تاريخ النشر: 2017-05-15 | 20:32
تاريخ النشر: 2017-05-15 | 20:32
رحم الله جدتي أسماء... لقد رحلت منذ سنوات متجاوزة ثمانية عقود ونيف , بدأ ربيعها هناك بين كروم البرتقال اليافي , و شاطئ العجمي الذي لم تكف عن الحنين اليه , مورثة حنينها ولسعات شوقها الى الاحفاد , فعلى الرغم من حبي أنا على المستوى الشخصي لمدينة أهلي , وشوقي الدائم لها , فقد كنتُ أمازحها أحيانا بالقول : انت بتحكي عن يافا وكأنها الجنة .
تغرورق عيناها بالدمع وهي تردُّ عليَّ : يلي ما شاف يافا ما شاف شي يا ستي , وتنداح في الحديث عن ذكرياتها في الامكنة , والمطارح التي لازمتها طفلة وصبية , وحقيقة هي من أورثتني الحنين الجارف الى يافا , بلسعات صوتها وخيباتها المؤلمة في العودة , وقد كانت دائما تنهي حديثها عن يافا بقولها : الله يرحمك يا سليم لو ضلينا شوصار . ؟
هي لم تكن ترغب في الخروج من يافا إبان الاحتلال , ولكنه جدي سليم ... خاف على أخوته فقال : كلها خمسطعشر يوم يا أسما وبنرجع .!
رحم الله جدي , مازلنا ننتظر الخمسطعشر يوم , ولكن لم يتبدل الشوق من الجد الى الاحفاد , وعندما عدت الى ما أُتيح من وطن , لم أتمكن من رؤية يافا فيزيائيا , لظروف الاحتلال الذي مازال جاثما , ومتحكماً في حراكنا في جغرافيا الروح , ولكن منذ عام فقط أُتيح لي الذهاب الى يافا , في يوم شتوي من العام المنصرم , قضيت ساعات محدودة فقط , حقيقة لم تكن يافا تلك الجنة التي حكت جدتي أسماء عنها , ولكن أكبر من كل الكلام الذي قد يدور في خلدي , فمجرد دخولي هواء يافا وملامسة أقدامي لشاطئها ,شعرت بلسعات جدتي أسماء .
كان يومها المطر خفيفاً رهيفاً , غير أني لم أشعر بماء يبللني , وكانت رائحة يافا التاريخ تعضُّ قلبي أينما وليت وجهي فيها , ورأيت الناس هناك يعرفونني ويعرفون أبي وجدي , فاجتاحني الدمع واليقين بأننا من هنا والى هنا لابد عائدون .
رحم الله جدتي أسماء , نامي قريرة العين يا أسماء , فقد أورثتني ما لن يضيع أبدا .