ما زال الموقف الأمريكي يدور في دائرة مفرغه بالربط بين إكتمال قيام الدولة الفلسطينية والقبول بالرؤية ألإسرائيلية والأمريكية لأمن إسرائيل التي تقوم على فرضية غير واقعية تجريد الدولة الفلسطينية من مقوماتها ألأمنية ، ومن ثم تفقد هذه الدولة خاصية الوجود لقدرتها على المحافظة ليس على أمنها ، بل القدرة حتى على تقديم ضمانات امنية لأمن إسرائيل.
رؤية مقلوبة لمعادلة الأمن، كيف لدولة ضعيفة ، ومنزوعة السلاح أن تكون قادرة على تقديم ضمانت امنية لإسرائيل، ومن وجهة النظر هذه دولة ضعيفة أمنيا غير قادرة على القيام بوظائفها ألأمنية ، والنتيجة أن تترك هذه الوظيفة ألأمنية لإسرائيل، ليس لتأمين أمن إسرائيل ، بل للحفاظ على أمن الدولة الفلسطينية من الجماعات المتشددة والجهادية ، بل وحتى من الجماعات الخارجة عن القانون. أى دولة هذه ! المنطق المغاير والذى يضمن أمن إسرائيل يقوم على فرضية أخرى نقيض وهى إن دولة فلسطينية قوية ستكون قادرة على حماية أمنها ، وأيضا قادرة على عدم القبول إن تكون أرضها مصدر لتهيديد امن إسرائيل وغيرها.
إذن المطلوب هو دولة فلسطينية بصلاحيات أمنية قوية ، والأهم من هذا البعد دولة ديموقراطية مدنية قادرة على التكيف مع واقعها السياسى ، وقادرة على التكيف مع بيئتها السياسية الخارجية ، ولديها توجهات سياسية نابذة للعنف، وتضمن الإستجابة لحقوق مواطنيها ، هذا هو المدخل الرئيس للرد على أى تهديدات أمنية مستقبلية.
وعلى أهمية القضية ألألمنية ، فهى ليست قضية أحادية الجانب، فمن المتعارف عليه أن قضية ألأمن لها بعد داخلى يتمثل كما أشرنا في بنية النظام السياسى الداخلى ، وبعد تكاملى وتبادلى في العلاقات بين الدول ذاتها ، أى يتم التعامل مع المخاوف الأمنية للدول من خلال الإعتبارات ألأمنية المشتركة المتكافئة .
وفى الحالة الإسرائيلية الفلسطينية لا أحد يستطيع إن ينكر مخاوف إسرائيل ألأمنية ، وفى الوقت ذاته الحاجات ألأمنية لدولة ناشئة كالدولة الفلسطينية ، والحاجة المشتركة هنا العمل اولا على قيام دولة فلسطينية قادرة إقتصاديا ، ومساعدتها في بناء نظام سياسى ديموقراطى ، وإعادة النظر في منظومة القيم السائدة التي تقوم على الكراهية والحقد والعنف والرفض، بالتركيز علي إستعادة مفهوم الحقوق للمواطن الفلسطينى ، وإستعادته لكرامته الإنسانية التي تشعره بانه مواطن في دولة له حقوق تحترمها الدول الأخرى .
هذا المنهاج مهم في إعادة تحقيق ألأمن ليس فقط لإسرائيل بل لفلسطين كدولة ، وهناك بعدا آخر مهم في الملف الأمنى وهو إن الدولة الفلسطينية وفى جميع ألأحول لن تكون قادرة على القيام بوظائفها ألأمنية الكاملة لأسباب تتعلق بإسرائيل وليس الدولة الفلسطينية نفسها ، وفى هذا السياق من المجدى البحث عن الخيار الأمنى على المستوى ألإقليمى الذي سيكون أكثر فعالية لتحقيق أمن كل الدول بما فيها إسرائيل.
وهنا قد تلعب مصر وألأردن اولا على هذا المستوى دورا مهما على إعتبار إن العلاقة بينهما وبين إسرائيل تحكمها إتفاقات قائمة تنظم مسائل الحدود ، ويمكن تفعيلها وتطويرها بما يتلائم والتطورات الجديدة ، ومن خلال تطبيقها علي مستوى الدولة الفلسطينية يمكن أن تتحول إلى شكل إقليمى لتحقيق الأمن .
والقضية الأخرى التي قد تنسف المفاوضات لفلسطينية الإسرائيلية هى تمسك إسرائيل بالمقولات التقليدية لأمنها ، والتي يفترض إن تصبح غير ذى جدوى مع الوصول إلى صيغة تسوية يمكن أن تشكل اساسا في المستقبل لإنهاء الصراع ، وبإنهاء جذور الصراع تنتفى كثير من المقولات التي تقوم عليها نظرية ألأمن الإسرائيلى ومنها إعتماد إسرائيل على تحقيق أمنها بالإعتماد على قوتها الذاتية ، هذه المقولة وغيرها لنظرية ألأمن الإسرائيلي أوجدتها حالة الصراع والحروب الكثيرة ، وعدم الإعتراف بإسرائيل أما وأن يتم الإعتراف بإنهاء حالة الحرب اولا ، وبالإعتراف بإسرائيل كدولة ، والقبول بالتعامل معها لا يعد مقبولا إن تبقى إسرائيل متمسكة بمقولاتها ألأمنية التقليدية ، والتي تحتاج منها للمراجعة .
وكيف لدولة ايا كانت تقبل بتواجد نفس قوات ألإحتلال على اراضيها ؟ فهذا الوجود هو نفى للدولة ذاتها ، ويعنى إلغاء لسيادتها ومن ثم فقدانها لأهم ركن من أركان تواجدها ، والأهم تتحول هذه الدولة إلى مجرد كيان سياسى تحت إسم دولة وظيفته ألأساسية خدمة أمن الدولة ألأخرى التي ستبقى دولة إحتلال طالما أن قواتها موجودة على أراضى الدولة الفلسطينية ، ولذلك هذا التواجد ألأحادى سيكون مرفوضا وغير مقبول ، وسيعنى أيضا تحويل مخرجات العملية التفاوضية إلى مفاوضات حرب وإستسلام وليس مفاوضات سلام متوازن يحقق ألأمن المتبادل لكل من الفلسطينييين والإسرائيليين ، هذه هى القاعدة السياسية في تحقيق ألأمن ، ألأمن الذي يقوم علي التبادل ، والتكامل وليس الأمن الأحادى الإتجاه والذى تفرضه دولة القوة ، ودولة الإحتلال.
وتبقى قضية أخرى في تسوية هذا الملف وهو ضرورة ربطه بملف الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطينيى ، فبقدر الإستجابة لهذه الحقوق بقدر الإستجابة للإحتياجات ألأمنية لإسرائيل, وأخيرا إدراك اهمية رفع القدرات الإقتصادية للدولة الفلسطينيى حتى تكون قادرة علي الإستجابة لمطالب مواطنيها وهى كثيرة وكبيرة وخصوصا في مرحلة التاسيس.
فالأمن الذي يوفره السلام يختلف عن الأمن الذي تفرضه القوة والصراع، في إطار هذا التحول يمكن أن يعالج الملف الأمنى لإسرائيل.