لا يمكن بأي حال، التوفيق بين الديمقراطية من جهة , والأنظمة والحركات التقليدية من جهة أخرى، وسيبقيان في حالة تضاد لا يمكن التوفيق بينهما. فالديمقراطية حداثة ، ووطنية ، وعلمانية ، وديمقراطية وتقدمية . والتقليدية طائفية ، ودينية ، وشمولية ، ونظرتها الوطنية ملتبسة وأفقها التاريخي غائم وشائك ! أي نظام يطبق هذين التوجهين المتضادين سيجد نفسه بين طرق شتى متعاكسة تحفر في كيانه من جهات مختلفة ، وسيحاول أن يوفق وينشئ الفلسفة التوفيقية بين الثلج والنار. بين أناس أدلجوا الأديان وحوّلوها إلى حصالات للعيش على حساب الفقراء ، وأناس يريدون بصيصاً من النور لسياسة حرة تخدم الشعب ولا تفرق بين الطوائف ، وتغدو المرجعية للدساتير المصونة . ولأن سياسات الغرب عامة ولا سيما السياسات الأميركية والبريطانية متبدّلة دوماً حسب ظروفها ومصالحها، فيجب عدم الاعتماد عليهم بأي شيء أو في أي شيء , فالديمقراطيات الغربية حاولت كدول ومنظومات فكرية تجنب الصدمة الوجاهية بالإسلام السياسي رغم معرفتها المسبقة ، بحكم تقدم وسائلها المعرفية ومناهجها البحثية ، بأن التناقض هو ذو طبيعة جوهرية بين الديمقراطية والإسلام ، على الأقل بشكله الحالي ، وهذه الرغبة التكتيكية بتجنب الصدمة كان مردها انشغال الديمقراطيات الغربية بصراعها الاستراتيجي مع الدول الشيوعية والمنظومة الشمولية ، وفي خضم هذا الصراع المستميت ، وجدت الديمقراطيات الغربية في الإسلام السياسي حليفاً شديد الحماس لمؤازرتها ومعاداة الفكر الشيوعي الإلحادي , وهكذا لم تبخل المخابرات الغربية في استعمال الإسلام السياسي كحليف جهادي ضد الشيوعية. وهذا ما تجلى في تبنيها للأنظمة السياسية الأصولية في العالمين العربي والإسلامي، بل واستضافت بعض العواصم الأوربية زعماء من التيار الإسلامي المطاردين من حكومات دولهم العربية والإسلامية وتعاملت معهم كزعماء للمعارضة السياسية لا كمجرمين صدرت بحقهم أحكام قضائية ! فكان دعمها للتنظيمات الأصولية التي أثلجت صدر أميركا.. ومن ناحية أخرى ، كان الإسلام السياسي الحليف الطبيعي للديمقراطيات الغربية حيث نجح بانتهازيته المعروفة وشهوته الهائلة للسلطة، للمساهمة في محاربة الفكر القومي بالتعاون مع الدوائر الاستخباراتية الغربية لإفشال المشروع القومي الوحدوي ، دون إغفال منا لحقيقة هامة هي أن الفشل كان مرده لعيوب داخلية أهمها إهماله للبعد الديمقراطي، لكن هذه العيوب، على فظاعتها لا تستر الأعمال الهدامة التي تطوع بها التيار الإسلامي الذي ساهم بإيجابية منقطعة النظير بكل أشكال التحالف والتآمر لإسقاط كل رموز التيار القومي من دول وأنظمة وأحزاب ومفكرين. وعليه فإن التحالفات الانتهازية والظرفية التي قامت بين معظم أطياف التيار الإسلامي السياسي وحكومات الديمقراطيات الغربية ومخابراتها هي حقيقة لا بد من تثبيتها لأن طرفي هذا التحالف، وبنفاق ما بعده نفاق، حاولا التستر في أدبياتهم عن هذا التحالف وإنجازاته ! وهذه التيارات تتستر الآن برداء فضيلة غير موجودة وتتنكر صباح مساء لتعاملها السابق الطويل وارتمائها في أحضان المخابرات الغربية التي سبق وادّعت أنها فوجئت بالفكر السياسي الإسلامي ومدى العنف والإرهاب القادر على ارتكابه، والحقيقة هي أن الدوائر الغربية لم تفاجأ بعنف الإسلام السياسي ، وإنما ربما فوجئت الآن بارتداده عليها . وبالتالي انتقل هذان الطرفان من التحالف الودود إلى الصدام اللدود بعد فترة تراخ بين الطرفين حيث بدا أن هذا التحالف الانتهازي القديم بينهما فقد مبرراته لانعدام أي سبب فعلي يستدعي تواجده ، ففي غياب أي عدو مشترك لهما ، افترقت المصالح وذهب كل منهما باتجاه آخر مغاير بعد أن بات لكل من الطرفين طموحاته الواسعة ومشروعه الخاص وأجندته التي تتعارض مع الآخر.. وقد أفاد هذا التيار من التغطية الأميركية والأوروبية له ليحارب كافة الأفكار الليبرالية والتنويرية في المجتمعات العربية مستغلاً إحباط ويأس الشعوب العربية وعجز حكامها عن مكافحة الفقر والتخلف وعجزهم عن إيقاف العدوان الإسرائيلي . وصارت المنطقة العربية مفرغة إلا من قطبين هما القطب الإسلامي والقطب الأميركي . وهكذا لم تغير أميركا من إستراتيجيتها , بل سعت أيضاً ومعها الغرب عموماً في نقل العنف من أراضيهم لمنطقتنا العربية خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر عام 2001 , كما لم ولن ينعم أي مشروع عربي ديمقراطي أو تنويري بمناصرة حقيقية منها، ومن جهة أخرى، كانت القوة الأخرى الموجودة تتمثل في التيار الإسلامي السياسي، القوي بطروحاته المسطحة والمخدرة لعقول الجماهير العربية المحبطة التي تحكمها وتسيطر عليها العاطفة أكثر من العقلانية. إن هذا البراءة المصطنعة للطرفين لا يجوز أن تغيب عن ذهن من لديه ذرة من الذاكرة أو المنطق، فالطرفان الأميركي والإسلامي، يستحقان على هذا الأداء الجائزة الأولى للنفاق العالمي.. والسؤال التالي: ماذا بعد صدمة هذين الكائنين شديدي الشراسة واللذين ارتبطا يوماً ما بعلاقة غير شرعية وحلف غير مقدس؟! فلقد بات الضغط الأميركي المتواصل يضع جميع الأنظمة العربية في خانة لا يحسدون عليها، بل ولا تبدو جادة أبداً في وضع التغيير الديمقراطي كهدف مباشر، فحسابات مراكز الضغط تدفع القرار الأميركي في اتجاهات أخرى . إذ لا مصلحة لها بأنظمة ديمقراطية تضع الثروة النفطية في خدمة النمو العربي، ولا مصلحة بأوضاع ديمقراطية تؤدي إلى لملمة الوضع العربي المفكك والمرغوب باستمراره إسرائيلياً .. ولا مصلحة بديمقراطية عربية تضع الصراع العربي – الإسرائيلي من جديد في واجهة العلاقات مع أميركا التي أبداً لن تتخلى عن مصالحها في كل زمان ومكان . في حين أيضاً لا زال الفكر الإسلامي السياسي الحالي والذي يفكر بعقلية عصور غابرة ، عاجزا عن أي تحليل واقعي لما يحصل وهو بالتالي سجين هذيان وهلوسة، وهو لن ينتشل المجتمعات العربية من مشاكلها؟ وكيف ذلك؟ وهو أحد الأسباب الرئيسية لهذه المشاكل؟! وهو لا يقترح عموماً سوى حلول مسطحة وشعارات مفرغة من أي محتوى , ويكتفون بالزعيق والصراخ والتخوين والتحريض على العنف والقتل المجاني في كل مكان وهم سيظلون مستمرين في عملهم التهديمي حتى تصبح البلدان العربية كلها تحت الاستعمار المباشر أو غير المباشر. وبالتالي فإن الخروج من هذه الحالة يكون بالوعي بأن الديمقراطية هي صالحة لنا ولكل الشعوب العربية حتى ولو كانت تشكل عماد النظام السياسي لأعدائنا .. لذلك فإن تشخيص العلاقة الراهنة بين إسقاطات هذين المنهجين هو أمر ضروري قبل محاولة استكشاف إمكانية وجود تلاق أو تنافر بينهما، فالعلاقة المشبوهة بين الطرفين قامت على استغلال الآخر لمصالح وأغراض آنية مرحلية، وهي ككل العلاقات الانتهازية المشبوهة وغير الشرعية .