تاريخ النشر: 2016-07-24 | 19:29
تاريخ النشر: 2016-07-24 | 19:29
سفير دولة فلسطين وعميد السلك الدبلوماسي بدولة قطر
المرحوم الشيخ/ ياسين طالب عبد المطلب الشريف، سفير دولة فلسطين وعميد السلك الدبلوماسي بدولة قطر، ومن الرعيل الأول في حركة فتح، والذي غيبه الموت في العاصمة الأردنية (عمان) بتاريخ 24/7/2003م، عن عمر ناهز الرابعة والسبعين عاماً، أثر وعكة صحية ألمت به، قضاها في خدمة وطنه وشعبه وقضيته الماجدة.
ولد الشيخ/ ياسين طالب عبد المطلب الشريف في أحضان مدينة القدس عام 1929م، في حارة السعدية عقبة المفتي قرب دير العدس والتي تبعد عن المسجد الأقصى 300 متر، حيث تكحلت عيناه بها وهو طفل صغير، وكانت ساحات المسجد الاقصى الخضراء ملاعب للطفولة، ترعرع في باحات الأقصى الجريح، لينهل من مصاطب العلم التي تنتشر في أروقته مرتدياً خوذة العلم ودرع المجد.
قبل عامين من مولده ضرب زلزال كبير فلسطين عام 1927م، وصار حدثاً يؤرخ به.
لقد نال الطالب/ ياسين الشريف تربية دينية وأخلاقية في كنف والديه ثم أتبع ذلك بالدراسة في كلية الشريعة بالأزهر الشريف.
بعد انتهاءه من دراسته في الأزهر كان لا بد أن يكمل المشوار بالجهاد في صفوف حركة فتح، وهذه كلها علمته أن يكون صادقاً مع نفسه ومع غيره، جريئاً في طرح ما يؤمن به، مدافعاً عن رأيه، ياسين الشريف، ابن الأزهر الشريف، ووكيل رواق الشام فيه، هكذا كان وأصبح فيما بعد.
التحق الطالب/ ياسين الشريف في المدرسة البكرية بالعيزرية ودرس بها الصف الرابع والخامس، ومن ثم انتقل إلى قرية سلوان حيث درس بها الصفين السادس والسابع وأنهى دراسته الإعدادية عام 1944م.
في إبريل عام 1945م سافر الطالب/ ياسين إلى القاهرة، وأكمل دراسته وتقدم للامتحان ونجح في امتحان القبول للدراسة في كلية الشريعة التابعة لجامعة الأزهر.
أقام الطالب/ ياسين الشريف في رواق الشوام بالأزهر الشريف، ورواق الشوام عبارة عن عدة عمارات سكنية يسكنها الطلبة الأزهريون القادمون من فلسطين والأردن ولبنان والعراق وسوريا.
تخرج من كلية الشريعة بالأزهر الشريف عام 1951م، في تلك الفترة تعرف على كل من الإخوة (فتحي البلعاوي، علي ناصر، سليم شراب، الشيخ/ عبد القادر عابدين، الشيخ/ أسعد التميمي وآخرين) وبعدها تعرف على الأخ/ ياسر عرفات في القاهرة.
بعد تخرجه من جامعة الأزهر عين مدرساً في مدرسة الصلاح الابتدائية للبنات في حي شبرا بالقاهرة لمدة عامين حتى منتصف عام 1953م، بعدها تعاقد مع حكومة البحرين للعمل مدرساً وقد عمل في المدرسة الثانوية وهي الوحيدة في ذلك الوقت في المنامة لمدة عام، بعدها كلف بإدارة المعهد الديني والذي يطلق عليه (المدرسة الدينية) عام 1961م وأخيراً عين مديراً لمدرسة الهداية الخليقية التي أنشئت عام 1919م، وخلال عمله مدرساً في البحرين قام بتقديم برنامجاً دينياً أسبوعياً من خلال الإذاعة المسموعة لمدة ثلاثة عشر عاماً، كان له أثر كبير في زيادة عرى الترابط والأخوة مع أبناء البحرين.
أشرف على مجلة (هنا البحرين) التي تصدرها إدارة الاعلام والعلاقات العامة في حكومة البحرين، وأستمر العمل في المجلة مدة عشر سنوات.
يقول الشيخ/ ياسين الشريف في مرحلة العمل السياسي النشط وخاصة بعد نكسة عام 1967م، فقد استطاعت حركة فتح في جمع شتات الشباب الفلسطيني، وبدأنا مرحلة جديدة من العمل الجاد والمتواصل، في محاولة لبناء الثقة من جديد بعد النكسة، وكان لنا ذلك فقد استطعنا أن نزرع نبتة الأمل في نفوس ابناء الجالية الفلسطينية من جديد، وبدأت جراحات النكسة تندمل، فتقبل منا الفلسطينيون كل ما نقول، وهكذا استطعنا أن نصل إليهم بداية عن طريق البيانات الخاصة بحركة فتح، فيصحون من نومهم ويجدوا البيانات العسكرية على أبواب منازلهم وهكذا إلى أن أخذت الثقة تزداد رويداً رويداً.
عين الشيخ ياسين الشريف كأول معتمد لمكتب المنظمة في تونس عام 1969م، حيث أصبح مديراً لمكتب (م.ت.ف) بتونس، عمل لمدة سنة واحدة وطلب نقله وذلك بسبب ظروف تتعلق بدارسة أبناءه، وكانت أول زيارة يقوم بها الأخ/ أبو عمار إلى تونس يوم 3/3/1969م خلال عمل الشيخ/ ياسين مديراً لمكتب المنظمة والتي قابل فيها الرئيس الراحل/ الحبيب بورقيبه, حيث كانت زيارة تاريخية.
بعد مكوثه في تونس لمدة عام عاد إلى عمان حيث ارتأت القيادة السياسية ضرورة إنشاء محكمة لضبط المخالفين من الحركيين ولعدم انتشار الفساد والفوضى بين عناصر وكوادر الثورة الفلسطينية، وفعلاً تم تشكيل المحكمة برئاسة الشيخ/ ياسين الشريف وعضوية كل من الأخوين حمد العابدين عضو يمين، وغالب الوزير عضو يسار، الَّا أنها لم تدم طويلاً، عمل بعدها في التعبئة والتنظيم مع المرحوم الشهيد/ علي ناصر.
خلال وجود الشيخ/ ياسين الشريف في عمان أرسلت القيادة له شخصاً يطلب منه السفر إلى دمشق وعندما ذهب وجد كل من الأخوين (خالد الحسن وأبو مازن) بانتظاره وقيل له أنه تم اختيارك لتكون مديراً لمكتب المنظمة في قطر، فوافق دون اعتراض على ذلك والعودة إلى الخليج مرة ثانية على الرغم من أنه عاش في البحرين ستة عشر عاماً، كان ذلك في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1970م.
كان مكتب المنظمة قد تم افتتاحه في قطر عام 1964م عنما تم إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية حيث كان أول مدير للمكتب المرحوم/ عبد الله أبو ستة، وقد اعترفت قطر بالدولة الفلسطينية عام 1988م، وبعد مجيء السلطة تم افتتاح مكتب التمثيل الدبلوماسي في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1995م.
بتاريخ 15/11/1974م سافر الشيخ/ ياسين إلى دولة البحرين ضمن وفد من الحركة وتم افتتاح مكتب للمنظمة هناك، حيث كلف بإدارة المكتب كمدير غير مقيم.
في عام 1978م وبعدها نشب الخلاف مع المعتمد المرحوم/ سعيد المزين (أبو هشام) في السعودية، ثم نقل الشيخ ياسين إلى السعودية كمدير لمكتب المنظمة، حيث لم يدم طويلاً وعاد مرة ثانية إلى قطر.
كان الشيخ/ ياسين الشريف مثل مميز في بناء العلاقات الطيبة التي يديرها بحنكة وروية مع قادته ومع الناس ومع زملائه في السلك الدبلوماسي، لم يكن الشيخ/ ياسين الشريف يقحم نفسه قط في مهاترات لا طائل منها، ولا ينغمس في صدامات وتكتلات تهدف جلب المغانم الشخصية واقتناص فرص المظاهر الرائعة.
كان الشيخ/ ياسين الشريف دائماً منارة موجهة، من أجل الإصلاح وتطوير العلاقات العربية وخاصة الخليجية.
لقد كان الشيخ ياسين الشريف عفيفاً نظيف اليد واللسان والطوية، لم تمتد يده يوماً على مال الثورة كي يجني لنفسه ثروة تفوح منها رائحة الريبة في زمن غدا لباس التعفف فيه مهلهلاً عند الكثيرين، شديد الالتزام والحرص على ذلك، فلا يصرف إلَّا بميزان الحق والعدل في إطار مشروع ومبرر.
كان رجل جم التواضع، حلو المعشر، لا يحس بالكبر والخيلاء على أحد، ويتحشم المشاق من أجل الناس سعياً لحل مشكلات أبناء الجالية الفلسطينية في الدوحة وخارجها أن استطاع، ويضع نفسه في كثير من الأحيان في مواقف صعبة كي يدرأ عن بعضهم الغبن ويجنب البعض الآخر الترحيل أو الابعاد، أو السجن، كان يشارك الناس همومهم وأفراحهم وأتراحهم في كل المناسبات.
بتاريخ 22/12/1994م أصدر الرئيس/ ياسر عرفات قراراً بتعيين الشيخ/ ياسين شريف سفير دولة فلسطين في دولة قطر (ممثلاً للسلطة الوطنية الفلسطينية) في دولة قطر إضافة إلى المهام المكلف بها.
كان الشيخ/ ياسين طالب الشريف عميداً للسلك الدبلوماسي في قطر عميد السفراء العرب والأجانب منذ عام 1996م.
كان للرجل مسيرة حافلة بالعطاء والعشق للقضية الفلسطينية التي أعطاها الكثير من جهده ونضاله وعمله وسط السفراء بروح الثائر الذي لا يكل ولا يمل، على رغم أن المرض قد أنهكه خلال السنوات الماضية.
كان الشيخ/ ياسين الشريف من الشخصيات الفلسطينية البارزة في الساحة القطرية، وكان محل احترام وتقدير القطريين على المستويين الرسمي والشعبي حيث وجد تفاعلاً ملموساً بشأن كيفية دعم العلاقات بين قطر وفلسطين، كما وجد فيه من عايشوه عن قرب مناضلاً جسوراً يتوق بل يثق في حتمية عودة القدس مهما طال ليل الاحتلال.
خلال وجوده في قطر وبناء على توجيهات السيد الرئيس/ أبو مازن والتي بلور فيها فكرة إنشاء مدرسة فلسطينية في قطر، فقد قام الشيخ/ ياسين بجهد مبارك من أجل إنشاء تلك المدرسة الفلسطينية والتي تدرس من الروضة حتى الثانوية العامة بالمنهاج الفلسطيني والمصدق من وزارة الخارجية الفلسطينية، حيث يعتبر ذلك إنجازاً عظيماً لفلسطين وللجالية الفلسطينية في قطر.
بعد غياب قسري دام ثلاثين عاماً من عمر الزمن وبعد عودة السلطة إلى ارض الوطن وبتاريخ 31/8/1994م، كان القلب معلق بالوطن عبر جسر اللنبي إلى فلسطين حيث كانت قدماه تطأ أرض فلسطين للمرة الأولى بعد هذا الغياب وقام بزيارة القدس.
أمضى الشيخ/ ياسين الشريف صيف عام 1994م متنقلاً بين مدن الوطن المختلفة، التقى بالأرض والبشر والشجر، واستعاد ذكريات الزمن القديم، عانق بدفء الأهل والأحبة، حيث كان الحلم الذي طال انتظاره، الحلم الكبير الذي يختزن آلام وآمال شعب بأكمله، حلم بحجم فلسطين بكل ما تعني.
بتاريخ 24/7/2003م وفي عمان العاصمة وبعد مغادرته الدوحة حيث كان يعاني من مرض القلب وأدى ذلك إلى هبوط حاد في ضغط الدم، ها هي روحه تصعد إلى بارئها، بعد أن أدى واجبه الوطني الإنساني على أكمل وجه.
الشيخ/ ياسين الشريف/ تزوج عام 1953م ورزق بثلاثة من الأولاد وبنت واحدة، أكبرهم (أسامة) درسوا اقتصاد وهندسة وإدارة أعمال، وعلاج نطق.
انه السفير المثقف الشيخ/ ياسين طالب الشريف، والذي ولد في القدس عام 1929م والتي يعتبرها مسقط الرأس والروح والتي يسافر إليها قلبه كل يوم عشقاً.
سبعة عقود ونيف بين الثقافة والثورة والدبلوماسية، من حارة السعدية في القدس إلى القاهرة إلى المنامة، إلى تونس وعمان والسعودية والدوحة ومحطات أخرى.
إنها سيرة ممتدة من مولد الروح إلى انطلاقتها في فضاءات الدنيا من الدراسة والثقافة إلى الدبلوماسية، سيرة كل محطة فيها تحتاج إلى وقفة خاصة.
صدر للشيخ/ ياسين الشريف كتاب (محطات على الطريق إلى فلسطين) عام 2000م - 2001م.
رحم الله الشيخ السفير/ ياسين طالب الشريف وأسكنه فسيح جناته.