تاريخ النشر: 2017-04-26 | 08:38
تاريخ النشر: 2017-04-26 | 08:38
في الآونة الأخيرة برزت خطة دولة غزة، وكأنها جبل الجليد الذي اصطدم به واقع الانقسام الفلسطيني، فتحطمت عليه سفينة المصالحة التي ظلت تراوغ في الدوران حول المصالح الحزبية طوال السنوات الماضية، وفي الوقت الذي نجحت فيه الخيبة الفلسطينية الجمعية العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس في حراثة الماء، ورسم معالم التخبط السياسي والإحباط الشعبي والنزوع الجمعي إلى الانتحار الفلسطيني بحرق سفينة الوطن في عرض البحر، واستبدالها بمراكب النجاة الحزبية، فإنه لم يعد مقبولا والحال كذلك لأي فلسطيني أن يخطئ في قراءة عدّاد الموت الذي تلوح به السلطتين في غزة والضفة، كما أنه لم يعد مقبولا لأي فلسطيني أن يساهم في قتل الوطن لصالح أي من الحزبين، فكلاهما لا يدخر جهدا لتمزيق فلسطين لصالح مركب النجاة الحزبية خاصته. إن على كل فلسطيني غيور على وطنه اليوم، وقبل أن يخرج إلى الشارع ليحرق صورة عباس انتصارا لغزة، أو ليتبرأ من اللجنة الإدارية انتصاراً لرام الله، أن يدرك أنه في كلا الحالتين لا يخدم أحداً غير الاحتلال، وأن الإنتماء لفلسطين يُحتّم على كل فرد فينا الأخذ بزمام المبادرة الفردية على أرض الواقع، لحماية ما تبقى من وطننا من عبث الأحزاب. وكي نحقق بالوعي والمبادرة اختراقا لهذه الحالة، علينا أن نقف إلى جانب الوطن، فإلى أين نسير؟ وكيف يمكننا تغيير الوجهة؟
دولة غزة لمصلحة من؟
لم يعد خافيا أننا نسير باتجاه دولة غزة، المشروع الصهيوني الذي ولد في مؤتمر هرتسيليا 2002، وتم دفعنا باستخدام نوازعنا النفس اجتماعية، وطموح الإسلام السياسي بالحكم، وقبح إدارة السلطة الفلسطينية للشؤون الداخلية، وباستخدام إعلام يعبث بوعينا عبر لعبة الضوء والظلّ، حتى وجدنا أنفسنا اليوم ننفذ بأيدينا وبإرادتنا الكاملة الحلم الصهيوني في التخلّص من الوجود الفلسطيني، وتقزيم فلسطين 67 في قطاع غزة!
طُرح مشروع دولة غزة البديلة عن دولة فلسطينية على أراضي 67 أول مرة في هرتسيليا 2002، ثم تطورت الرؤية وتبلورت في هرتسيليا 2003، وفي عام 2004، وبعد أن سقطت حماس وهي تجري خلف جزرة الحكم، في فخّ الانتخابات المحلية، أدرج الصهاينة في برنامج الحلّ النهائي خطة لتبادل الأراضي مع مصر والأردن لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء والأغوار، ولزيادة مساحة قطاع غزة وإقامة دولة فلسطينية فيها، وبناء عليه تمّ تضخيم غزة في الاعلام، حتى صارت غزة في الوعي العربي هي فلسطين،و وضعت خطط تهويد القدس، والاستيطان المتسارع في الضفة، بحيث تحول المستوطنات دون اي تواصل جغرافي في الضفة، فتستحيل بذلك إقامة دولة فلسطينية، وما مشروع المستوطنة الأخير إلا بداية المرحلة الأخيرة من هذا المخطط!
إن التهافت على كعكة الحكم، جعل مشروع التحرر الفلسطيني يلتقط طُعم مفتاح غزة الذي ألقاه لها شارون يوم قرّر الانسحاب من غزة من جانبٍ واحدٍ عقب تأكده أن حماس ستشارك في انتخابات الرئاسة، لم يكن السفاح لينسحب إلا تكتيكا، ونحن لجوعنا للنصر آنذاك اعتبرناه انتصارا!
انسحب شارون وترك من اتفق الجميع على عمالته يدفع الواقع الفلسطيني للانفجار، ووقعت حماس في فخ الانقلاب على الشرعية! ووقع عباس وسلطته في فخ الانقسام والعداء!
إن كل ما اعتقدناه سيراً في الاتجاه الصحيح، لم يكن في الحقيقة سوى تنفيذ لأجندات الاحتلال، عن قصدٍ أو عن غير قصد!
لماذا لم يتعجّل الاحتلال دولة غزة؟
كان سكوت الاحتلال عن تنامي قدرات حماس في غزة سكوتاً مدروساً، ضمن خطة الشرق الأوسط الكبير، تماما كما كان وصول مرسي إلى الحكم مدروساً، ضمن استراتيجية الفوضى الخلاقة، وكان الإسلام السياسي وإلهائه بالحكم، وما سينتج عن حكمه من نزاعات داخلية حتمية، هو المعول الذي هدم به جدار القضية المتهالك!
كان تعزيز الانقسام أهم للكيان من استعجال الثمرة، فمن دون كل جولات المصالحة التي أخفقت سابقا، ما كان لمشروع دولة غزة أن يكون منطقيا للكثيرين اليوم، كما كانت مواصلة الهدم في جدار القضية، وبعثرت الأوراق في الساحة السورية واللبنانية، وزعزعة الأواصر المتينة السابقة بين حماس وإيران مهمة، كي يكون مشروع دولة غزة براقا! وكانت حمى التكفير وتنامي الفكر الوهابي السلفي، والنزاعات العقائدية التي تلتهم السلم الإجتماعي في غزة اليوم مهمةً جداً كي يكون مشروع دولة غزة رسالة إسلامية مقدسة! وكانت الحروب الثلاثة ضرورية جدا ليكتمل مشهد البطولة والمظلومية، ليقول كل فرد فلسطيني إذا ما خلا بنفسه: دولة غزة هي ثمرة المقاومة! ولم يبق لمشروع دولة غزة ليكتمل سوى قطع المال والكهرباء ليتكفل الجوع والظلام بقضم جذر الرفض الشعبي لمشروع الدولة في غزة، وليصبح مشروعاً مباركاً ونصراً من الله وفتحاً قريباً !
الدور الإقليمي العربي في الدفع باتجاه دولة غزة
منذ بداية الانقسام لعبت أطراف ذات علاقة وطيدة بالاحتلال دوراً مسرحياً مسموماً بدعم قوة حماس في غزة، ومدها بالمال والدعم اللوجستي لتستمر، فقد شكّلت تركيا حالة دعم لوجستي غير مسبوق للوجود الحمساوي في غزة، واستمر اردوغان حافظا لخط الرجوع، وهو الذي كان يردد دائما: إن وجود حماس مهم جدا لأي حل في المنطقة! ولا عجب أن سطع نجم أردوغان وهو الذي كان يقدم الدعم بيد، ويقبض ثمن صفقاته الاقتصادية وعلاقاته الدبلوماسية مع الاحتلال بيده الاخرى! ومارست قطر عبر المال القطري الذي كان يحمل وجه العون أسوء دور، إذ كانت المنقذ للوجود الحمساوي من كل أزمة مالية تعصف به، ولم تكن تفعل شيئا في الحقيقة غير إطالة أمد الانقسام، وتهيئة الواقع لاحتضان دولة غزة التي باتت بعيدة عن محور المقاومة ..
دور السلطة الفلسطينية في الدفع نحو تصفية القضية
رغم أن ظاهر الصورة يشير إلى حرص السلطة الفلسطينية على استعادة غزة إلى الكل الفلسطيني، غير أن كل المسارات التي سارت بها السلطة باعتبارها تحقق الهدف، لم تساهم في الحقيقة إلا بالدفع باتجاه تصفية القضية الفلسطينية، فقد كان ارتباك موقف السلطة المبدئي تجاه انقلاب حماس عليها عاملاً محفزاً لتكريس الوجود الحمساوي، واتخذت كل محاولات السلطة للابقاء على أبناء فتح كقوة كامنة وخلايا نائمة في غزة مسارات عكسية، فتحولت الخلايا النائمة الى منتفعين خرجوا بعد سبع سنوات على من أغدق عليهم عند أول قرصة أذن! وساهمت سياسة عباس المتراخية والسلمية، وخطاباته الباردة التي تجاهلت عذابات الناس وآمالهم، وشوقهم الى موقف سياسي يحاكي الشوق العربي فيهم إلى العزة والحمية، بالإضافة إلى اعتناقه عقيدة التنسيق الأمني، وملاحقة المقاومة، والاعتقال السياسي،وسكوته عن الفساد والثراء الفاحش لرجال السلطة، ومواقف القيادة الشامتة إبان العدوان على غزة، كلها ساهمت في تعميق الشرخ بين الضفة وغزة، وكلها ساهمت في جعل دولة غزة ممكنة أكثر من أي وقت مضى!
المناكفات الأخيرة: المأزق والمخرج
تضافرت كل الظروف والأفعال وردود الأفعال في دحرجة الواقع الفلسطيني إلى وادي التصفية، وساهمت استفزازات حماس الأخيرة والمتمثلة بتشكيل اللجنة الإدارية والتي جاءت بمثابة حكومة، وتعديلها للوثيقة، والتي تجاوزت بها أهم عقبة كانت تمنع عنها مباركة العالم لدولتها، وتحسّن علاقاتها بمصر السيسي بمعزل عن عباس، ساهمت في دفع عباس نحو اعتماد القسوة والعقاب سبيلا لاستعادة غزة، والتي مهما صرح المسؤولين فيها، فإن كل ما يقومون به على الأرض يؤكد تبنيهم لمشروع دولة غزة.ففي الوقت الذي تدعي فيه حماس أن حكومة الحمد الله لا تقوم بمسؤولياتها في غزة، فإن كل ما يطالب به الرئيس هو أجندة للسماح لحكومة الوفاق الوطني مباشرة عملها في القطاع، ضمن سقف عمل السلطة والذي أعلنت حماس أنها تعتبره خطة توافقية فلسطينية، وتسليم المؤسسات والمعابر، ثم الذهاب الى انتخابات! ومن الواضح أن حماس لا تريد تسليم المؤسسات والمعابر، وتريد للسلطة أن تتحمل المسؤولية في غزة دون حقوق! والسلطة تريد الحقوق قبل المسؤوليات! في أجواء انعدام الثقة ، يجري الزج بالبسطاء في الصراع الحزبي، والمساومة على تفاصيل حياتهم اليومية دون رحمة من كلا الطرفين .
الفلسطيني والخيارات الصعبة
تكمن صعوبة الموقف الفلسطيني في أن الوقوف الى جانب حماس يعني انفصال غزة، وتعزيز مشروع الدولة فيها، وتصفية القضية، والوقوف الى جانب السلطة يعني استمرار التنسيق الأمني، وانسحابه على غزة، والخوف الكبير والمشروع على المقاومة، وربما خطر الاقتتال الداخلي في القطاع، والمستفيد في الحالتين هو الاحتلال، والخاسر هو الكل الفلسطيني، اذن ما العمل؟
على كل فرد أن يوقف كافة أشكال التأييد لكلا الطرفين، في مقابل الدفع الشعبي باتجاه المصالحة التوافقية، على أسس وضمانات تكفل عدم المساس بالمقاومة في غزة، وتعيد المؤسسات إلى حاضتة السلطة، فغزة اليوم وبسبب عدم التواصل الجغرافي دولة حقيقية على الأرض، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من صيغة توافقية لإدارة الأمور، إن صدقت النوايا ..ولا مفر من الدفع الشعبي باتجاه المغامرة والتصالح، من خلال مقاطعة كل مشاريع المناكفة والعصيان المدني لكل القرارات التي من شأنها تعزيز الانقسام، والقيادات في كلا الجانبين لا تستطيعان فعلا دون طاعة المتنفذين ..
إذا عجزنا اليوم عن الوقوف في وجه مصالحهم الحزبية، ولم نتمكن من قول لا لكل دعوات التظاهر، وقطع الإمدادات والرواتب، فسيقف الاحتلال على جثة قضيتنا غدا ويلتقط الصور