -تعجب ودهشة- وهو سمعي -والخبر متعدي من الأذن إلى القلب -، ثم يعترف أن السمع يجر العين بالرؤيا ؛لكن عينه لم تلتقي بها لأنه يلاحقها ويبحث عنها ، السؤال: لماذا قدّم الكاتب الإيحاء والإيقاع ؟ إنه يحاول أن يؤخر اللقاء ، ليثير القارئ ، لا بد أن هذا الهاتف الذي هتف بصوتها وبأنفاسها يخبرنا أنه قريب إليها يسمع صوتها ورنين وخشخشة أسورتها ،حتى أننا نستطيع من خلال خياله أن نتخيل كيف تبدو -منى- قد تكون امرأة ترتدي أسورة وترقص بخلخال وقد تكون الأرض التي يمشي عليها ، يعشقها وترقص لشادي ، وفي كلتا الحالتين هناك صوت ، هذا النص يعود به للماضي من خلف ستار الصمت؛ لأنه تندم لصمته وتمنى أن يصرخ، وكأنه يخبرنا أنه متواجد على الساحة إلى درجة أنه يسمع صوتها، فنسمعه بحروفه،
وأنه كان يعلم ليصل لأعماق الروح، فيخرج من أعماق فكره بصوت الماضي؛ ليضيفها لمرحلة أخرى من حياته تمثل شيء من معانته ومن مسراته أو حلمه
يقول:؛
""كان عليّ أن أخرج عن صمتي؛ لأستبق أشعة الشمس التي تنفذ إليها قبيل إغلاقها سماعة الهاتف، محاولاً تبرير نظراتي التي تركض خلف خلخالها الفضي واقتفاء رائحة عطرها الفاقع وأحمر شفاهها الصارخ وغُرة شعرها المنساب من تحت شالها المطرز"".
وهذه الفقرة تثبت لنا تعليل موقفه وانتظاره وملاحقتها فهي حلمه؛ لذا يعترف أنه يريد أن يصل إليها قبل أن تصل ،وخوفا أن تغلق السماعة. بعدها قرر وأقر أن ُيفجِّر صمته، واعترف أنه يبحث عن صوتها من خلف الستار، هنا كان النص خيالي حسِّي يرسم القاص المتمثل.. بشادي صورة حبيبته من خلال ثقوب الهاتف أو من خلال تحركاتها من خلف الشال، ويرسم ملامح من جسدها من خلال الخلخال الفضي ورائحة عطرها الفاقع وأحمر الشفاه الصارخ فيربط بين ((الروح والصوت والأشكال.. لتكون الحركة دائرية في كل لون ثم يغطيها بأحمر الشفاه لتنطق بالكلام واللسان واللون الشفاف الأرجواني في الشال)) واقتفاء رائحة عطرها الفاقع..و معنى كلمة اقتفاء: تتبع الأثر أي أنه فضلها لنفسه وآثرها، وكأننا نلمح شادي وهو يدور حول نفسه ليلتقي بها ويتضح هذا عندما (يبرر نظراته) ليرى كل ذلك من تحت شالها المطرز، أبدع الكاتب هنا في الوصف وكأنها لقطة جاءت بصور واحدة،
وبرشاقة وخفة تسطع بالشمس حروفه فتهرب حبيبته خوفا وهو ينتظرها،
هذا المقطع يفسر لنا الذهاب والإياب في نصه الأول تحت الشمس.
وكلمة ذهابا وإيابا: من الواضح أن (الكلمتين) بينهما تناقض لحد التنافر والترادف يستعين بالتناقض الموزون ليلحن (قصته الشمسية) ويخطو الكاتب بصمت مع شادي ومنى، ليلمّح لنا أمل العودة، على الرغم أنه (جزم بلم) بأنه لن يمر بها إلاَّ أن الأمل يسطع -بالعودة والإياب -فالتردد شيء لا بدّ منه في المقطع الأول؛ ليجر به المقطع الثاني وهي مرحلة السماع، بعد الصمت، ثم يأتي السمع البصري؛ لنصل معهُ لمرحلة اللقاء اللَّمسي، مُستخدمًا كل حَواسه وترابط الأشياء والألوان بمشاعره وحلمه.
: 3- مرحلة الصمت، الأذن تعشق قبل العين
_________________________
الوصف والمنهج النفسي:
--------------------------------
هنا يطرق التَّشْبيه المستطرف، خصوصًا في أغراض الوصف المحاكي لمشاهد الطبيعة
والتشبيه المستطرف يجمع بين معْنيَيْن مرتبطين بالمحاكاة، فهو يعد أداة بلاغية ناجحة في التقاط التفاصيل
يتوجه إلـى المحاكاة الواصفة
(تفاصيل الموصوف من مشاهد الطبيعة أو الإنسانية) ، أو إتقان تصويرها،
يكاد النقاد يجمعون علـى أن أجود الوصف هو الذي يستطيع أن يحكي
الموصوف حتـى يكاد يمثله عيانًا للسامع [2]
ولذلك قال بعض النقاد
"أبلغ الوصف ما قلب السمع بصرًا" [3]
هنا في هذا المقطع التشبيه البليغ والتشبيه بين اثنين وهما رقصة بلون خلخالها ، ونغمة صوتها الدافئ
وفي هذه المرحلة ..نستمع لألحان جميلة يرقص عليها قلمه ؛ليُسمعنا نبض حروفه ، لقد أسمعنا صوتها وشاهدنا معه رقصتها التي يلحن عليها لحنا بأنفاسها ، كما وأنها ترقص رقصة إفريقية ، وفجأة ينتقل فكر الكاتب دون أن يشعر بدفء صوتها الجميل من خلال الهاتف الغائب
وهنا ينجح كاتبنا في وصف (الحس السماعي) ..بالمرئي واصطدامهما في مقطع واحد؛ ليُحوَل الحقيقة والمنظر إلى لحظة انتظار وهيام وحلم ؛فيتحسس صوت الأساور من خلال ثقوب الهاتف -برأي- أنه - يشبِّه الأسورة- بصوتها الجميل ، والثقوب بالنجوم والقلب والأمواج المتلاطمة، وهي تدل على انقباض وانشراح المكان ، وأنفاس رقصتها بصوتها من خلال ثقب الهاتف، هذه المقارنة الجميلة وتشبيه شيئين بشيئين تسمَّى (استعارة تمثيلية بليغة )تصريحية.
وإلا ما صرح لنا <الأذن تعشق قبل العين> جميل يا (شفيق) هذا- المقطع- بديع ..بليغ الجمال ..اخترق الخيال،
هذا الأثر النفسي الحسي
يذكرني بشعر بشار بن بردة قوله
يا قوم أُذني لبعضِ الحي عاشقةٌ
والأُذنُ تعشقُ قبلَ القلبِ أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلتُ لهمْ
الأذنُ كالعينِ تُوفي القلبَ ما كانا [4]
لكنه قال عن مرحلة السمع أن "الأذن تعشق قبل “معللاً ذلك؛ بأنها تصل قبل العين بصوتها الدافئ وحركتها، حتى أنه رسمها في خياله ليبحث عنها، وهذا من صالح الكاتب لأن القصة تزداد غموض بالحس والسمع؛ وذلك ليّحير القارئ ، أنـــه أول لقاء روحي وحسِّي بينهما؛ وإلا ما ازدادت لهَفة القارئ لحروفكَ المتحركة والجياشة في نبضاتْ قلبهما المتَتاليَة.
خامساً: علاقة الطبيعة والألوان والأشياء، بالمكان والإنسان
__________________________________
ثم يَعود للشمس والدفء والحنان – إذَن- هي الشمس ، وهي الأرض، واعترافه، هنا يؤكد لنا عدم تصريحه بمشاعره لها ؛لذا هي ابتعدت وانفصلت بينما (يربط اللون الفضي بالنجوم ،ورائحة اقتفاء أثرها برائحة الأمطار، واللون الأحمر وشعرها و الذي يصفه بأنه تحت شالها بعد أن حذرها في البداية ألاَّ تُظهره، هنا الرابط بين البداية وهذا المقطع إجابة ،يُبرر خوفها ،ليبين الشكل والمعنى ،وكما قلت كان الغطاء في البداية مخفي، بينما هنا ظاهرْ على الرغم أنه مستور ، وهذه -الفقرة - بينت لنا مكان المُخْتَفي ،بينما -الأولى- أظهَرت شيء من الخَفيْ فكان التَسَلُّسلْ جميل مع التَسَلُّلْ من بين المشاعر ، ثم بها تتبع أثر -منى- ، من خلال تَوَقعاتُه الحالمة ،ثم بين لنا هيئتها ، والشّالْ يدل على السِتار الذي بينهما ،والنافذة عادةً ما يستخدمها الكتاب كرمز - وحاجز- ، وهي من -الأشياء الجامدة- التي تدلْ على الامْتِناع عن الظُهور ، ولكنَّه يُحركها بذكاء ، وهذا يكْشف لنا ما سبب خوفها وهو الاختفاء -فالقريب بعيد- لذا هي تحدّثه من - ثقوب الهاتف-، وتلوح له وتراه من خلف النافذة ، -كل ذاك وهذا- كان بالصوت وليس اللقاء، والدليل -حصولها على رقمه ومكانه - ، وفي - نص آخر- يُخبرنا أنها حصلت عليه ولكن هو من سَعى و من -عاد - ليضعه في مكان ، فالأول بالحدس والتجسس حسّي، بينما الرقم الآخر -جوال- كان عَلني لمسيْ، وليس لمح الشي ككشفه، فهنالك فرق بينهما في الوضوح، لأن الأول ثابت خلف المكتب.. والآخر متحرك مع حركة البطل، والكتّاب يوجهون بوصلتهم نحو الجهات باستخدامهم الهاتف المتنقل والنافذة والهاتف الثابت؛ ل يستدلون على الموقع ونقطة الانطلاق وقد أشار الكاتب شفيق إلى جهة-النافذة الشرقية- عندما قال في النص الأول: "والآن سأغلق نافذتي الشرقية وأغادر" ويتغنى الشعراء لمحبوبته من هذه الجهات قد يكون رمز للهوى والنسيم العليل ..
؛ لذا تسبب الهاتف في اللقاء الثاني بانجذاب الجهة الشرقية ، فهناك تحدي واندفاع في كل لقاء نجد شيء مختلف عن مكانتها ومكانها، يجسم بواسطة دائرة في مقابل -الحب البشري الذي يجسم بواسطة مربع، فالدائرة هي الفصول الأربع والأساور والخلخال، والمربع زوايا النافذة الشرقية- ،برأي أنه يبدأ من استدارة الشمس والعيون ، والدموع التي تجري في عين حبيبته كذلك يجمع بين (الحب الحار ، و الدموع مع حرارة الشمس لها وهذا رمزاً قوي ،فالدموع تذرف من زاويا العين لتنحدر إلى الملامح ويلتهب لهيب الحب ..بماء النار ، وهذا أقوى نوع ووصف للحب ، العذري، كذلك يعكس لون الجمال ، رائع أبدعت في تدرج الحب على الرغم أنك بدأت دون مقدمات، لكن هل كانت منى تقف خلف الشرفة وشادي خلف النافذة الشرقية ؟ إن كان ذلك فحبه سيدوم لأنه عذري.. وحبها سيختفي مع المراحل الأربع لأنها تتجسس، وهذه الأوصاف والتشبيهات كلها مجاز مرسل وألفاظ، لذا العنوان يجذب القارئ.
، ثم نكتشف من تكون، ويأخذنا الخيال للحياة، ليخبر المتلقي أن -شادي- قريب إليها، في كل مرحلة من مراحل حياته لأنها وجوده ((فهو -شادي- المتيم بها في كل مرحلة، وهي- منى- التي تتغنى به في حياته، رائع هذا التناسق.. بين الأسماء والنص وعلاقته بالثلج)) - أعجبني -
والذي انتقل بنا من مرحلة إلى أخرى، من الفرحة إلى الحزن، ومن العيد الذي تحوَّل إلى فصل الرماد، ومن – من المعلوم إلى المجهول-، فالشخوص القصصية، يطوفون بأرجاء عديدة بين أحداث القصة، كما يبحثون داخل أنفسهم بثيابهم، ولعلَّ تغيير المكان في النهاية يعود بالكاتب مع أبطاله إلى الواقع الذي كانوا يهربون منه، وإلى واقع ذوا تهم؛ ليحمل البطل في طياته أملاً جديدًا، لذا القصة سمعية، تبدو على شكل سلسلة من -المشاهد، وبلقطات أُحاديّة-، والتي تنبع من الذاكرة المثقلة بالعاطفة. كما أن الأشياء تكتسب أهميتها باتساع المكان وانتشاره تارة. وضيقه تارة أخرى، وذلك بشكل أفقي حسي ودائري، في قصة (حلم في فصل الرماد)، فالهاتف هو العامل الرئيسي، وارتداء: الخلخال والأسورة والشال، لتشحن بهما مشاعر تؤثر في نفسية المتلقي، لأنها أشياء سمعية ولأنها رموز تدل على العادات والتقاليد العربية، وكأنها تهتز برقصة عربية، ومِنَ السمع للعين تنقل الحواس.. أبدعت في ذلك.. إلى أن الأصوات كانت متقطعة من خلف الأشياء لكنك تعود لتصلها بصوتها.
ومن الحواس: حدسها وهي تتحدث كما وأن (العصفورة قالت لي) هنا تبدع بتشبه الحدس والحاسة السادسة بالتخاطر ودهشة شادي لذاك الحدس والذكاء، وهذه استعارة – من جملة عامية- أدخلتها لتجذب القارئ، لعله يبحث عن شادي ومنى، هذا التشبيه.. بين حدث ومثل شعبي في قصة نستطيع أن نسميه مقاربة، لتشبيه العام بالخاص وتمثيل الشيْ المحسوس بالغير محسوس؛ وإلا.. كيف تعلم أنه كان ينتظرها، وأبدعت في لحظة الولادة ونمو الإنسان ومراحله الثلاث ومعاناته من اللبوة إلى الأسد إلى أن قتل وبكى عليه أبيه. تلك الرموز التي لا عدد لها جعلت قصتك في دوامة، تبحث بها مع شادي لتخفي ولا تختفي تلك الدلالات.
يُجيد الكاتب شفيق نوعية القفلة وهي المفاجأة
_____________________________________________
حيث نمر عبر الرموز من خلال عوالم جزئية، تشكلها الأشياء، التي تكشف عن العالم الداخلي للنص القصصي
وفي كل مشهد يظهر دلالات جمالية تشير لذلك، ثم يمزج بعضها ببعض لتكون في النهاية قفلته من خلال رمز واحد وهذا سيظهر من خلال التحليل الأخير؛ ولأنها -الماضي مستمر في جملته- :(وضل في مهب الريح) أي: ضل الحب في مهب الريح، نصل لقفلته التي يشير بها إلى عنوان القصة (حلم في فصل الرماد) ويبدع كذلك في اختياره للرمز: (اشتعل الشيب)،
ليُخفي عنصر (النار) ولا يختفي والذي (يرمز إلى الثورة) التي دبت في عروق ذاكرته، عندما هبت الريح ونفخت كل قوته وحياته، ويستخدم الكاتب هذا الرمز للدلالة على الحالة الاجتماعية، والنفسية، حيث نستطيع أن نلمس فيها حرارة الحب والبعد والحرب، وحركة الريح، والتي تجعل القارئ يشعر بحركة دائرية تعود به لفصل الرماد؛ لأن الريح يرمز بها كذلك إلى (لون الدخان في السماء)، وتخاريف الربيع، أو كما قال (فصل الرماد)
ونستدل بذلك أنه يستخدم جماليات بلاغية في جملة (اشتعل الشيب)، كاستعارة تصريحية والقرينة لفظية لأنه حذف (النار) وأشعل رأسه بالمشيب في المرحلة الأخيرة، وفي فصل الرماد أو هبَّ الدخان وأشعلَ النار (رائع يا شفيق)
(( لقد أخفيت مع الحبيبة شيء من حبك للوطن في كل مرحلة ومزجت ذاك بهذا ؛لتكون القصة رحلة جميلة يحلق الكاتب بها إلى معاناة الوطن العربي ،وفي كل نص ولقطة من خلال حياة الأبطال يتكاثروا ليفتحوا لنا أبواب جميلة ،نلمس بهم حلمك وحلم أرواح تمثلهم في واقع القصة بقصة حب جميلة عربية)) ، حتى نصل للشيب والبحث التي تعود به إلى المرحلة الأخيرة وهي الحروب وكأنك تربط الفراق بتخاريف الربيع ،كما أظهرت حبك لها و هواك ثم رحيلك ،عندما قلت أنك اعتزلت الحب هنا نفهم من نهاية المقطع- الإجابة عن السؤال- والوعد (فهو اعتزال الحب من أجل الحُب).. وهذا يؤكد لنا الحب العذري ،ولأن حلمك أن تستمر معك وإن طال العمر لتعطيها من حبك وحضنك في المشيب والشباب ومراحل الحياة، وإن ضل الحب في مهب الريح ، كما قلت أنت تحكي عن مراحل متعددة في حياتك وعن مدينتك ومع حبيبتك، التي ترمز لها ببعض المقاطع أنها وطنك وأخرى تظهر أنها حبك الكبير ورحلتك معها لمكان عشت فيه لفترة وعدت منه لوطنك ، و صراع مع الحروب تشير إليها ،ففي كل عيد يتجدد حبك وتكشف عن مأساة ترمز به لوطن مختلف ومأساة حرب، و الانتقال من الفرحة للحزن كان رائع، أبدعت ؛لأن الأحداث كانت مفعمة بالدهشة ،وأمر مفاجأ غير متوقع للمتلقي، لحلم في فصل الرماد والتي سهرت ليالي لتكتبها وتنقل المعنى ، من معاناة ونضال و روح( شفيق )وحياته وحلمه، لذا تأخرت عن تقديم النقد والقراءة
.
_______________________________________
""أغلقت سماعة الهاتف لتفتح في قلبي نافذة مشرعة على حب لم أكن أتوقع بأن يجتاحني بعدما تمرد قلبي على الهوا وصام عن عشق النساء كلها، خرجت مسرعا أبحث عن نافذتها بين نوافذ الحي، لم أفلح في التعرف إلى تلك النافذة إلا بعدما أشاحت لي بشالها الأرجواني ذات انتظار على ناصية المرور حسب توقيت لقاء كل حب"".""
__________________________________________
لم نتوقع أنه ينهي العلاقة بحب أكبر فهو اعتزل الحب لكن ذلك الهاتف أعاده لها، (وينتقل لحالة البحث عنها) (وهناك رابط بين الحي والنافذة هنا نعلم أنه كان يخفيها في قلبه في المقطع الأول، هنا يعود ليحرك هذا المقطع بحركة دائرية وليست مغناطسية كما في الهاتف، عندما لوحة بشالها وبإرادتها ...هذا المقطع يرتبط كثير بمقطع الهاتف في الحركة.. وقد يرمز (لعلم وطنه)، ويقرع أجراسها بالهاتف (لأنه قال حسب التوقيت) وهذه مفردة عامية وليست خاصة. تشير للمدينة
------------------------------------------------------------يقول:
""عند أول مرور بعد الهاتف؛ ألقت بجانبي رسالة كتبت في مطلعها إلى السحر الذي أسرني وسافر بي بعيداً إلى المدى، إليك أنت أوقع رسالتي الأولى بقبلة موسومة بأحمر الشفاه الذي يليق بك، أما أنا فهمست لها لا تنسي الاتصال بي على رقم هاتفي المحمول وهاك هو، سألقيه أمامك عند الإياب وفي انتظار أن نتهافت لتحديد موعد نلتقي به""
هنا يكشف لنا ما حصل عندما كان ينظر من النافذة إليها ورن الهاتف وجد أن رسالة بخطها تعترف له حينها تأكد أنه حبها، وعاد الانتظار بالذهاب والإياب ومحاولة العودة
يقول:
""ولما التقينا؛ تشابكت الأيادي، أغمضنا المقل، اختلطت الأنفاس واشتبكت القبل، وفي اللقاء الثاني عرفت بأن اسمها "منى"، هي كانت تحفظ اسمي قبل هاتف موقعة الشمس؛ إذ افتتحت مكالمتها بأغنية "فيروز" بصوتها الملائكي “أنا وشادي""".
وفي هذا المقطع السريع نجد أنه يسابق وقت القصة ليصل للنهاية يخبرنا (بلقاءين) وهاتف آخر ، وهذا بالنسبة للقارئ سريع ، فبعد أن كان يمشي خلف كل نقطة يتفاجأ بالعيد واللقاء، ويؤكد لنا الرحيل من المدينة التي عاش فيها إلى وطنه ، ولكنه عاد عندما قرأ الرسالة ، هنا استخدم (الحروف الناطقة) حتى نبض قلبه وعاد مسرعا إليها ، بلقاءين أحدهما في الظلمة والآخر باللمس ، كاتبنا استخدم معها (الحس السمعي ،والخيالي ،عندما أغمض عينيه ؛ليستحضر حاسة اللمس التي حرك بها أنامله ولسانه حتى نطق ، (رائع هذا المشهد المتحرك بالحواس الخمس والحدس )والذي كشف لنا عن اسم حبيبته منى واسمه شادي لنعرف أنها أغنية قديمة لفيروز (يرمز بها لحب صغير بريء عذري،) ، أما الثلج يرمز به للبياض والبرد والحضن الدافئ
------------------------------------------------------------
يقول:
""منذ ذلك الوقت أشعلت نيراني من تحت رماد الثلج وبت "شادي" المتيم "بمني" لا أعرف إلى أين تأخذني شمس حبها التي أدور في مدارها كل يوم، تُسلمني مع أمواج البحر للقمر وعد النجوم حتى مطلع الفجر، ولا أدري متى سنلعب على الثلج."
ويشبه حبه لها بحرارة الشمس في كل يوم، ومن الطبيعة يستعير أمواج البحر التي تهبط وترتفع بظهور القمر والنجوم، هذا الحب الذي يرمز إليه بالطبيعة يعود به للاطمئنان، والسكون
__________________________________________
""في عيد الحب الأول صار الشبل أسداً وورث العرش وفي العيد الثاني صاح الأب: "مات الولد برصاصة" وصعد "محمد الدرة" وثالث عيد كان ليلة سقوط بغداد، وعيد يسلم عيد بعدما ذبل الجوري الغزي واغتيل الياسمين الدمشقي، واختفت بائعة الزنبق من ساحة الخميسات؛ لم يبق ورود في عيد الحب أهديها، تشظي الحب وانكسر القلب وحطت غربة الروح""
__________________________________________
خامساً الدراما الوطنية والسياسية:
____________________
يشير.. (لزمن النضال) عندما كان الشبل أسدا وورث العرش والنضال من أبيه، وفي العيد الثاني يستخدم (العيد) أنه التضحية، والاستشهاد للطفل (محمد الدرة) جاءت الاستعارة هنا جميلة أبدع في الوصف، وإعدام الطفل في وصفه لحادثة قتل الطفل محمد الدرة لقد أصيب الوالد بحالة شبه إغماء وربما مات للحظة (النضال مع أبيه) فهو يشير للأبوة والطفولة والشباب.
والثالث (عيد سقوط بغداد )التي ذهب ضحيتها الشهداء وهذه الثلاث مراحل في القصة يختصرها الكاتب من خلال مرحلة حبه إذن هو يمزج (الوطن بالمرأة) وهذا ساعده لأن تكون قصته لينة بسيطة رقيقة، ودراما رومانسية ،خلط فيها بين (الحب والجرح )،وأمتع القارئ بقصة حب تعبر عن معاناة وطن لقد أطعم قصته بكلمات رقيقة كي لا يَفُر القارئ من أسلوب الخوف الذي بدأ به ...
من التشبيهات الجميلة
________________
يستعير صفات من (الأسد والشبل واللبوة) – عادة ما يميل كتاب القصة القصيرة باستعارة الصفات من الحيوانات فإن كانت أليفة كان البطل مسالم وإن كانت وحشية تدل على الظلم وهذه استعارة تشبيهية والقرينة لفظية وهو (الأسد والشبل واللبوة) كان العيد واللقاء والحب الأول لبيان حال المشبه ليعظمه وذلك التشبيه يفيد (الوصف) فكل منهما مجهول، الشبل والأسد غير معروف فقد استدل بهما لبيان حالة الممدوح مع غيره (كحال الإنسان) عندما يصل لمرحلة الشيب والحزن.
الرمز والقفلة الأخيرة.
وأخيرا يقول:
بعد زمان "اشتعل الرأس شيبا"، كان عليها أن تُلون ما شاب منه وأن تُشعل ما ألم به من رماد؛ باعدت بيننا الأيام في رحلة تخاريف الربيع لا نحفظ من قصة الأمس غير خارطة الطريق التي شقت القلب وقسمت ظهر الحكاية حكاية جابت مدن الشوق تحت وطيس الشمس
سحنا في الأرض ولم تتحقق نبوءة الجنة، وظل الحب في مهب الريح"" فالمدينة هي :""
(يرمز به لمدينة دمشق )التي عرفت : بمدينة الياسمين وتغزل فيها الشعراء
أما "بائعة الزنبق"
----------------------
التي أرادها من كلمات الشاعر عدنان العودة أغنية "تلامس أوجاع السوريين جميعا، وتكون فسحة ولو ضيقة لاستراحة محارب". الأغنية احتفال سوري خاص بالمرأة بائعة زنبق تبيع باقاتها في ساحات دمشق وشوارعها "للقاتل والقتيل" في الوقت نفسه.../وهي رمز جميل أفصحت عن حبه وعن مأساة الوطن/.
ويوضح الشاعر عدنان قائلا "في الأساس هي حكاية امرأة حصل أن انفصلت عن زوجها. الزوج، الذي لم يكن رومانسيا أو لطيفا كما ينبغي مع زوجته خلال سنوات الزواج، بمجرد أن حدث الانفصال بدأ محاولات حثيثة ويائسة لاستعادة زوجته، وراح في كل صباح يرسل لها إلى البيت باقة من الزنبق البلدي الذي ندر وجوده بسبب الحرب، ذلك أن معظم مشاتله في مناطق التوتر وخطوط التماس في دمشق" لذا استخدمها شفيق كرمز لقصته من البداية للنهاية. وهذا تفسير واضح لحكاية حب انتشرت والشوق بعد الرحيل: عندما قال إنها حكاية جابت مدن الشوق.
تخاريف الربيع
--------------------------
وإن تعمقنا أكثر في المعنى نجد أن الكاتب يختم رحلته برحلة الضياع، وانقسام العالم العربي، والدليل استخدامه ل/تخاريف الربيع/ فهو لم يجعله مأساة لربيع واحد، بل يشير أن ما يشهده العالم العربي اليوم ليس «ربيعا»، وانما «سايكس بيكو» جديد لتقسيمه، أما ((نبؤه الجنة)) وكأنها نبوءة الكاتب المتمثل بصورة الأبطال بانتصار القديم والأصيل.. على الجديد الجامد الزائف ، وهذه مقارنة فهو يشبه الغير مرئي بالموجود إنها مبالغة ربما لأنه استخدم الحدس في قصته وهو ولع بالاستغراق في أعماق النفس البشرية وكأنه يَسْخر من الوعود الكاذبة وهنا أجاد بذلك وكأنه يشير إلى متى سنظل مكتوفي الأيدي أين الجنة التي وعدنا بها ، وهو يقصد به الحلم الذي لم يتحقق وفي هذا المقطع ينجح الكاتب بربط القصة بالعنوان،( حلم في فصل الرماد ) والذي سرده كقصة حب ومأساة الوطن العربي كما: يصلها بحلم(ببائعة الزنبق والتي تبيع باقات في ساحات دمشق بعد محاولات يائسة ) إلى أنه أفصح عن(( فصل الرماد)) الذي يقصد به(( تخاريف الربيع))، والدليل : قوله ((سِحنا في الأرض)) و هاجر في الماضي ،ومنهم من ضاع ومنهم من هو صامد يحاول أن يقاوم الحب و الاحتلال
والحروب.
قلب النهاية
________
وهكذا تكون(النهاية): مقلوبة يعود فيها للماضي.. أو.. مفاجأة للبعض لأنها كانت رحلة لثلاث مراحل من حياته.. عاد بها للبداية التي فسرت لنا الفصل الرمادي الحزين وحلم الشباب ورحلة المشيب
مع (بائعة الزنبق) (والياسمين الدمشقي) و(محمد درة) والأعياد الثلاث وأغنية فيروز التي تغنى فيها بحس جميل استمع إلى صوت حبيبته منى كما سماها أو فيروز كما هو المتعارف عليه هنا الرمز رائع. أستطيع أن أقول هؤلاء هم أبطال قصة حلم في فصل الرماد لذا القصة أخذت مدارها العكسي وكل لقطة في نص يتوقف فيها عند مشهد يعيد فيها -السابق باللاحق- لتتحرك القصة وتسابق الزمن الأصلي. فجاءت الخاتمة مدهشة، تمثِّل الغاية والهَدف.
---------------------------------------------------
الرموز، والأقفال، والتشبيهات، الأخيرة
- بائعة الزنبق- اسم مركب استعار منها حدث في دمشق؛ ليرمز لامرأة في مدينة دمشق المعروفة بالياسمين، فهو يحول تلك الرحلة الشاقة والمأساة لحياة امرأة اسمها ( منى) ثم يربطها ب(بائعة الزنبق) التي تبيع الورد في ساحات دمشق
باختصار استعان الكاتب شفيق التولي بمأساة (محمد الدرة ،وبائعة الورد ، رمز لدمشق وفلسطين وبغداد ، أي نجح في استخدامه للرموز في كل مقطع ، ليحرك الشخصيات والأماكن الزمانية في قصته حلم في فصل الرماد أو التخاريف، ونجح كذلك في اختيار- العنوان حلم في فصل الرماد-وتناسقه مع القصة ومع الأسماء المركبة)
وهكذا نكتشف أن القفلة الأخيرة التي جعلت القارئ يستطيع أن يستدل بها على المعنى هي:
(تخاريف الربيع) وهو العنصر الزماني الذي يكشف للقارئ عن (فصل الرماد)، والذي أشار إليه في -العنوان- والوعود الكاذبة، وينسب ذلك لتوتر الأحداث. وبهذا تكون النهاية قد (لوَّنها الكاتب بلون المفاجأة) لأنها تعود للعنوان والبداية لماضي يتكرر، وهذا لون جميل "في قفلته: ويعترف بذلك “سحنا في الأرض ولم تتحقق نبوءة الجنة، وظل الحب في مهب الريح"، بالبحث والنبوءة، والحب والجنة، والحلم الذي لا يتحقق؛ .... لذا تعود القفلة للعنوان؛ لتفسر الحلم في فصل الرماد وكأنه يقول: إنها تخاريف الربيع في مهب الريح وأن بائعة الزنبق هي التي رحلت في فصل الرماد مع الياسمين الدمشقي..
أما لما ((التجديد في قصته)) ؛لأنها تحمل ((الكثير من الأقفال المؤصدة)) والتي تفتح باب للرموز المتعددة ،وتحلق مع العنوان ،فيرفع الكاتب بها الشراع لقراء القصة مرة بعدة ، فتُخَّلد القصة ؛لأنها تحمل قصة حب جميلة تتجسد في معاني التضحية ،والحلم ،والتاريخ، وحب الوطن، والإنسان، مما ساعده إلى اللجوء للطبيعة، وتحريك الجماد، وتحويل الأشياء، واللعب في الدلالات المكانية والزمانية، فجاءت لغته بسيطة، بجمال وإيقاع بلاغي ومعنوي وحسِّي وروحي ؛ لذا جاء التكثيف ، والدهشة، والمفارقة ، والتناقض والاستعارة، والدلالات البلاغية ،ناتج عن الحضور القوي للغة الكاتب شفيق (التلولي) وأسلوبه الجديد ،ونقل الأحاسيس بالرموز والاختزال في أحلامه وأمانيه، وقد التزم باللغة الفصحى نوعا ما ، مما أعطى القصة هيبتها و وقارها ، لكن الهمزة والتي يستخدمها أكثر من مرة كخطأ بسيط غير مقصود في كلمة(الإنتظار والتي لا بد أن تكون الانتظار) أما اللون ... الفاقع مفردة ورد في -القرآن- .. فكانت دلالة ساعدته على أن يضيفها للون الذي ترتديه ولا يراه إلا في خياله فكان مدح مبالغ به فاللون الفاقع يكاد يكون في كل الألوان غير أن تداخله مع ألوان أخرى يسطع في العين فيمنع الرؤيا وهو شبيه بلون الشمس والذهب والأشياء التي ما أن تلمع إلا وتختفي هنا الوصف جاء غامض ، أما السرعة ، -برأي -أنه يلهث في الأخير، وكأنه : يكتم أنفاسه مع بعض المقاطع الأخيرة ليصل للمفاجأة ، إلا إنْ كان يقصد بذلك أن تكون القصة لها أقفال متعددة ، تبدو لي أنيقة بلغة الجمال ، أجاد في اختيار الأمثلة بتركيبات جميلة ، فجاء الإيقاع السردي متتابع بالتشبيهات والرموز ولكن في النهاية تراكمت الأحداث حتى صرخ الكاتب بحلم حزين أضاف إليه ابتسامته وشوقه بعد صمت طويل ..
الخلاصة:
إنها فكرة راودته عن الحلم الذي عجز أن يلتقطه في حياته ،و يَكمن في زَوايا عَقله ،وعندما بحثَ في خزائن الذَّاكرة كشف عن ذكرياتٍ قديمة تَراكم الغبارُ عليها ، وصورٌ باهِتَة من الماضي ، حرَّكها بحلم لتهبُّ الريح في كلماته؛ وتأخذُه لبداية الطريق ، وبهذا نجد أن (الدراما) تمتلك حساً كبيرًا في قصة (شفيق التلولي)؛ ليعوَّض بها عن حَبكة الأحْداث في الرِّواية، بل أكادُ أجْزمْ أنها رواية في خيال الكاتب، لكنه أراد أن يصنع نوعًا جديدًا لنفسه، -وومضات- في قصة واحدة رومانسية ... لشخصيتين متحابين هما (منى الجريئة بحَدسها، وشادي المتيَّم بها.. وبانتظاره وبحثه عنها)، والجميل أن الكاتب يمثلهم في شخوص، وأشياء جامدة، وطبيعة جمالية، ومكانية وزمانية، تشكل له الحياة اليومية؛ لكن الكاتب يوجهها بطريقته الخاصة وأسلوبه الجديد؛ وكأنه يعوَّض -حبكة الرواية- ليجذب القارئ لقصته ونمطه المنفرد به، فليس من السهل أن تكثر الشخوص ويتوحَّد الحدث، ليس من السهل أن يُعَبِّر القاصْ عن -قصة حب- تنتهي به إلى مراحل مأساوية تدور من حول تخاريف العمر وليس من السهل أن يبحث عن حياة وتاريخ قديم، ويتغنى بماضٍ جميل،
ونحن نستمع معه بحس سمعيْ وإيقاعٍ جميل، من المؤكَّد أن شادي ومُنى.. هما همزة الوَصل للأحداث التي وصَلَ الكاتب بهما المراحل والرموز الأخيرة ،من المؤكَّد أن -شادي ومنى- كانوا حلم لفصل لم يتحقق في فصل الشتاء في الشباب والمشيب ، بالفعل كان ذكاء منه لاستخدامه ..الرموز التاريخية ..والأحداث الدرامية ، الواقعية والخيالية ، وذلك ليشُدُّ بحبال قصته كل الأعْمار ، كثير من الدلالات المعنوية جعلتني أتوقف عند تفسيرها ، والتي كان لها الأثر القوي في حياة الكاتب خاصةً وأنه كاتب فلسطيني عاش في الشام ثم عاد إلى وطنه ، فأنا لا أعتبر القصة هي التحرر من فردية الشخوص، بل ما جذبني كيف استطاع الكاتب أن يَسْرُد ذلك في صفْحة ، تكادُ أن تكون ولادة لروايته (النصف الآخر) ، لذا أهنئه لمجهوده في هذه القصة لأنها ستحمل كتابه و مجموعته القصصية الجديد (فصل الرماد)
وهكذا الكاتب في المشاهد الثلاثة الرمزية يَستعرض ثلاثةْ مظاهر: قصة حب في رمزه -لشادي ومنى-، وقصة تاريخية مع بائعة الزنبق
في الساحات، وحرب ودمار في تخاريف الربيع واستشهاد محمد الدرة ومدينة دمشق التي عرفت بمدينة الياسمين
وبهذا تكون القصة (دراما وطنية ورومانسية).. ((ومقالة يسردها في قصة قصيرة. تتوالد مع استمرار القراءة، والدراسة)).
وأخيرًا: أطلتْ في النقد حتى اسْتمَتعت مع رحلتكَ، فالقصة تشْمل مُدن وشخوص متعدّدة تَرمز بها -لأحداث وتاريخ عربي- أتمنى أني أفدت وإن أسهبت.
_____________________
أمد الإعلام-أمد الثقافة- [1] 03/08/ 2016
دنيا الوطن: دنيا الرأي: /ثقافة حلم في فصل الرماد
-"نقد الشعر 118، و"الصناعتين" 124، و"العمدة"[2]
العمدة" 2/295. [3]
ديوان بشار بن برد [[4
__________
القصة بقلم: شفيق التلولي
الدراسة والنقد: بقلم خولة الراشد
01/11/2016